الأستاذ الدكتور عطا الله الرمحين
استاذ الإعلام في جامعة دمشق
قراءة تعريفية لكتابا” تحت عنوان” الخوف، الوعي، الدين” لمؤلفه الدكتور معذى الصالح، يتناول الكتاب مجموعة من الأفكار الجديدة اللافتة للنظر، صدر الكتاب عن دار الحوار في دمشق …
أولا” : أهم ما جاء فيه الوعي قبل الدماغ
ثانيا” : الوعي والمادة
ثالثا”: الوعي والطاقة والمادة
– أثر الطاقة على المادة
– أسباب الخوف
– الخوف وشريعة الغاب
– أثر الخوف ، فوائده ومضاره
رابعا” :- الخبرات ونمو الدماغ
خامسا”:
– تأثير الخوف والوعي على بناء الجسم
– الآراء الحديثة في التطور
– البيئة والحياة
– مبادئ التطور التخصصي الهادف
وموضوعات أخرى ….
– الجزء الثاني :
– الأم الحيوانية وشريعة الغاب
– التفاوت في الوعي ، الثنائيات المهجرة
– لماذا الإنسان سبق الحيوان وعيا” ؟
وموضوعات أخرى …
الجزء الثالث :
– الإنسان تحدى الألهة وأبعدها وحكم بإسمها، وموضوعات اخرى لها علاقة في تطور الاسطورة في الأديان حتى تاريخه …
هدية ثمينة تلقيتها من الدكتور معذى الصالح، هدية لا كالهدايا التي تفرح بها فحسب، ولكنها تلك التي تُدهشك بمحتواها وتحتفي بمهديها على ما تصدى له من بحث رصين في مسائل طالما شغلت كبار الفلاسفة والعلماء في الخلق والكون وعلوم الفلك والجيولوجيا والنشوء والارتقاء وعلوم الأحياء، في الوعي الكوني والإنساني والأسطورة والدين.
يقول الدكتور الصالح، إن هذا المؤلف استغرقه عشر سنوات من البحث الدائب وأنهاه عام 2022 حينما بلغ السادسة والثمانين.
في مؤلفه الضخم هذا: “الخوف – الوعي – الدين”، وعلى مدى 464 صفحة من القطع الكبير والحرف الصغير الذي ربما يزيد عن 180,000 كلمة (الناشرون يقدرون معنى ذلك)؛ لا تني كقارئ إلا أن تلاحق غزارة المفاهيم والأفكار التي عالجها، من دون أن تمل من التكرار الذي ربما كان لازمًا جراء ترابطها واشتباكها، وعلى الرغم من التوسع والإسهاب، بقيت المباحث تحت السيطرة، وجرى عرضها وتقديمها بلغة مترابطة سهلة ميسرة لمفاهيم قد تكون صعبة ومعقدة. اقتصد المؤلف في المصطلحات الأجنبية وعوضها بمدلولاتها العربية أحيانًا، ونحت، بتوفيق، بعضها بالعربية أحيانًا أخرى.

أما لجهة بعض الهنات التي لم يراعها الناشر في التدقيق اللغوي، فبرغم نشوزها؛ لم تنل من المضامين ولا من لغة المؤلف السلسة بشكل عام.
يناقش ويجادل ويحاجج الدكتور الصالح طيفًا واسعًا من الفلاسفة والعلماء والمفكرين، ويستخلص لنفسه ولنا نحن القراء آراءه الخاصة. لا أجازف إذا قلت إنه بذلك ليس باحثًا فحسب، بل مجتهدًا بلوَرَ وأنتج معرفة تستحق الاهتمام والاحتفاء.
إن ترتيب الكلمات الثلاث لعنوان الكتاب، ما هو إلا تعبير عن المراحل المتأخرة لنشوء الحياة على الأرض.
تناول بحثه ابتداء من الانفجار الكبير، ومسألة الطاقة والمادة، وديدن كوكب الأرض الملتهب في التخلص من الطاقة، باتجاه التخامد والاستقرار، وبالتزام المادة “الواعي” بما أطلق عليه “عقد الخمول”.
وبعدما تحقق ابتراد الأرض وتكونت النباتات ومن ثم وحيدات الخلية، وبدأ استهلاك الطاقة بدلًا من إطلاقها؛ ابتدأ ما أطلق عليه “عقد الحياة”، وهنا يبدأ الخوف علةً للتطور، والوعي قائدًا، ويبرهن د الصالح، مخالفًا الكثيرين، بألّا مجال للصدفة أو للطفرة في التطور المادي والحيوي، إذ يجادل بأن الوعي قائد في جميع الحقب. لم ينحُ إلى الحتمية، ولكنه وصف سيرورة التطور تاريخيًا.
ويحاجج د الصالح في مسألة الوعي عند الإنسان والتطور إلى وعي الدماغ، بأن وعي الأعضاء سابق ووعي الدماغ لاحق، وانفعال الأعضاء بالخوف والحماية يسبق الدماغ (الذي بدوره صار إلى مخدّم لمختلف المراكز الخاصة بالأعضاء في الجسم)، فلكل عضو من الجسم أجهزته ومركز وعيه، منها ما أشارت إليه الأبحاث (القلب) ومنها ما ينبغي أن يُكتشف لاحقًا، كنوع من التنبؤ العلمي الذي اتسمت به بعض مباحث الكتاب.
أرى أنه ليس وحده د الصالح من قال بأن الدين ابن الخوف فقد قالها كثيرون، وجعل لها الفيلسوف برتراند راسيل حيزًا مهمًا في كتابه “ما الذي أؤمن به”، ولكن د الصالح تناول الخوف ليس بالحرارة الدعوية لراسيل ولكن ببرود البحث الرصين، بل بأن الخوف علة النشوء والارتقاء بدءًا من وحيدات الخلية وتطور الأحياء والبشر ومنشأ مجتمع الأمومة والسحر والاسطورة والطوطم والدين، دين الأم ثم دين الابن حتى الأديان الراهنة والتشكيلات الاجتماعية لكل أوان. ويرى المؤلف أن الخوف تراجع أمام ارتقاء الوعي والكشوف العلمية وغزو الفضاء والهبوط على القمر والثورة التقنية والمراصد العملاقة والمراكب الفضائية التي بددت إلى حد كبير عامل الخوف، وأدت إلى ما آلت وستؤول اليه حالة الأديان الراهنة.

أما فيما يخص التعصبات التي تدور اليوم للدين من جهة وللعلم من جهة أخرى، فيرى المؤلف أنه على الطرفين أن يعيا أنه لا العلم كان قادرًا على القيام بدور الدين في التطور عبر آلاف السنين السابقة، ولا الدين اليوم قادر على دور العلم في التطور الهائل والمتسارع في الاكتشافات وارتقاء الوعي. فليتخففا من غلوائهما. أما التفاصيل فهي كثيرة وغنية، لا تقتصر على أطوار الدين المختلفة، ولا على الأساطير السومرية والبابلية الغنية. وللمؤلف في كل تفصيلة وجهة نظره المميزة التي لا يمكن إلا أن تقول إنني اكتسبت معرفة جديدة، أو اتسعت زاوية رؤيتي للكينونة.
لا يغني تقديم هذا الكتاب، بما يحتويه من تعدد المباحث وغزارة المحاورات، بكلمات قليلة، عن قراءته والتمعن في خلاصاته واستنتاجاته.
تحية وتقدير للدكتور معذى الصالح على ما بذله من جهد عظيم في تأليف هذا الكتاب الغزير بالمعرفة والاجتهادات المميزة الجديرة بالاهتمام العام، وتحيه له من القلب إذ خصني بهذه الهدية الثمينة، التي ستبقى قريبة من يدي ووجداني…
ولابد من إعطاء صورة تحليلية عن مجمل الأفكار الجديدة التي وردت في الكتاب إليكم بعضا” منها، كيف نشأ الدين؟ هل نستطيع الإجابة على ذلك دون الرجوع إلى علوم الأنثروبولوجيا والنفس والتاريخ المدعومة بما تركه لنا الأقدمون من نقوش وتصاوير أثرية؟ وإذا فعلنا ذلك فما هي الصورة العامّة التي سنحصل عليها؟ ماذا تنبئنا تلك العلوم عن نشوء الدين في مناطقنا؟ وكيف نفهم الانتقال من الدين الأمومي إلى الدين الأبوي، وكيف نغوص في ذلك الفهم إلى أصوله التطوّرية، أي نتائج الانتقال من الحيوانية إلى البشرية، ومن الحياة على الشجر إلى الحياة تحتها؟
تلك الأسئلة وما يقترن بها من نظريّات شديدة التباين ذات أهميّة خاصّة في عالم كعالمنا يكاد ينطبق عليه وصف التطرّف إن لم نقل الجنون الديني المترافق مع جهل أو إهمال مطلق لهذا النوع من المقاربة العلمية لذلك الموضوع.
سيحاول مؤلف الكتاب د. معذى الصالح التطرّق إلى بعض أهمّ تلك النظريات منتهياً إلى نظريّته الخاصّة التي شكّلها بعد بحث طويل استغرق جزءاً كبيراً من حياته ودوّنه أخيراً في كتاب موسوعيّ ضخم صدر حديثاً بعنوان “الخوف، الوعي، الدين” -الصورة أدناه-.هذا الكتاب بحد ذاته يمكن اعتباره خير تعبير عن السيرة الذاتية لهذا الباحث الموسوعي الذي لم يكتفِ في كتابه المذكور بالعودة إلى الأزمنة الأولى لوجود الإنسان على الأرض فحسب، بل توغّل فيه عميقاً في أصل الحياة نفسها، ممّا جعله يلجأ إلى علوم الطبيعة كلّها تقريباً…
سنحاول فيما بعد التوسع في فكر الدكتور معذى الصالح بمجموعة من المقالات تعكس عمله العلمي التنويري لعله يستفيد منه القارئ السوري والعربي لما فيه خدمة للمواطن وللعلم والمنطق والتاريخ …
