التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي: بين الاستسلام والإبداع

معين العماطوري
معين العماطوري

حسين الإبراهيم

كاتب وصحفي

حين تتسارع التكنولوجيا بوتيرة تفوق الخيال، فهذا يعني أننا نقف على مفترق طرق: إما أن نكون مستخدمين مبهورين بما تقدّمه الآلات، أو أن نكون مفكرين قادرين على توجيهها نحو الخير والإبداع.

في محاضرتي الأخيرة في أكاديمية الأدب والرواية والقصيدة، طرحت سؤالاً جوهرياً:

هل التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي فرصة للتطوّر؟ أم تحدٍ يخفي في طياته خطراً ناعماً؟

حين يتحوّل الذكاء إلى استهلاك: خطر لا يُرى لكنه يُصيب العمق

تخيل “سعيد”، شاب اقتنى جهازًا ذكيًا متطوّرًا، لكنه استخدمه لمدة عام كامل كمنبّه فقط بينما صديقه “علي”، وبنفس الجهاز، تعلّم لغتين وأسّس مشروعه الصغير. الفرق لم يكن في الأداة، بل في الذهنية.

قد نتصور أن امتلاك أدوات ذكية يضعنا مباشرة في مصاف المتقدّمين، لكن الحقيقة أبعد من ذلك. الذكاء الاصطناعي، بكل قدراته الخارقة على توليد النصوص، تحليل البيانات، وحل المعادلات… لا يُضيف لك شيئًا إن لم يكن وعيك حاضراً في طريقة استخدامك أو استثمارك له.

تأمل هذا السيناريو الشائع: شخص يستخدم المساعد الذكي فقط لنسخ الواجبات أو إعداد الرسائل الإلكترونية بسرعة، بينما لم يتحسّن لديه أي من مهارات التفكير، الصياغة أو حتى فهم الفكرة التي يعالجها. النتيجة؟ سرعة بدون عمق. إنتاجية ظاهرية تخفي تراجعًا داخليًا.

ما المشكلة هنا؟

  • نُسقط على التقنية صفة الذكاء… وننسى أن الذكاء لا ينتقل تلقائيًا إلى المستخدم.
  • نستسهل المهام ونعتقد أننا “متطوّرون”، بينما نحن نُفرّغ أدمغتنا من أبسط المهارات الأساسية.

الذكاء الاصطناعي لا يضيف لك ميزة إذا كنت لا تطرح الأسئلة الصحيحة عليه.

ولعل الخطر الأكبر هو أن هذا النمط من الاستهلاك لا يُشعرنا بالذنب أو الكسل كما تفعل مشاهدة التلفاز أو تصفح وسائل التواصل؛ بل يُوهمنا بأننا منتجون ومبدعون لمجرد أننا استخدمنا أداة متطوّرة. إنها وهم التقدّم.

تشبيه توضيحي: امتلاكك آلة موسيقية لا يجعلك عازفًا. يمكنك وضعها في غرفتك وتتباهى بها، لكن إن لم تتعلم العزف، ستبقى مجرد ديكور. كذلك هي الأدوات التقنية… إن لم تتعلّم “اللعب بها”، ستبقى أنت المتفرّج.

تقنية دون إدراك؟ خيال ينقلب إلى وهم

قد تبدو بعض الأدوات التقنية وكأنها مصباح علاء الدين: تكتب سطرًا فيظهر لك مقال، تضغط زرًا فيُصمَّم لك شعار. لكن الحقيقة أن الاستخدام دون إدراك يشبه قيادة سيارة سباق على طريق ضبابي… قد تبهر بالسرعة، لكنك لا تعرف إلى أين تتجه.

🔸 ما الوهم هنا؟ أن تكون تستخدم التقنية في حين أنك تُستخدم بها. أن تعتقد أنك تقدمت لأن التطبيق أنجز عنك المهمة، بينما في الواقع، قد تراجعت مهاراتك التحليلية والابتكارية دون أن تلاحظ.

🔹 أمثلة واقعية:

  • طالبٌ يعتمد على الذكاء الاصطناعي لكتابة أبحاثه، لكنه لا يستطيع شرح فكرة واحدة منها في نقاش شفهي.
  • مصممٌ يستخدم أدوات التوليد الفوري ليبتكر شعارات، لكنه لا يعي أساسيات التكوين البصري أو الرمزية الثقافية.
  • صحفيٌّ يطلب من التقنية صياغة مقال، لكنه لا يراجع المعاني أو يضبط السياق الأخلاقي.

ما النتيجة؟ نموذج لـ “ذكاء مُستعار”، لا ينمو مع صاحبه بل يُخدّره تدريجيًا… حتى يظن أنه يُبدع، بينما هو يكرر ما تصنعه الخوارزميات لآلاف غيره.

من الأدوات الذكية إلى العقول المبدعة

الذكاء الاصطناعي ليس سوى مرآة لقدراتك. كلما كنت مبادرًا، ناقدًا، صانعًا للأسئلة… كلما أصبحت أدواتك أكثر قيمة.

🔹 التحوّل يبدأ من “النية” في الاستخدام:

  • لماذا أستخدم هذه الأداة؟
  • ما القيمة التي أريد أن أضيفها، لا فقط ما أريد “أنتهي منه” بسرعة؟

🔸 قصة مُلهمة: شابٌ أراد تعلم البرمجة لكنه لم يكن يملك كمبيوترًا متقدّمًا. استعان بهاتفه البسيط، وبدأ باستخدام تطبيق مجاني لتجربة الأكواد. خلال عام، صمّم أداة تعليمية تُستخدم الآن في تدريب طلاب الريف. لم يملك أقوى أداة، لكنه امتلك أقوى ذهنية: ذهنية من يرى في القيود فرصًا.

سمات العقول المبدعة في عصر التقنية:

  • لا تُسلم قرارها للتطبيقات… بل تُحاورها.
  • ترى في كل تقنية “وسيلة”، لا “غاية”.
  • تتعلّم مما تنجزه الآلة، لتتجاوزها في المرة القادمة بفكرة جديدة.

العقل المبدع لا يخشى تطور التقنية… بل يُطوّر نفسه ليقودها.

الذكاء الاصطناعي والإبداع:

  • وفقًا لدراسة من معهد MIT، فإن المشاركين الذين كتبوا مقالات بدون استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي أظهروا نشاطًا دماغيًا أعلى، ونصوصًا أكثر أصالة وعمقًا في التفكير، مقارنة بمن استخدموا أدوات مثل ChatGPT أو Google.
  • دراسة أخرى وجدت أن المنتجات الإبداعية الناتجة عن استخدام الذكاء الاصطناعي تكون أقل تنوعًا وتعتمد على خيارات محدودة تقدمها الخوارزميات.

الاستهلاك السلبي للتقنية:

  • في دراسة حول “المشاهدة السلبية” على تيك توك، تبين أن 60٪ من المستخدمين شعروا بالفراغ بعد التصفح لساعات، مما يعكس أثر الاستهلاك غير الواعي【مقتبس من محاضرتك】.
  • تقرير من موقع “سومرية” أشار إلى أن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي يؤدي إلى تراجع مهارات الحفظ والتفكير النقدي، حيث يعتاد الإنسان على الاستفسار بدلاً من الفهم.

الذكاء الاصطناعي في التعليم:

  • من المتوقع أن يصل سوق الذكاء الاصطناعي في التعليم إلى 80 مليار دولار بحلول عام 2032، مما يعكس التوسع الكبير في استخدامه كأداة تعليمية.
  • ومع ذلك، أظهرت دراسة أن 90٪ من الجمهور لم يُبدِ أي سلبية تجاه المحتوى التعليمي المُنتج بالذكاء الاصطناعي، مما يدل على تقبّل واسع، لكنه يطرح سؤالًا: هل التفاعل يعني بالضرورة فهماً عميقاً؟.

مفاتيح التحوّل: ثلاث خطوات للعبور من الاستهلاك إلى الابتكار

  1. فهم الآلة قبل استخدامها: لا تكن مجرد مستخدم، تعرّف إلى آليات الذكاء الاصطناعي، حتى بأبسط الصور.
  2. فكّر بحلّ لا بتكرار: اسأل نفسك يوميًا: ما المشكلة التي أستطيع حلها اليوم بأداة أمتلكها؟
  3. شارك المعرفة: التقنية لا تزدهر إلا عندما تصبح جماعية ومفتوحة للتبادل.

الخاتمة: التقنية بيدك… فماذا ستفعل بها؟

نعم، الذكاء الاصطناعي أداة قوية، لكن السؤال الحاسم لم يعد: هل نمتلك التقنية؟ بل: هل نمتلك الجرأة على استخدامها بذكاء؟

اسأل نفسك، لا من باب التنظير، بل من سلوكك اليومي:

  • عندما تتلقى مقترحات المحتوى، هل تقرأ بعين ناقدة أم تستهلك بلا وعي؟
  • هل تحفظ ملاحظاتك في تطبيقات ذكية فقط… أم تستخدمها لبناء أفكار ومشاريع؟
  • كم مرة ضغطت على “انسخ” بدل أن تعيد صياغة الجملة بأسلوبك؟
  • هل شاركت الآخرين بما تعلمته؟ أم ظلّ ما اكتسبته مجرد معرفة خامدة في جهازك؟

التقنية اليوم ليست ترفًا، بل مرآة لسلوكك. كل أداة رقمية بين يديك يمكن أن تكون:

  • جسرًا نحو تطوّرك…
  • أو مصيدة تسرق وقتك وتهدهد طموحك.

تذكّر: ستيف جوبز لم يصنع العالم الرقمي وحده… آلاف المطوّرين الذين فكّروا بشكل مختلف هم من حوّلوا الهاتف إلى مصنع للأفكار.

فكرّ: ما التطبيق أو الأداة التي تستخدمها يوميًا؟ كيف يمكن أن تصبح منصة لحل مشكلة، لا مجرد وسيلة للترفيه؟

في النهاية، ليست التقنية من ترسم المستقبل… بل اختياراتك هي التي تفعل ذلك. هل ستكون صانع معنى؟ أم مجرد مستخدم آخر في طابور لا ينتهي؟

شارك المقال
اترك تعليقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *