الحلقة السابعة من اطلالة على التقمص عند النصيرية

معين العماطوري
معين العماطوري

الدكتور زهير الحلح

باحث وكاتب

بلغت عقيدة التناسخ مع النصيرية الأهمية القصوى، فاحتلت مكانا بارزا في تفكير الدعاة النصيريين وكونت الى جانب عقائد أخرى كالتجلي الإلهي ونسخ الشرائع والتقية جوهر هذه الديانة.

ان الآراء التي طرحتها النصيرية حول موضوع التناسخ قد طغت على ما عداها فتعرضت للقضية من كل جوانبها. وأوردت كل التفاصيل اللازمة لإيضاحها وأصبح لفكرة انتقال الروح في الأبدان مبادئ وأصول عديدة ولها غايات وأهداف جمة. ولقد انطلقت النصيرية من الأفكار المتداولة حول التناسخ، ثم ما لبثت ان اجرت عليها إضافات شتى.

فنلاحظ ان الأرواح في تجوالها بين الأجسام تسير في اتجاهين، أرواح المؤمنين الى أعلى وأرواح الكفار الى أسفل، الأولى تبلغ كمالها بالعودة الى عالم النور بينما الثانية يصيبها الانحلال والفناء فتدخل في الجهاد حيث لا رجعة لها عند قيامة قائم الزمان:” استوجب الكافر ذلك لما سبق من الكفر والجحود والانكار الى الحق وأهله فيعاقبه الله في كل شيء خالف الصورة الإنسانية من بقر وغنم وابل ودواب فهم مسخ ونسخ. فالذي يؤكل منه نسخ والذي لا يؤكل منه فهو مسخ…وذلك كله عدل من الله عز وجل لقوله تعالى: – وليذيقهم من العذاب الأدنى- (السجدة 27) وكذلك في سورة الانفطار 38 – في \اي صورة ما شاء ركبك- وقوله تعالى: -وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه الا أمم مثلكم- (الأنعام 38) قال العالم يعني ان كل دابة في الأرض وفي السماء كانت أمم قبلكم… قال العالم منه السلام: لأخرجنكم من الأبدان الكدرة الى الأبدان الزاهرة، فأرواح المؤمنين تعاد الى ما منه بدأت أي الى نور الله. ثم قال العالم: ان الله خلق أرواح المؤمنين من نوره وضعهم من رحمته وأخذ عليهم الميثاق بالولاية فلذلك صار المؤمن أخو المؤمن من أبيه وأمه فأمه الرحمة وأبوه النور” 1

وكيفية هذا الانتقال صعودا او هبوطا حددته قوانين صارمة ومتشعبة أحيانا. ففي الاتجاه الصاعد لا تعود النفس في معظم الأحيان الى درجتها السابقة ولا الى ما دونها وانما الى ما فوقها وعليه فان روح الرجل المؤمن لا تحل في جسد امرأة باعتبار ان منزلة الرجل بينما روح المرأة المؤمنة يمكن انتقالها الى جسم رجل. وفي الاتجاه المعاكس فان روح الكافر تقوم من جديد في جسد امرأة ولا يجوز لروح المرأة الكافرة أن تتقمص في جسد رجل بل يجب ان تتابع انسفالها وانحطاطها فتدخل في الأجسام الحيوانية المختلفة.

وعندما تصل النفس الى صور المسوخية تخضع أيضا لقوانين أخرى فإذا كان الذكر يفضل على الانثى فانتقالها يكون من أعلى الى أسفل وليس العكس أي أن الذكر يعود انثى بينما الانثى لا تصير ذكر. وإذا تساوا الذكر والانثى في المرتبة والفائدة يحق للنفس أن تحل في جسد من نفس النوع أو غيره قال المفضل: ” سأل الصادق أيرد الرجل المؤمن في صورة امرأة مؤمنة أم لا؟ فقال لا والله لا يكون ذلك فإن المرأة المؤمنة ترد في صورة المؤمن إن قدر الله لها التمام. وأما المؤمن فإنه أكرم على الله أن يرد في صورة امرأة ويحط الله من درجته الى درجة وضيعة الى ما هو أخس منها أي الى المنزلة الدنية حتى يكون في أصناف المسوخية التي يستوحش الناس منها. سألت مولاي عن الكافر والكافرة فقال نعم يرد الكافر في صورة المرأة الكافرة ولا ترد المرأة في صورة الكافر” (2)

قال المفضل: ” سألت مولاي العالم منه السلام عن البهائم هل يرد الذكر أنثى ذكر أم لا يرد.؟ فقال: ما كان يحل أكله فإنه يرد الذكر أنثى والأنثى ذكر والبهائم التي لا يحل أكله …. فجين إذ يرد الذكر ذكر والأنثى أنثى” (3)

وحلل كتاب ولاية بيروت عقيدة التناسخ وأكد السمة العامة لها وأجملها بالقول نقلا عن مؤسسي هذه العقيدة:” إ، أرواح الأتقياء من النصيرين تنتقل بعد الموت من جسم إلى آخر حتى تنشط من أوزارها ثم يكون النشور فترجع إلى أصلها أي تنتقل من الجسمية وتكون كوكبا يلتحق بعالم المجرة كم كان من قبل أما أرواح العصاة فتنتقل في أجسام كثيرة تتمثل في اليهودي أو المسلم أو النصراني ويحيق العذاب فيها برهة حتى تتطهر من أدران الذنوب وتكون كالفضة النقية ثم تنقلب كوكبا وتلحق بأبناء دينها في السماء. أما المسلمون الذين لا يعبدون علي فيصيرون حميرا والنصارى خنازير واليهود قردة.”(4)

و تجعل النصيرية لانتقال الروح في الأجسام حجة و سبب فتربطه بما سلف من الأعمال و تصوره كنتيجة منطقية لما أقدمت عليه النفس و جنته خلال الحيوات السابقة و هذا ما يدل على تأثرها العميق بفكرة الكارما الهندية و التي نجدها في المؤلفات النصيرية نصوصا تتضمن مبادئها و تدعم صحنها ” إن من الكافرين من يتركب في المسوخية و منهم من يتركب في خلق الانسان ومنهم من يتركب في البهيمة وهي جزاء على قدر أعماله التي سلفت منه التركيب الأول… فكل ما سبقت له الأعمال من البر والخير من تسبيح وصلاة و زكاة فإنمال يوفى أجره على قدر ذلك من الإحسان و الإساءة وكذلك في هذه الدنيا” (5)

وهذه الفكرة تتعارض مع الخط التصاعدي الذي تسلكه أرواح المؤمنين فاعتمادا عليها يصبح لزاما عللا روج من أخطأ أو قصر في أداء واجباته إظهار طاعاته أن يتكرر في قميص جديد أدنى منزلة مما كان عليه في الدور السابق وقد لحظ كتب النصيرية هذه الناحية وأجازت تدني درجة المؤمن إذا أساء استعمال النعم التي منحت له أو أضر بأحد إخوانه في الإيمان. ” إن المؤمن قد يكون عبدا مملوكا لأخيه المؤمن ولا يكون عبدا مملوكا للكافر والعلة في هذا أن المؤمن في الدور الأول كان أخا لهذا المؤمن الذي قد ملك في الدور الثاني فكان هذا المؤمن أوسع دينا وأيسر منه فلم يواسيه ولم يقدم له ما يوجب له بحسب ما يوجد للأخ على أخيه …. فكان من هذا المؤمن إليه تقصير في أداء الذي يوجب عليه وجعل يستكره ويتعبه في الأيام ولم ينل منه خيرا حتى إذا ورد في الكرة الثانية أذله الله لهذا المؤمن المتعوب المقدود من المؤمن الذي لم يؤدي حقه وما وجب عليه من سر الإخوان ” (6)

لم تخرج النصيرية في تحديد الغاية من التناسخ عما رسم له سابقا فكررت القول بأن انتقال نفس الانسان من جسد الى جسد يحقق العدالة الإلهية فتنال هذه النفس جزاءها أو عقابها. ” فهذه دار الجزاء ودار المكافأة والانتقام حتى كل نفس توفى ما كسبت وهم لا يظلمون ” (7)

الا أن ما تضيفه النصيرية في هذا المجال يظهر في تنوع واختلاف الغاية من العقاب الذي يحل في الانسان. فبالنسبة        للمؤمن يكون تطهيرا له أما للكافر فهي تحقرا وقصاصا. “وأما النوازل التي تعرض للمؤمن والآفات والعاهات طهارة له في الاخرة وأما التي تنزل بالكافر فذلة وانتقاما ” (8)

ويوجد في كتب النصيرية بعض النصوص التي تشير الى أن المسخ ليس حقيقا إذ يبقى الممسوخ في صورة الانسان ولا يستطيع المؤمن العادي أن يميزه من بقية الخلق فهذه الموهبة لا تتحقق الا للإمام أو لمن بلغ درجة عالية في الإيمان. ” وأنه ليلقاك الرجل في بدنه وأنت تظن أنه آدمي وإنما هو قردا أو خنزيرا أو كلبا أو دبا فاشتبه ذلك على الناس بل إنما يظنون أنهم مثلهم. ” (9)

