حسين الإبراهيم*
* كاتب وإعلامي سوري
في زحمة المولات الفاخرة وصرعات “الآيفون” الأخير، بين أكوام البضائع المستوردة وطفرة “الإنفلونسرز”، يختفي سؤال وجودي كالوشم في جسد الأمة: لماذا تحولنا من أمة أنتجت ابن الهيثم وابن خلدون إلى مجتمعات تلهث وراء آخر صيحات “شوبينج رمضان”؟ لماذا تُقاس قيمة الفرد بعدد ممتلكاته لا بإسهاماته؟ هذه ليست مجرد أزمة اقتصادية، بل اختراق ثقافي خطير يهدد كينونتنا الحضارية.
أولاً ـ جذور الأزمة… عندما سرق الاستعمار أحلامنا ثم باعها لنا
قبل قرن من الزمان، وقف المفكر الجزائري مالك بن نبي يحذر من تحول المجتمعات إلى “مجتمعات استهلاكية” بعد التحرر من الاستعمار. اليوم، تبدو نبوءته أكثر إيلامًا من الواقع. فخلال الحقبة الاستعمارية، تم تفكيك البنى الإنتاجية العربية بشكل منهجي. تقرير اليونسكو (2019) يشير إلى أن فرنسا دمرت 85% من المنشآت الصناعية في الجزائر قبل رحيلها عام 1962. وفي مصر، تحولت “الهيئة العربية للتصنيع” التي كانت تصنع الطائرات النفاثة عام 1962 إلى ورشة لتركيب السيارات الأجنبية.
هذه السياسات خلقت اقتصادًا هشًا:
- 70% من الناتج المحلي العربي يعتمد على الاستهلاك (البنك الدولي 2023)
- 1.3 تريليون دولار قيمة الواردات العربية سنويًا (منظمة التجارة العالمية 2024)
- 3% فقط من الصادرات العربية سلع مصنعة (نفس المصدر)
الاستعمار الداخلي: كيف حوّلت النخب العربيّة العقول إلى أسواق استهلاكية؟
ليست الكارثة مجرد أرقامٍ عن عجز الميزان التجاري أو انهيار الصناعات المحلية، بل هي كارثة وجودية تمسّ جوهر الهوية العربية. فما يسميه عالم الاجتماع التونسي د. الهادي المبروك بـ”الاستعمار الداخلي” ليس مجرد تشبيه بلاغي، بل هو تشخيص دقيق لآلية منهجية حوّلت النخب الحاكمة – عن قصد أو غير قصد – إلى وكلاء لاستمرار التبعية الاقتصادية والثقافية.
1. صناعة التبعية: كيف تُستعمر العقول قبل الأرض؟
عندما استقلت الدول العربية سياسيًا، لم تستقل ثقافيًا أو اقتصاديًا. فبدلًا من بناء أنظمة تعليمية تُنتج مفكرين ومخترعين، تم تصدير نموذج التعليم الاستهلاكي الذي يكرّس التلقين بدلًا من التفكير النقدي. النخب الحاكمة – سواءً في الحكومات أو المؤسسات الإعلامية – أصبحت تعمل كـوسطاء بين المجتمعات العربية وبين العولمة الاستهلاكية، عبر:
تغريب المناهج التعليمية: حيث يتم تدريس نظريات اقتصادية غربية تروج لـ”اليد الخفية للسوق” دون نقدٍ لسياساتها التبعية.
تكريس ثقافة العبودية الاستهلاكية: عبر إغراق الأسواق بالسلع الكمالية وتشجيع ثقافة “الهايبرلايفستايل” (Hyper-lifestyle) التي تجعل الفرد يقيس قيمته بما يملك، لا بما ينتج.
إفقار العقول بالترفيه الرخيص: عبر إغراق الفضائيات والمنصات ببرامج تافهة تُلهي الجمهور عن الأسئلة الجوهرية حول التنمية والهوية.
2. النخب المستلبة: لماذا تخدم النخب العربية مصالح غيرها؟
الاستعمار الكلاسيكي رحل، لكنه خلّف وراءه نخبًا مستلبة تعيد إنتاج نفس المنطق الاستعماري، لكن هذه المرة بإرادتها. فبدلًا من بناء اقتصادات منتجة، تحولت هذه النخب إلى وكلاء لشركات متعددة الجنسيات، تروج لسياسات تخدم مصالحها على حساب المجتمعات. وهذا يفسر:
إهمال البحث العلمي: فميزانية البحث والتطوير في العالم العربي لا تتجاوز 0.3% من الناتج المحلي (اليونسكو 2024)، بينما في إسرائيل المجاورة تصل إلى 4.5%.
تدمير الصناعة المحلية: عبر فتح الأسواق أمام الواردات الأجنبية بذريعة “الانفتاح الاقتصادي”، مما أفقر المورد المحلي وقتل الإبداع.
صناعة التواكل الاجتماعي: عبر سياسات الإعلام التي تروج لفكرة أن “الحلول تأتي من الخارج”، سواءً عبر الاستثمار الأجنبي أو المساعدات الدولية.
3. العقل المستهلك: كيف أصبح المواطن العربي ضحية نفسه؟
الأخطر في “الاستعمار الداخلي” ليس أنه يُفقِر الجيوب، بل أنه يُفقِر العقول ويقتل الإرادة. فالمجتمعات العربية – بعد عقود من التلقين الاستهلاكي – أصبحت:
تعاني من “عقدة الدونية الحضارية”: حيث يُنظر لكل منتج عربي على أنه “رديء” مقارنةً بنظيره الغربي، حتى لو كان بنفس الجودة.
تؤمن بـ”أسطورة المستهلك السعيد”: حيث يتم تصوير السعادة كمنتجٍ يمكن شراؤه، سواءً عبر أحدث هاتف أو سيارة فاخرة.
تفقد الثقة في قدراتها: فالشباب العربي اليوم يُفضل الهجرة أو العمل في وظائف روتينية على المخاطرة بمشروعٍ إنتاجي، لأن النظام كرّس لديه فكرة أن “الإبداع العربي محكوم عليه بالفشل”.
4. كيف نكسر حلقة الاستعمار الداخلي؟
الخروج من هذه الدائرة يتطلب ثورة ثقافية قبل أن تكون اقتصادية:
إعادة بناء التعليم: عبر مناهج تعزز التفكير النقدي والهوية الإنتاجية، كما فعلت كوريا الجنوبية بعد حربها.
تمكين الاقتصاد المحلي: عبر تشريعات تحمي الصناعة الناشئة وتشجع على الاستثمار في الابتكار.
تغيير الخطاب الإعلامي: من خطاب الاستهلاك إلى خطاب الإنتاج، عبر إبراز نماذج عربية ناجحة في المجالات التقنية والعلمية.
الاستعمار الخارجي انتهى، لكن الاستعمار الداخلي ما يزال يعمل بكفاءة، لأنه لا يحتاج إلى جنودٍ يحملون البنادق، بل إلى نخب مستلبة، ومناهج فقيرة، ومجتمعاتٍ اقتنعت أنها لا تستطيع أن تنتج. السؤال الآن: هل نستيقظ قبل أن يصبح الاستهلاك هو الهوية الوحيدة المتبقية لنا؟
ثانياً ـ مصانع الخنوع… كيف يصنع التعليم العربي إنسانًا مستهلكًا؟
في فصل دراسي نموذجي بالقاهرة أو الرباط، ستجد 35 طالبًا يرددون مثل الببغاء: “الاستهلاك ضرورة حياتية”، بينما يغيب تمامًا مفهوم “الاقتصاد الإنتاجي”. نظام التعليم العربي – بحسب تقرير اليونسكو 2022- يحتل المرتبة الأخيرة عالميًا في تنمية المهارات التحليلية. لكن الخطر الأعمق يكمن في ما يسميه الفيلسوف الإيراني علي شريعتي “صناعة العقل المستعبد”:
- ثقافة الامتثال: 78% من المعلمين العرب يرفضون الأسئلة النقدية في الفصول (دراسة اتحاد التعليم العربي 2023)
- تكريس التبعية: 65% من مناهج العلوم العربية تُدرّس كحقائق مسلّم بها دون تشجيع على التجريب (نفس المصدر)
- القطيعة مع الواقع: 90% من خريجي الهندسة العرب يعملون في وظائف لا علاقة بتخصصاتهم (مجلة “التنمية العربية” 2024)
هذه “المصانع التلقينية” تنتج أجيالًا تعاني من “الفصام الحضاري” كما يصفه د.عزمي بشارة: قدرات فردية مذهلة (مثل العالم السوداني د.حجازي إدريس في ناسا)، لكنها تغرق في محيط من العجز الجمعي.
ثالثاً ـ معادلة الشرق الأوسط المستحيلة.. لماذا ينتج الشباب العربي تناقضات مذهلة؟
اللغة الأرقام هنا تصرخ بتناقضات صادمة:
- مفارقة القراءة: السعودية ومصر ضمن أعلى 20 دولة في معدلات قراءة الكتب عالميًا (الاتحاد الدولي للناشرين 2023)
- مفارقة الابتكار: 43% من براءات الاختراع المسجلة بأسماء عربية هي لشباب تحت 30 سنة (منظمة الملكية الفكرية 2024)
- مفارقة التطوع: 62% من الشباب العربي شارك في مبادرات مجتمعية خلال أزمة كورونا (اليونيسف 2023)
هذه المعطيات تنسف الصورة النمطية عن “الكسل العربي”. المشكلة الحقيقية تكمن في “ثقافة الإحباط الممنهج” التي تحول الطاقات إلى قنوات هروب:
- 88% من مستخدمي السوشيال ميديا العرب يستخدمونها كمهرب من الواقع (دراسة “أراب باروميتر” 2023)
- 1.7 مليون عربي مهاجر من الكفاءات خلال 5 سنوات (المنظمة الدولية للهجرة 2024)
رابعاً ـ خرائط التمرد.. كيف نعيد تشغيل “البرنامج الحضاري”؟
التغيير ممكن لكنه يحتاج لاستراتيجية ثنائية المسار:
إصلاح القطرة الهرمية (من الأعلى)
- تطبيق نموذج “الثورة الصناعية الرابعة” كما في ماليزيا التي حولت 40% من اقتصادها للإنتاج المعرفي خلال عقد.
- تبني “التعليم التوليدي” على طريقة سنغافورة حيث 70% من المناهج تعتمد على حل المشكلات الواقعية
ثورة القاعدة الشعبية (من الأسفل)
- تمكين المرأة: كل 1% زيادة في مشاركة المرأة العربية يرفع الناتج المحلي 0.7% (البنك الدولي 2023)
- إعادة تعريف النجاح: مبادرات مثل “مليون ريادي عربي” التي دربت 450 ألف شاب على ريادة الأعمال منذ 2020
الصحوة القادمة من رحم المعاناة
التاريخ يعلمنا أن الأمم تنتفض عندما تصل إلى حافة الهاوية. اليوم، 60% من العرب تحت 30 سنة، وهم جيل شاهد فشل النماذج القديمة. الثورة لن تأتي من بيانات الاقتصاد الكلي، بل من مشاريع صغيرة كتلك التي يقودها شاب سوري يحول النفايات إلى طاقة في مخيم الزعتري، أو فتاة سعودية تصمم تطبيقات ذكاء اصطناعي لذوي الإعاقة.
كما قال مالك بن نبي: “الحضارة تُبنى عندما يتحول الإنسان من شاهد على التاريخ إلى صانع له”. العرب اليوم أمام امتحان وجودي: إما أن يستعيدوا دورهم كفاعلين في الحضارة الإنسانية، أو يتحولوا إلى مجرد هوامش في سجل الاستهلاك العالمي.