وروى المفضل الجعفي أنه سأل جعفر الصادق أن يريه المسوخية فقال: ” فمسح بيده على عيني ثم قال فنظرت الى القوم الذين رأيتهم مقبلين ومدبرين قد عاد أكثرهم كلاب وقردة وخنازير وثعالب وغير ذلك فقلت يا مولاي من هؤلاء؟ قال هؤلاء ذرية إبليس يخالطون الناس وهم في المسوخية هل تعرف أحد منهم قلت وما ظننتهم ممسوخين. قال فهم ممسوخين وهم عباد الله أصحابك يا مفضل ثم قال أغمض عينيك يا مفضل فأغمضتهم فمسح بيده الكريمة على عيني وقال لي أنظر إليهم ففعلت وإذا بهم قد عادوا اما كانوا عليه. ” (10)

 وخلاصة القول أن النصيرية قد اعتبرت أن نفس المؤمن لا تتعرض للمسخ بينما نفس الكافر تنتقل في الصور المسوخية ولا يتاح لها أن تعود الى الأجسام الإنسانية ففي ذلك حصر للأرواح في دائرتين لا اختلاط بينهما تشمل الأولى الصور البشرية و ما فوقها و هي خاصة بالمؤمن وحده يتدرج بها الى أن يبلغ الكمال و تتكون الثانية من صور الحيوان ويتحمل فيها الكافر مختلف أنواع العقاب و يتابع انسفاله الى أن يخلد في الأحجار و المعادن و النصيرية هي من أكثر الفرق الدينية التي ت حدثت عن التمييز بين الرجل و المرأة و الذكر و الأنثى و على المستوى البشري رفضت رفضا قاطعا أن يتقمص الرجل المؤمن في جسد امرأة فبالنسبة لتقمص المرأة في جسد الرجل فقد اختلف النصيرون حول هذه النقطة فأجاز بعضهم أن ترد المرأة في صورة الرجل إن كانت مؤمنة فاضلة و هذا لأن الخلود و الكمال بنظرهم مقتصر على الرجال دون النساء و رفض البعض الاخر حصول مثل هذا التقمص لأنهم اعتقدوا بفناء روح الأنثى و موتها . ” والأكثرية اللاحقة منهم، هم من أتباع الشيخ الحسين ابن حمدان الخصيبي المصري وهؤلاء يختلفون عما عداهم من النصيرية بعقيدة بقاء أنفس الإناث منهم فيقولون إنها تثاب وتعاقب وما عداهم يعتقدون بأن الأنثى مجردة عن وجود النفس الناطقة وأن نفس النساء تموت بموت أجسادهن. ” (11)

وخلاصة الكلام النصيرية تؤمن بتناسخ الأرواح وان الأرواح عندما تفارق الجسد بالموت تتقمص ثوبا آخر وهذا الثوب يكون على حسب ايمان هذا الشخص وكفره لهذا يعتقدون أن الثواب والعقاب في هذه الدنيا ويعتقدون أن المؤمن يتحول عندهم سبع مرات قبل أن يأخذ مكانه بين النجوم ينتقل من القمصان اللحمية الى القمصان النوعية. وان جميع ما في السماء من كواكب فهي أنفس المؤمنين الصالحين منهم لهذا يلقبون علي بن أبي طالب أمير الكواكب والنجوم. (12) الحسيني – الجذور التاريخية للنصيرية العلوية-ص56

المراجع:

1- الهفت الشريف – المفضل الجعفي –تقديم مصطفى غالب- دار الأندلس ط2- 1977 ص 89-92

2- مصدر سابق – ص 166 -169

3- مصدر سابق – ص 168

4- ولاية بيروت- القسم الشمالي-رفيق تميمي ومحمد بهجت-دار لحد خاطر-بيروت -1979 ص 93

5- الهفت الشريف – ص 140 – 141

6- مصدر سابق – ص 148

7- مصدر سابق – ص 154

8- مصدر سابق – ص 158

9- مصدر سابق – ص 60 – 61

10- مصدر سابق – ص 83

11- الهفت الشريف – مقدمة مصطفى غالب – ص 19

12- الجذور التاريخية للنصيرية العلوية-الحسيني عبد الله-دار الاعتصام- القاهرة-1980

شارك المقال
اترك تعليقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *