المركزية واللامركزية، الفيدرالية والكونفدرالية، الإدارة المحلية والحكم الذاتي أدبيات اللامركزية
أ. د. سليم إبراهيم الحسنية[1]
مقدمة
في ظل التحولات السياسية العميقة التي تشهدها سورية منذ أكثر من عقد، برزت الحاجة الملحّة إلى إعادة النظر في نماذج الحكم والإدارة، بما يضمن الحفاظ على وحدة الدولة وسيادتها، وفي الوقت ذاته يمنح المكونات المحلية قدراً أكبر من القدرة على إدارة شؤونها بكفاءة واستقلالية. وتُعدّ اللامركزية نموذجاً الأكثر تداولاً في هذا السياق، نظراً لخصوصية بعض المناط التاريخية والاجتماعية والثقافية، ودورها في النسيج الوطني السوري.
يهدف هذا النص إلى تحليل ومقارنة أبرز الصيغ الإدارية والسياسية الممكنة لتطوير نموذج إدارة محلية فعّالة، مع التركيز على الفرق الجوهري بين الحكم الذاتي والإدارة المحلية، واستعراض الأطر القانونية والتجارب الدولية ذات الصلة، بغية استشراف الخيارات الأنسب للواقع السوري عمومًا.
تعتمد منهجية العرض على:
- تعريف المفاهيم بدقة: توضيح مدلولات الحكم الذاتي، والإدارة المحلية، واللامركزية بتدرج مستوياتها المختلفة.
- التحليل المقارن: عرض الفروقات من حيث الإطار القانوني، والصلاحيات، والموارد، والرمزية السياسية.
- الإسقاط على الحالة السورية: دراسة إمكانية تطبيق كل نموذج، مع تقييم المخاطر والفرص.
- الاستفادة من التجارب الدولية: الاسترشاد بأمثلة ناجحة وفاشلة من بيئات سياسية مشابهة.
وتخلص الدراسة إلى أن اللامركزية الإدارية الموسّعة تمثل الخيار الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق الفوري، بعد إجراء تعديلات على قانون الإدارة المحلية لعام 2011، بوصفها مرحلة انتقالية نحو نموذج أكثر تقدماً في حال توافرت البيئة الأمنية والسياسية المناسبة، إذ تتيح هذه الصيغة تعزيز المشاركة الشعبية، وتحسين الخدمات، وتنشيط الاقتصاد المحلي، مع الحفاظ على وحدة الدولة وسيادتها.
بهذا الإطار، لا تُطرح هذه الورقة بوصفها وصفة جاهزة، بل كخطوة في مسار حوار وطني أوسع، يسعى لتأسيس عقد اجتماعي جديد يوازن بين المصلحة الوطنية الجامعة والخصوصيات المحلية المشروعة.
أدبيات اللامركزية
عاش السوريون ثمانون عاماً تحت ظل أنظمة من الحكم المتغيرة والمتبدلة سياسياً، واقتصادياً، وأيديولوجياً، كان أخرها سقوط نظام الحكم الأسدي في 8 كانون الثاني 2024. بعض المراجع تذكر أن عدد الانقلابات والحركات والثورات السورية قد تجاوز العشرة، وقد سجلت سورياً رقماً قياسياً في هذا المجال، بل نموذجاً فريداً للتداول العنفي على السلطة.
في ظل المتغيرات الحالية المحلية والدولية، يطرح السوريون السؤال المشروع الأتي: هل الحكومة الانتقالية الحالية ستبني دولة دستور وقانون ومؤسسات لا تتغير بتغير الحكام؟ وما هي بنية الدولة الحديثة التي تكرس التداول السلمي للسلطة؛ وبناء دولة لا تتغير بنيتها ومكوناتها الأساسية العميقة مع تغير لون الحكام، كما هو سائد في الدول المتقدمة، التي تصبو، الحكومة الانتقالية، لتكون شبيهة بها؟ سؤال يتداوله الشعب السوري من أقصاه إلى أقصاه، فهو تواق للاستقرار، والإبداع، والتفكير الحر، والتحرك بحرية، والعمل والعيش بأمان وسلام، وكفى تجارب وتبدلات سياسية دراماتيكية.
في العقود الأخيرة، صدرت عشرات الكتب والمجلدات حول أنظمة الحكم الرشيد، من بينها مراجع قيمة حول بنية الدولة الحديثة وتقسيماتها، بنيتها السيادية والسلطوية، وبنيتها الإدارية، ومنها البنية المركزية واللامركزية. في العام 2023، صدر كتاب قيّم لمجموعة من الكتاب بعنوان: “الحوكمة اللامركزية: صياغة ديمقراطيات فعالة حول العالم“[2]. يعالج الكتاب، بواسطة مؤلفيه المتخصصين “اللامركزية” كوسيلة فعالة لصياغة ديمقراطيات في جميع أنحاء العالم.
يتناول الكُتاب طرح موضوعات السياسات اللامركزية النظرية والتطبيقية، بمنهجية اقتصادية سياسية، من خلال تحليل حالات عملية في دول عديدة، مثل: بنغلادش، الهند، باكستان، الصين، غانا، كينيا، كولومبيا. فهو مصدر قوي لصياغة سياسات نماذج لامركزية فعّالة تعتمد على المؤسسية والمساءلة.
بالنسبة لحالات لبلدان النامية، يركز الكُتاب على أن تحقيق اللامركزية في السلطة يُبشر بتعميق الديمقراطية، وتمكين المواطنين، وتحسين الخدمات العامة، وبالتالي تعزيز النمو الاقتصادي. لكن الأدلة حول متى وكيف يمكن أن تجلب اللامركزية هذه الفوائد كانت متفاوتة، ويقدمون أمثلة حية عن الممارسات الجيدة والسيئة. على سبيل المثال، في ظل ظروف خاصة، يمكن للنخب السياسية أو العسكرية، غير التمثيلية، الاستيلاء على السلطة اللامركزية أو تقويضها من خلال الفساد، وتوزيع الموارد العامة على المحسوبيات.
الصورة معقدة، ويقولون، ما زلنا لا نفهم بما فيه الكفاية العوامل التي يمكن أن تساهم في إنشاء إدارة أو حكومة محلية أفضل، وبأي تأثير. بكل الأحوال الكُتاب يقدمون قراءة أساسية للباحثين والمهتمين والممارسين في الحوكمة اللامركزية Decentralized Governance [3]، والتنمية، والديمقراطية؛ وبشكل خاص تقديم خبرات عملية من صانعي السياسات، وللذين يستخلصون دروسا للإصلاحات المستقبلية. للتعمق أكثر في حالات البلدان العربية يمكن الرجوع إلى كتاب بعنوان: “الفيدرالية واللامركزية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا المعاصرة”، الصادر عام 2023 عن جامعة كمبردج باللغة الإنكليزية[4]. يحتوي الكتاب على دراسات، وحالات معمقة من دول مثل العراق، وتونس، وليبيا، واليمن، وسورية؛ يدرس هذا المجلد، وهو الأول من نوعه باللغة الإنجليزية، الحالات القانونية، والسياسية، والعلاقات الدولية، والسياسة المقارنة، وسياسات الفيدرالية واللامركزية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
بكل الأحوال، البحوث العلمية توضح أن اللامركزية اتجاه تاريخي وعالمي يخدم تضخم وظائف الدولة وتوسع رقعتها، وتظهر فائدتها الكبرى في التنمية المحلية، بشكل واضح عندما يُنتخب القادة المحليون بالتصويت. كما أن اللامركزية تعزز من فاعلية الحوكمة في مجالات الخدمات. فهي ليست عملية بسيطة كالتفويض، بل موضوعاً تفاعلياً معقداً بين المركز والمحلي، وبين الفاعلين المحليين الذي يتحملون عبء المسؤولية، مثل: تصميم السياسات، ووضع خطط تلبي الاحتياجات المحلية فعلاً. ذلك، أن اللامركزية تولّد تبايناً في الاستجابات التي تختلف عن بعضها البعض في أي بعد معين بقدر اختلاف المحافظات والمناطق والنواح. أثبتت الدراسات على مدى خمسين عاماً، في حالات تطبيق اللامركزية، يجري إعادة تحويل اتجاه بوصلة القادة المحليين، للحصول على التحفيز والدعم لإدارة شؤون مجتمعهم، من النظر إلى الأعلى إلى النظر نحو الأسفل، إلى الجسم الانتخابي، مما يزيد من معرفتهم بحاجات المجتمع وزيادة الالتصاق به، وتلبية هذه الحاجات بأعلى كفاءة ممكنة. هذا من شأنه أن يُعزز النمو الاقتصادي؛ فتنمية مجموع المحافظات والمناطق تُعزز النمو الاقتصادي على المستوى الوطني.
على الرغم من أن اللامركزية يمكن أن تتبناها الأنظمة الديمقراطية والاستبدادية على حد سواء، فإن التنمية المحلية تتعزز فقط عندما يتم انتخاب القادة المحليين من خلال التصويت الحر بالأغلبية، وليس من خلال التعين أو المشاركة الشكلية. غالبًا ما تؤدي اللامركزية إلى مشاركة عدد أكبر من الأشخاص ذوي الكفاءة في صناعة السياسة المحلية. نتيجة لذلك، يصبح المواطنون أكثر قدرةً واستعدادًا لتقييم أداء المسؤولين، هذا يؤدي إلى مساءلة أكبر، وحوكمة أفضل، وسرعة أكبر في التنفيذ، وجودة أعلى في النتائج.
إن أي دولة تُطبق اللامركزية لا ينبغي لها أن تتوقع نتيجة واحدة أو نتائج متشابه ومرتبة وتتكرر في العديد من المناطق، بل مجموعة واسعة من النتائج التي تتراوح من السلبية الشديدة، أو عدم التغيير، إلى نتائج مفاجئة ورائدة، هذا هو جوهر وسبب تطبيق اللامركزية. على الرغم من أن البعض يرى أن اللامركزية قضية تقنية أو بيروقراطية؛ إلا أنها في الواقع، كانت ولا تزال، قضية سياسية اجتماعية اقتصادية بامتياز، يجري عبرها نقل جزء من السلطات والمسؤوليات والحوكمة من المركز الرئيسي إلى الفروع والمناطق البعيدة.
الحوكمة اللامركزية الناجحة ليست مسألة سياسية فحسب؛ فبالإضافة إلى نقل للسلطة والموارد، فإن اللامركزية الفعالة تعني أيضًا تكييف الهياكل والقواعد والمعايير والسلوكيات مع الجهات الفاعلة والديناميكيات الجديدة التي، ربما، لم يكن النظام المركزي قد فكر فيها. تشير الحوكمة اللامركزية إلى مجموعة واسعة من القضايا باعتبارها تصميماً لآلية ممارسة اللامركزية؛ خاصة أن التطور التقني والتكنولوجي والذكاء الاصطناعي التوليدي يحبذ اللامركزية، كالإنترنت وأدوات التواصل والشبكات التقنية الحديثة.
وهكذا يتضح أن اللامركزية ليست في حد ذاتها أمراً جيداً أو سيئاً؛ غير أنهّا قادرة على تعزيز الديمقراطية والكفاءة والمساءلة. إن الانتقال من المركزية إلى اللامركزية بشكل صحيح أمر صعب، ولكنه ذو قيمة هائلة، أيضًا لأنه يمكن أن يحسن جودة حوكمة البلاد.
ولكن كيف نحُقق اللامركزية على أكمل وجه؟ الإجابة المختصرة هي من خلال مزيج من التدابير السياسية والتكنوقراطية التي تتوافق مع جوهر الحوافز الوطنية والمحلية لاستهداف الموارد ومحاسبة المسؤولين العامين، على سبيل المثال من خلال عمليات مراقبة، مختلفة عما هو في المركز، تضمن الشفافية والمساءلة. لنبدأ بشرح مفهوم الدولة وبنيتها، وأين موقع اللامركزية فيها.
مفهوم الدولة
بدأ مفهوم الحكم بعد بداية تشكُل الأسرة، والتفكير في إدارة شؤونها، ومن ثم تشكلت مجموعات الأسر، بما يعرف بالمجتمع البشري. عندما تشكلت المجتمعات برزت الحاجة لإيجاد من ينظم ويدير الشؤون العامة للمجتمع، مثل الأمن وحماية الجماعة، وتأمين الموارد الأساسية وحل النزاعات فيما بين أفراد المجتمع. فنشأت أولى الدول فيما بين النهرين (أوروك وأور) نحو ٣٥٠٠ عام ق.م، مع ظهور الإدارة المركزية والكتابة والجيش، ثم تطور مفهوم الدولة على يد الإغريق والرومان والدولة الإسلامية وأخيراً أوربا وأمريكا الشمالية.
بعد الثورة الصناعية في أوربا، وانحسار الاستعمار ظهرت الدولة الحديثة التي نعرفها اليوم. فقد كتبت مجلدات عن مفهوم الدولة ونظريات نشأتها وأركانها ومكوناتها، في كافة اللغات، يحاول المنظرون والحقوقيون والسياسيون تعريف الدولة وتفسيرها ووضع مبادئ وأسس لبنائها وهيكلتها.
سنبدأ بسرد أهم المفاهيم المرتبطة بالدولة وأنظمة الحكم الخاصة بالمركزية واللامركزية والإدارة المحلية، بالاعتماد على الأدبيات الأكثر موثوقية، والوثائق القانونية السورية.
الدولة هي كيان اجتماعي سياسي يتكون من جماعة بشرية، تعيش على إقليم أو أرض مشتركة محددة، تقوم فيه سلطة حاكمة تنظم وتدير شؤون المجتمع. وفقًا للاتفاقية الشهيرة في Montevideo ١٩٣٣، وهي المرجع الأكثر اعتمادًا لتعريف مفهوم الدولة في القانون الدولي والمنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة. ترى اتفاقية مونتفيدو أن الدولة هي كيان قانوني سياسي إداري، يجب أن يحقق الشروط التالية بشكل متكامل، أو ما عرف بأركان الدولة.
- سكان دائمون (Permanent population): وجود مجتمع مستقر داخل الإقليم.
- أرض محددة (Defined territory): حدود جغرافية معترف بها.
- حكومة (Government): سلطة منظمة قادرة على إدارة شؤون الدولة داخليًا وخارجياً وتنفيذيًا، مثل فرض القوانين وتقديم الخدمات.
- القدرة على إقامة علاقات دولية (Capacity to enter into relations with other states): لمنح الدولة الشخصية القانونية الدولية.
هذا التعريف يعبر عن نظرية الدولة الديموقراطية القائمة على شرعية الإقليم والحكم والتنظيم السياسي. بهذه المواصفات تكتسب الدولة الشرعية القانونية والدولية، ويمكنها بسط سيادتها على إقليمها، وتقسيم سيادتها إلى مستويات إدارية وجغرافية (محافظات، ومناطق، ونواحي) بما يخدم شعبها ومصالحها الوطنية، وتخوَّل بتوقيع اتفاقيات دولية والانضمام للأمم المتحدة.
الفرق بين “نظام الحكم” و”تنظيم الحكم”
كثيرًا ما يحصل خلط بين مفهومي نظام الحكم وتنظيم الحكم، على الرغم من أن الفرق بينهما أساسي، خاصة في مناقشات إعادة بناء الدولة أو الإصلاح السياسي، أو ما يتعلق بالمركزية واللامركزية. يمكن أن نوضح باختصار دلالة كل منهما والفروقات الجوهرية بينهما.
1.نظام الحكم System of Government
يشير مفهوم نظام الحكم إلى الإطار السياسي الأعلى الذي يحدد كيفية توزيع السيادة والسلطة داخل الدولة، ومن له الحق في اتخاذ القرار السيادي والسياسي. أي أن نظام الحكم يهتم بتحديد:
- شكل الدولة: بسيطة مركزية (موحدة)، أو اتحادية (فيدرالية أو كونفدرالية).
- شكل الحكومة: برلمانية، أو ملَكية، أو رئاسية، أو نصف رئاسية.
- علاقة السلطات ببعضها: تعاون، أو فصل مرن، أو فصل كلي.
- مصدر التشريع: شعبي (انتخاب)، أو ديني، أو مختلط.
- ممارسة السلطة: من الأعلى إلى الأدنى، أو توزيعها عاموديا وأفقيًا.
- تداول السلطة: سلمي، أو بالقوة، أو عبر الدستور.
2.تنظيم الحكم (بنية الدولة) Structure or Organization of Government
يُشير مفهوم تنظيم الحكم، وهو موضوع بحثنا، إلى بنية الدولة أو الهيكل الإداري والمؤسساتي الذي يُنفَّذ من خلاله نظام الحكم؛ أي الطريقة العملية لتسيير شؤون الدولة. يتألف تنظيم الحكم من الفروع الثلاث للسلطة (تشريعية، وقضائية، وتنفيذية)، والتقسيمات الإدارية، والمؤسسات الدستورية (المجالس، والوزارات، والهيئات، وأجهزة الرقابة)، والجهاز الإداري الذي يشغل الوظيفة العامة. وهكذا يكون من مهام تنظيم الحكم، ما يأتي:
* توزع الصلاحيات بين المركز والأطراف.
* تنفذ القوانين والخطط عبر المؤسسات العامة.
* الربط بين السلطات من خلال القواعد الإجرائية.
* تنظم العلاقة بين الدولة والمواطن (الخدمات، الضرائب، الأمن).
وهكذا نلاحظ الفروق الجوهرية بين نظام الحكم وتنظيم الحكم، فماهية الأول تتعلق بالإطار السيادي والسياسي، مثل سلطة اتخاذ القرار وتوزيع السلطات؛ بينما الثاني يرتبط بترتيب الهيكل الإداري والتنفيذي لسياسات الدولة، مثل تنظيم السلطات وتنفيذ القرارات وتطبيق القانون.
وعليه المركزية واللامركزية، هما نمطان لتنظيم (هندسة) بنية نظام الحكم، يشيران إلى الكيفية التي تُوزّع بها السلطات والصلاحيات والوظائف الإدارية والسياسية بين السلطة المركزية والسلطات المحلية أو الإقليمية. بهدف تحقيق الكفاءة والتوازن بين السلطة المركزية والسلطات المحلية؛ ويمكن أن تخضعان للتجريب والتعديل دون مساس بطبيعة النظام السياسي.
بنية الدولة: التعريف والمكونات
بنية الدولة (State Structure) هي قالب تنظيمي شامل يبيّن كيف تُبنى الدولة وتُحكم، وتشمل ثلاث ركائز رئيسية، هي: التقسيمات الإدارية، وفروع السلطة، والسيادة السياسية.
1. التقسيمات الإدارية (Administrative Divisions)
التقسيمات الإدارية، هي قلب تنظيم الدولة، تشمل المستوى المركزي (الدولة)، والمستوى اللامركزي، مستويات فرعية مثل المحافظات أو الولايات، أو الأقاليم، أو البلديات، والقُرى، حسب النظام السياسي والإداري السائد في الدولة. تعمل هذه التقسيمات على تنظيم العلاقة بين الدولة المركزية وسكانها ومؤسساتها الفرعية، وتمكين إداراتها المركزية واللامركزية من أداء مهامها بفاعلية، ضمن إطار وطني رسمي.
تخدم التقسيمات الإدارية مبدأ توزيع السلطة والموارد والإدارة، وتُبنى وفقاً للقانون والممارسات الحقوقية. تعتمد الأمم المتحدة مبدأ التقسيم الإداري الهرمي للدول، غالباً ما يكون بهدف جمع البيانات والتخطيط والتنسيق للأعمال الإنسانية والتنموية، وتضعه في أربعة مستويات ( مستوى صفر، وأول، وثاني، وثالث):
- المستوى صفر (المركز)، ويمثل الدولةبأكملها بمعناها القانوني والسياسي والجغرافي، مثال: الجمهورية العربية السورية، الولايات المتحدة، الهند.
- المستوى الأول، يرتبط بالتقسيمات الكبرى مثل المحافظات، والولايات، الأقاليم، ويضمن ترتيبًا إداريًا أوليًاـ مثال: محافظة دمشق، ولاية كاليفورنيا، إقليم البنغال الغربية.
- المستوى الثاني، ويتكون من وحدات أصغر، مثل المناطق، المقاطعات، الإدارات المحلية، مثال: منطقة صلخد، مقاطعة لوس أنجلوس.
- المستوى الثالث، تشمل التقسيمات الأصغر، كالبلديات، والقرى، والحارات، والأحياء، هذا التقسيم مفيد جدا عند التخطيط المحلي والخدمات الأساسية.
تكمن أهمية هذا التقسيم الهرمي في أنه يمكّن من فهم بنية الدولة القانونية والسياسية والتشغيلية، ويعد أساسًا لأي نشاط سياسي أو بحثي أو تنموي أو تنسيقي لنظام الحكم المركزي واللامركزي، ويساعد على توزيع السلطات والصلاحيات السياسية والإدارية بين المركز والمستويات الفرعية.
2. مكونات السلطة السياسية Components of Political Authority
السلطة السياسية هي القدرة الشرعية على اتخاذ القرارات المُلزمة، وإصدار القوانين، وتنفيذها، وفرض النظام، وضبط العلاقات في المجتمع، وتمثيل الدولة داخليًا وخارجيًا. تستمد السلطة قوتها من الدستور والقانون ورضا الشعب أو خضوعه (الطوعي أو القسري). أي أن السلطة السياسية في أي دولة حديثة تتكوّن من ثلاث سلطات رئيسية، كل واحدة منها متكاملة ومستقلة عن الأخرى، هي (التشريعية، والقضائية، والتنفيذية):
- السلطة التشريعية، وتتألف بشكل رئيسي من مجلس تشريعي، مثل مجلس نواب الشعب، أو البرلمان، أو الأعيان، أو الشيوخ. مهمتها الرئيسة التشريع وسن القوانين، والتصديق على المعاهدات، ومراقبة السلطة التنفيذية.
- السلطة القضائية، وتتألف من القضاء الدستوري، والإداري، والمدني، والجزائي، والدولي. مهمتها الأساسية تفسير القوانين والفصل في النزاعات، والرقابة على دستورية القوانين، وحماية الحقوق والحريات.
- السلطة التنفيذية، وتتألف من رئيس الدولة والحكومة والوزراء والمحافظين والمؤسسات الرسمية الأخرى، كالجيش والأمن، وتقديم الخدمات كالتربية والصحة. مهمتها الرئيسية تنفيذ القوانين، والسياسات العامة للدولة، وإدارة شؤون (الوزارات)، والحفاظ على الأمن والدفاع عن الوطن، والعلاقات الخارجية.
هذه السلطات الثلاث تعمل بشكل متكامل، تُطبّق نظام الفصل المتوازن بينها لضمان الحكم الرشيد وحماية الحقوق، مع وجود آليات رقابة متبادلة، حتى لا تتمكن أي سلطة من التغول على السلطة الأخرى.
3. السيادة السياسية (Political Sovereignty)
السيادة هي السلطة العليا المطلقة في الدولة، التي لا تعلوها سلطة أخرى، فهي سلطة معنوية ليس لها وجود مادي. فهي تمثل روح الدولة المستمرة؛ فإذا كانت المكونات تُشكِّل جسد الدولة، فالسيادة هي “الروح” التي تُعطيها الحياة السياسية والقانونية؛ لضامن استمرارية الدولة رغم تغيّر الحكومات. أي هي الصفة القانونية العليا للدولة، والتي تمنحها الحق الكامل في ممارسة سلطتها على إقليمها وشعبها، دون خضوع لأي سلطة داخلية أو خارجية.
أما السيادة السياسية، فهي تمثل الجانب السياسي من السيادة، ويُقصد بها الجهة أو الكيان الذي يمتلك الحق في اتخاذ القرار السياسي الأعلى في الدولة؛ في الدولة الديمقراطية الشعب هو مصدر السيادة السياسية، مثل الحق والقدرة على التشريع والتنفيذ والقضاء باسم الشعب. تستمد الدولة الحديثة شرعية سلطتها وسيادتها، من الشعب والاعتراف الدولي بها. أي السيادة السياسية تشمل القدرة على سن القوانين وفرضها داخل إقليمها، وإقامة علاقات دولية مستقلة. هذه السيادة هي التي تُميز الدولة عن غيرها من الكيانات والمنظمات، وتجعلها مستقلة في قراراتها. تتكون سيادة الدولة من قسمين رئيسيين: الداخلية والخارجية.
1. السيادة الداخلية، تعني حق الدولة في احتكار ممارسة السلطة داخل حدودها الجغرافية، وضبط النظام العام، وسن القوانين، وإنفاذها دون تدخل خارجي.
2. السيادة الخارجية، تعني حق الدولة في الاستقلال عن أي سلطة أجنبية، وقدرتها على إقامة العلاقات الخارجية، وإبرام المعاهدات، والدفاع عن استقلالها ووحدة أراضيها.
تمارس الدولة سيادتها الداخلية والخارجية بواسطة السلطات الثلاث (التشريعية، والقضائية، والتنفيذية). بكل الأحوال يضل الشعب هو مصدر السيادة والسلطات، تمارسها الدولة ضمن الدستور الذي يُمثل العقد الاجتماعي، بالتعبير القانوني عن إرادة الشعب، عبر مؤسساته المنتخبة.
تعمل علاقة السيادة بالتقسيمات الإدارية (مثل المحافظات، والمناطق، والبلديات) تحت مظلة السيادة الوطنية، وتخضع لسلطة الدولة المركزية. حتى في أنظمة الحكم اللامركزية أو الفيدرالية، تبقى السيادة موحدة، وتكون السلطات المحلية مفوضة جزئيًا بالصلاحيات، لا مالكة لها بالكامل. فلا يجوز لأي تقسيم إداري أو محلي ممارسة السيادة بشكل مستقل عن الدولة، وإلا اعتُبر تهديدًا لوحدة الدولة الوطنية. ولا تملك حق الانفصال أو التصرف بسياسة خارجية مستقلة.
الحالة السورية: الخلفية العامة
من الملفت للانتباه في ساحة السياسية السورية المفتوحة الآن على الحوار بين السياسيين السوريين (مفكرين وممارسين)، جدلهم المضطرب حول مضامين ودلالات المفاهيم التي يستخدمونا، فمنهم من يضن، ويجادل على هذا الأساس أو ذاك، أن اللامركزية هي الفيدرالية، وأن الفيدرالية هي التقسيم، وهكذا، ندخل في جدل دون نهاية مفيدة؛ أو هناك من يعتقد أن اللامركزية تجلب الديمقراطية أو هي الديمقراطية؛ وهناك من يعتقد جازماً أن أي نظام مركزي هو نظام استبدادي بطبيعة الحال.
كل هذه التخمينات لا تمت بأي صلة مباشرة لحقيقة اللامركزية من جوانبها النظرية والعملية؛ بل أنه من غير المستغرب بروز ظاهرة غموض المفاهيم والتباسها، بعد سطوة الفكر السياسي الواحد لعقود طويلة؛ مما يستدعي الاجتهاد والتمحيص، قبل الخوض في حوار أو جدل عميق، عن الدلالات الحقيقة للمصطلحات والمفاهيم، والمعاني المتعارف عليها بين السياسيين وفي المنظمات الدولية، حتى يستقيم الحديث والوصول إلى نتيجة مفيدة.
هذا الالتباس له أسبابه الموضوعية، الاجتماعية والسياسية والتاريخية، ولا يقتصر على بلد دون أخر، خاصة الدول الخارجة من أزمات سياسية عميقة كما في حالات اليمن، وليبيا، والعراق، والحالة السورية حالياً. سنحاول في هذا المقال الموضوعي إزالة الغموض وأحياناً اللبس حول هذه المفاهيم، التي تحتاج إلى معالجة أعمق وأوسع، مثل إعداد موسعة للمصطلحات والمفاهيم السياسية. فالمفاهيم السياسية ليست جزر منعزلة بل هي شجرة مفاهيم متشابكة ومترابطة مع بعضها؛ لكنها، يا للأسف، تُشوه أحياناً أو حتى تُحرّف عن مدلولها الحقيقي من قبل السياسيين والمنظرين والممارسين. على سبيل المثال، ورد في الدستور السابق لعام 1973 أن “الحرية حق مقدس”، كما وردت مادة خاصة بتشكل “مجالس شعب محلية” مفوضه دستورياُ على فرض سلطانها على شؤونها المحلية. ولكن الذي حدث العكس تماماً، انتهكت الحرية بأبشع الصور، وشكلت مجالس محلية منزوعة الصلاحية، من قبل الحزب والمحافظ؛ بالإضافة إلى الدمار والخراب والقتل والتهجير الذي أصاب كل السوريين.
سنبدأ بفك الالتباس بين أهم المفاهيم المتداولة حول تنظيم الحكم في سورية وأيهما أفضل: المركزية أو اللامركزية، أو الإدارة المحلية، أو الحكم الذاتي (وقد استبعدنا الاستقلال لأن ليس موضع نقاش من أحد)، بالاعتماد على الأدبيات الأكثر موثوقية، والوثائق القانونية السورية.
هل يمكن اعتبار الإدارة المحلية، والحكم الذاتي، والفيدرالية هي تدرجات من اللامركزية؟
المركزية واللا مركزية[5]
تُصنف أغلب أنظمة الحكم السياسي في العالم في ثلاثة أنواع أساسية، من حيث التنظيم السياسي والإداري والمالي للدولة، هي: الحكومة المركزية (الموحدة)، واللامركزية بدرجاتها المختلفة، والكونفدرالية. إن التمييز بينها يقوم على درجة توزيع سلطة صنع القرارات السياسية والإدارية والمالية بين الحكومة المركزية ووحداتها غير المركزية.
قبل الخوض في عرض مفاهيم المركزية، واللامركزية، والإدارة المحلية، والحكم الذاتي، والفدرالية يجب الإقرار والتأكيد على مسألتين:
- المسألة الأولى تنصب على طبيعة المزايا أو الأفضلية، التجارب تفيد أنه ليس لأي واحد من هذه الأنظمة، في حد ذاته، ميزة على الأخرى، أو أمراً سيئاً أو جيداً. بل كل ذلك، بعيداً عن النوايا والأيديولوجيات السياسية، يعتمد على حسن الاختيار بينها أو دمجها، بما يتوافق مع حالة الدولة وظروفها التاريخية والاجتماعية والسكانية والجيوسياسية والاقتصادية؛ ومدى تقدمها في كل واحد من هذه العوامل. فالمركزية واللامركزية، على سبيل المثال، ليس لهما قيمة أخلاقية بحد ذاتها، هذه أو تلك، فكل شكل من أشكال الإدارة العملياتية لها عيوبها ومزاياها، قد تنجح في سياق سياسي معين وتفشل في سياق أخر.
- المسألة الثانية تنصب على النسبية أو على درجة المركزية واللامركزية، بمعنى أخر، أنه في الإدارة الحديثة، لا وجود للمركزية المطلقة ولا للامركزية الكاملة، فالأولى تؤدي إلى الانغلاق والاستبداد، والثانية قد تؤدي إلى الانفصال أو الفوضى والانفلات. ومن ثم المركزية واللامركزية تعابير نسبية، يصبح التوازن بينهما أمراً أساسياً وحيوياً. هذا يعني أن المشكلة ليس بالأخذ بأحد الأسلوبين بشكله المطلق، لأنهما غير قابلان للتطبيق عملياً، بل في درجة المركزية واللامركزية ونوعيتها، ومداها بما يلبي الحاجات العليا للدولة والحاجات الخاصة بالمجتمعات المحلية.
لذلك يختلف عدد التقسيمات الإدارية للدول ومستوياتها وهياكلها كثيرًا من بلد إلى آخر، وحتى في البلد الواحد. عادةً، كلما كان البلد صغيراً من حيث المساحة وعدد السكان قل عدد مستويات التقسيمات الإدارية فيه. مثلًا، لا تحتوي دولة، مثل مدينة الفاتيكان وأمارة موناكو، على أي تقسيم إداري، بينما تحتوي دول مثل فرنسا وباكستان على خمسة مستويات متدرجة. في الدول العربية، نجد أن دولة الإمارات العربية المتحدة، كدولة كونفدرالية، مقسمة إلى 7 إمارات وكل إمارة تمتلك تقسيمات إدارية خاصة بها، بينما تتكون الولايات المتحدة من 50 ولاية، وكل منها يحتوي على عدد مختلف من التقسيمات الإدارية الفرعية. بكل الأحوال يضل لكل خيار نقاط قوته ونقاط ضعفه الخاصة، على الإدارات في كافة المستويات تعزيز نقاط القوة، والحد من نقاط الضعف، إذا لم يكن بالاستطاعة تجاوزها.
1.المركزية Centralization
هي عملية تركيز كل السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية والقرارات الإدارية في يد جهة واحدة موحدة، سواء كانت دولة أو منظمة. بحيث تُتخذ جميع القرارات المهمة من مركز واحد، على مستوى الدولة يكون في العاصمة. ولها عدة صور قد تكون مركزية مطلقة، وهي حالات نادرة، أو مركزية نسبية وهي الحالة الغالبة. على الرغم من أن نشأة الدولة كانت دول مركزية، ولكن مع التوسع السكاني والجغرافي والتطور الاجتماعي لم يعد يصلح نظام الحكم المركزي لإدارة دولة كبيرة. لذلك لجأت الدول لتوزيع صلاحياتها على الإدارات والوزارات والمقاطعات والأقاليم.
2.اللامركزية Decentralization
اللامركزية هي شكل من أشكال تنظيم الحكم وآلياته في الدولة، وليس نظام حكم. اللامركزية تقع بين نظام الحكم المركزي ونظام الحكم الكونفدرالي أو الاتحادي. اللامركزية تشير إلى عملية نقل أجزاء من السلطة، والمسؤوليات، والموارد من الحكومة المركزية إلى هيئات ومؤسسات قانونية ودستورية، وليس فقط بلديات، إلى مستويات أدنى متعددة (أقاليم، ولايات، محافظات، مناطق، بلديات). يمكن أن يندرج تحت مظلة (اللامركزية) أشكال من التنظيم السياسي والإداري، كالإدارة المحلية وهي أضعف أشكال اللامركزية، والحكم الذاتي درجة أعلى من اللامركزية السياسية، بينما الفيدرالية هي لا مركزية سياسية كاملة داخل دولة واحدة.
تهدف اللامركزية إلى تمكين المجتمعات المحلية من إدارة شؤونها بنفسها، وتحسين سرعة وجودة الاستجابة للحاجات المحلية، وتعزيز الديمقراطية والمشاركة والمساءلة الشعبية، من خلال انتخاب ممثلين عن المجتمع المحلي لقيادة وإدارة الشؤون المحلية. يجري ذلك من خلال نقل جزء من قرارات الدولة من العاصمة إلى الجهات المحلية؛ يمكن أن يشمل ذلك الجوانب السياسية والإدارية والمالية.
كما تهدف هذه العملية إلى تعزيز استجابة فعّالة وشفافة لحاجات المجتمعات المحلية، وتحقيق المشاركة الشعبية، مع الحفاظ على سيادة الدولة ووحدتها وهيكلها الموحد. نستخلص من ذلك أن اللامركزية تقوم على ثلاثة أركان أساسية: وجود مصالح ومنافع محلية تختلف عن المصالح الوطنية؛ استقلال الهيئات والمؤسسات المحلية المنتخبة، ولا تخضع بالضرورة للحكومة المركزية، فيما نخص إدارة شؤونها المحلية؛ غير أن الأشخاص والهيئات المحلية تخضع للنصوص الدستورية والقوانين الوطنية للحفاظ على الوحدة الوطني والقانونية والسياسية للدولة. تتضمن اللامركزية ثلاثة أنماط (سياسية، وإدارية، ومالية).
1. اللامركزية السياسية
يشير مفهوم اللامركزية السياسية، بكل ببساطة، إلى شكل من تفويض للسلطة السياسية إلى المجالس المحلية المنتخبة ديمقراطيًا؛ بحيث تُصبح هذه الهيئات، الممثلة ديمقراطياً للمجتمع المحلي، مسؤولة أمام المواطنين مباشرة، وتملك القدرة على تمثيلهم سياسيًا، على المستوى المحلي، واتخاذ قرارات محلية واضحة ضمن إطار دستور الدولة. فهي ليست فيدرالية بالمطلق، بل هي تعزز لتمثيل المجتمع المحلي داخل الدولة الواحدة، دون منح أي شكل من أشكال الاستقلال الإقليمي أو اعتراف بسيادة إقليمية منفصلة، هذا ما ينص عليه دستور 2012 وقانون الإدارة المحلية.
أي أن اللامركزية السياسية هي شكل من أشكال المُمارسة القانونيّة التي تستوجب توزيع (أو نقل) أجزاء من السلطات السياسية المحلية والوظائف الحكوميّة المركزية بين كافّة مستويات الحكومة. فالسياسة هنا تعني الانتخابات الديمقراطية الحرة والنزيه على المستوى التمثيل المحلي، ولا تعني الفيدرالية، ولا التقسيم على الأطلاق؛ بل استقلال انتخابي ومساءلة مباشرة من قبل المواطنين المحليين. يمكن في اللامركزية الإدارة الموسعة (حسب التجربة اللبنانية)، أن تساهم الكيانات المحلية بوضع نظام الحكم المشترك، عن طريق السماح لها بالمشاركة في الحكم الوطني، لكنه مفهوم غير واضح، وغير مطبق حتى الآن.
تشير الدراسات وأدبيات اللامركزية إلى أنّ نقل بعض السلطات والمسؤوليات من مستوى الحكم الوطني إلى المحلي يحسن الخدمات المقدمة كما يعزز المساءلة. إلا أنه ينبغي توخي الحيطة والحذر عند صياغة شكل اللامركزية، لتجنب الآثار العكسية لها. فقد يؤدي ضعف الهياكل المحلية، والافتقار إلى الموارد البشرية الماهرة والخبيرة إلى إنتاج حكم محلي فاسد وغير كفء؛ أو قد تؤدي اللامركزية السياسية على أساس الهوية، إلى الدفع لتحقيق غاية الحركات الانفصالية.
على الرغم من هذا الوضوح في المفاهيم، فإن بعض السياسيين من كل الأطراف تحاول تحميل مفهوم اللامركزية، مثل اليمنيين والليبيين، وبعض الأطراف السورية، ما ليس فيها، وتوازيه بالفيدرالية، بهدف سياسي واضح، تجنباً لاستخدام مفهوم “الفيدرالية” الذي يشير عملياً إلى الولايات الأمريكية المتحدة وألمانيا الاتحادية. في حين إن السياسة هنا تعني تنافس الأحزاب والأفراد على التمثيل على المستوى المحلي، واللامركزية السياسية تعني قدرة المجتمعات المحلية على الانتخاب الحرّ والديمقراطي لممثليها على المستوى المحلي، ولا شيء سوى ذلك، ولا تعني الفيدرالية على الإطلاق.
الخلاصة، اللامركزية السياسية لا تُعد نظامًا فدراليًا أو كونفدراليًا بحد ذاتها، بل هي آلية تمكين تعطي سلطات محلية داخل الدولة الواحدة، بهدف تعزيز الديمقراطية المحلية والفاعلية الإدارية دون المساس بوحدة الدولة، وسيادتها على كامل أراضيها وشعبها.
2.اللامركزية الإدارية Administrative Decentralization
اللامركزية الإدارية مفهوم عام يشير إلى إعادة توزيع سلطة التخطيط والتنفيذ وتوزيع الموارد من الحكومة المركزية إلى مستويات أدنى، مثل المحافظات، والمناطق، والنواح، أو البلديات. تهدف اللامركزية الإدارية إلى تقديم خدمات أكثر فعالية، واستجابة تلبي حاجات المجتمع المحلي؛ وتمكين الوحدات المحلية، المنتخبة أو غير المنتخبة، من إدارة وظائف محددة ضمن إطار قانوني. كل ذلك في إطار المحافظة على وحدة الدولة عبر إشراف ورقابة مركزية على هذه السلطات. اللامركزية الإدارية هي عبارة عن تفويض صلاحيات تخطيطية وتنفيذية، بما في ذلك تعيين الموظفين المحليين وإعداد الميزانيات للمؤسسات العامة (كالصحة والتعليم)، إلى مستويات محلية أو إقليمية، سواء كانت إدارات هذه المؤسسات منتخبة أم لا.
ولها ثلاثة أشكال حسب تصنف البنك الدولي:
- Deconcentration (تفويض داخلي) نقل مهام تنفيذية فقط لمكاتب محلية ضمن البيروقراطية المركزية، دون استقلال تشغيلي.
- Delegation (تفويض شبه مستقل) منح صلاحيات محدودة لمؤسسات محلية شبه مستقلة، مع خضوعها للمساءلة.
- Devolution (تفويض دستوري) منح استقلالية واسعة للمجالس المحلية (المنتخبة غالبًا) ، تشمل تخطيط وتوظيف وتنفيذ الخدمات ضمن حدودها الإدارية.
وعليه تكون اللامركزية الإدارية تمثل حلقة تمكينية مركزية/محلية: تسعى لتعزيز الكفاءة بالقرارات وبالخدمات بناءً على التخصص المحلي، دون المساس بوحدة الدولة أو صلاحيات الحكومة المركزية.مثل قرارات إنشاء مدارس أو مستشفيات تتخذ محليًا ضمن صلاحيات قانونية واضحة ومالية.الرقابة المركزية تضمن التزام القرارات المحلية بالقوانين والسياسات الوطنية، وتحافظ على وحدة الدولة سياسياً ودستورياً.
3.Fiscal Decentralization (اللامركزية المالية):
اللامركزية المالية هي عملية نقل السلطة المالية من الحكومة المركزية إلى المستويات المحلية (مثل المحافظات والمناطق أو البلديات). ذلك يشمل منح هذه الوحدات القدرة على جمع إيراداتها (ضرائب، رسوم) وإدارة ميزانياتها بحرية، مع مسؤولية محلية واضحة، كبيان الغرض من جمع الضرائب والنتائج المرجوة بشفافية تامة. هذا يعزز قدرة اللامركزية السياسية والإدارية على تنفيذ خططها ومشاريعها التطويرية. وهكذا تتمثل اللامركزية المالية بقُدرة السلطات المحلية على توفير موارد مالية لها، عبر فرض ضرائب ورسوم وإنشاء مشاريع إنتاجية لها. أي كانت طبيعة هذه السلطات منتخبة أو معيّنة، فهذا لا يمسّ مستوى اللامركزية المالية.
من مزايا اللامركزية المالية تعزز المساءلة المباشرة من قبل السكان المحليين؛ فعندما يدفع السكان المحليون الضرائب، سيطالبون بتحقيق نتائج ملموسة، وبمكن أن تؤدي إلى تحسن في كفاءة أداء المؤسسات المحلية. ينمكن أن يحصل ذلك من خلال اختيار المشاريع التي تلبي الحاجة المحلية وتُموَل بحرية تامة، ما يزيد من سرعة الأداء، كما أنها تخفف من العبء الإداري والمالي على الميزانية الوطنية. أما سلبياتها فتتمثل بفقر الخبرة المحلية الكفؤة، الميول للانغماس في التوسع الضريبي دون رقابة مركزية.
بالنتيجة، اللامركزية المالية نقل القدرة على فرض الضرائب وإدارة الموارد المالية إلى السلطات المحلية ضمن إطار مالي قانوني محدد.
اللامركزية السياسية والفيدرالية
كثيرون يخلطون بين “اللامركزية السياسية” و”الفيدرالية” أو حتى “الكونفدرالية”، ظنًا منهم أن اللامركزية السياسية تعطي صلاحيات محلية لتقسيم الدولة أو الانفصال. في الواقع، اللامركزية، بكافة أشكالها، تعد شكلاُ من أشكل نقل التنظيم المركزي مثل القرار الإداري إلى مستويات فرعية، بينما الفيدرالية، هي شكلاً من أشكل نقل الحكم إلى مستويات قاعدية: فاللامركزية تقوم على عملية نقل اتخاذ القرار من المركز إلى مستويات حكومية أقل تابعية للحكومة المركزية، بينما الفيدرالية هي شكل من أشكال الحكم، تكون السلطات فيه مقسمة دستورياً بين ” حكومة لا مركزية وحكومة فيدرالية أو اتحادية، تتقاسمان سلطات الحكم دستورياً فيما بينهما، بحيث تعتبر المستويات الأدنى وحدات دستورية، لكل منها نظامها الأساسي، الذي يحدد سلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية، منصوصاً عليه في دستور الدولة، بحيث لا يمكن تغييره بقرار أحادي من الحكومة المركزية.
اللامركزية والكونفدرالية أو الاتحاد Confederation
مفهوم الكونفدرالية، مقابل اللامركزية أو الفيدرالية، مفهوم يُشير إلى اتحاد طوعي بين دول مستقلة، تنشئ سلطة مركزية محدودة الصلاحيات للأغراض المشتركة كالدفاع أو التجارة، دون منحها سلطة تشريعية مباشرة على المجتمعات والأفراد. تتكون الكونفدرالية من أعضاء يحتفظون بسيادتهم الكاملة على بلدانهم، مع منح سلطات مركزية ضعيفة أو معيارية محددة. تكون القرارات الكونفدرالية بشكل جماعي أو بالإجماع فقط؛ وحق الانسحاب من الاتحاد محفوظ للأعضاء (كما حدث بانسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوربي).
تتشكل الكونفدرالية أو الاتحاد من خلال ترتيبات عبر اتفاقات دولية، وتشكيل مجلس أو هيئة تمثيلية بدون سلطة تنفيذية فاعلة؛ تنفذ القرارات الكونفدرالية عبر تشريعات الدول الأعضاء نفسها؛ من الأمثلة المشهورة على الكونفدرالية: لاتحاد الأوروبي. الكونفدرالية نموذج نادر جدًا في العالم الحديث، والاتحاد الأوروبي هو الحالة الوحيدة المستقرة نسبياً التي تقترب من الكونفدرالية، لكنه يظل “اتحاداً فوق وطني” أكثر منه كونفدرالية تقليدية.
في النتيجة، من حيث نمط نظام الحكم، اللامركزية السياسية تركز على الوحدة الوطنية مع تعزيز التمثيل المحلي، بينما الفيدرالية فهو اتحاد سياسي بين كيانات سياسية، لديها صلاحيات دستورية انتخابية وتشريعية وقضائية وتنفيذية جزئية بما لا يتعارض مع السيادة الوطنية، وينص عليها في الدستور الاتحادي، مثل ألمانيا الاتحادية، الولايات المتحدة الأمريكية.
اللامركزية الإدارية الموسعة Décentralisation administrative élargie
وردت عبارة «اللامركزية الإدارية الموسّعة»، وهو مفهوم خاص بالحالة اللبنانية، في البند الأول للمبادئ العامة والإصلاحات، من اتفاق الطائف بين اللبنانيين، لعام 1989، في إطار إعادة النظر في التقسيم الإداري: “اعتماد اللامركزية الإدارية الموسّعة على مستوى الوحدات الإدارية الصغرى (القضاء وما دون) عن طريق انتخاب مجلس لكل قضاء يرأسه القائمقام، تأميناً للمشاركة المحلية؛ واعتماد خطة إنمائية موحدة شاملة للبلاد قادرة على تطوير المناطق اللبنانية وتنميتها اقتصادياً واجتماعياً وتعزيز موارد البلديات، والبلديات الموحدة والاتحادات البلدية بالإمكانات المالية”
هذا يعني نقل صلاحيات تنفيذية ومالية وإدارية أوسع من الحكومة المركزية إلى مستويات محلية أو إقليمية منتخبة، بما يتجاوز مجرد صلاحيات البلديات إلى مجالس إقليمية منتخبة تُمارس سلطات ذات طابع تنموي وإداري فعلي.
على الرغم من أهمية اللامركزية الإدارية الموسّعة، حسب نص الاتفاق، في تنمية المناطق المحلية، وتسهيل خدمات المواطنين، والحفاظ على العيش المشترك؛ فإن الخلافات السياسية العميقة، والخوف من الانزلاق نحو التقسيم أو الفدرالية حال دون إقرارها وتنفيذها حتى اليوم.
وهكذا تتدرج اللامركزية من الأضعف الإدارة المحلية، فالإدارة المحلية الموسعة، فاللامركزية السياسية، حتى نصل إلى الفيدرالية اللامركزية الأقوى؛ أما الكونفدرالية فهي اتحاد بين دول.
اللامركزية والإدارة المحلية Local Administration
التقسيمات الإدارية في سورية تعود إلى حضارات وعصور قديمة، قبل الإسلام وبعده؛ فقد كانت سورية محط اهتمام كل أنظمة الحكم الكثيرة التي مرت عليها، من حضارات قديمة وحديثة. أما تقسيمات الجمهورية العربية السورية الحديثة فتعود بدايتها لعهد الاستعمار الفرنسي، وجرى تحديثها وتطويرها تباعاً. تتكون الجمهورية العربية السورية الآن، حسب قانون الإدارة المحلية لعام 2011 (الذي حل محل قانون 1971)، من وحدات إدارية تتمتع بالشخصية الاعتبارية، والاستقلال المالي، والإداري وهي المحافظة، والمدينة، والبلدة. وكل محافظة، حسب دستور 1973، لها مجالس شعبية منتخبة تمارس سلطاتها على مستوى المحافظة (غير أن هذه المادة لم تنفذ على الواقع. لذلك جرى تعديل التسمية في دستور 2012[6]، من عبارة ” مجالس شعبية” إلى عبارة “مجالس إدارية”. الإدارة الحلية لها تقسيماتها الإدارية والجغرافية الخاصة بها، حسب توزع السكان والمساحة الجغرافية.
هذا التقسيم يُعمل به في الكثير من الدول العربية مثل مصر ولبنان. تقسم المحافظة في سورية إلى مناطق، والمناطق إلى نواحي، والنواحي إلى قرى. يدير شؤون المحافظة محافظ تعينه الحكومة المركزية، ولها مجالس منتخبة شعبياً، ويتمتع أعضائها بالحصانة القانونية، ونقل سلطات وصلاحيات الإدارات المركزية الخاصة بالمحليات إلى المؤسسات المحلية في المحافظات والتعاون معها لتنفيذ خططتها.
مفهوم الإدارة المحلية عبارة متداولة في الوثائق الرسمية السورية، مثل الدستور والقوانين، كمرادف لمفهوم اللامركزية، فعبارة “الإدارة المحلية” تدل، حسب منطوق هذه الوثائق، على أشكال اللامركزية الثلاثة السياسية والإدارية والمالية. وقد ورد مفهوم اللامركزية بشكل صريح في مطلع المادة الثانية من قانون الإدارة المحلية، رقم 107 لعام 2011، كهدف منشود من هذا القانون: “يهدف هذا القانون إلى تطبيق لامركزية السلطات والمسؤوليات وتركيزها في أيدي فئات الشعب تطبيقا لمبدأ الديمقراطية الذي يجعل الشعب مصدر كل سلطة وذلك من خلال توسيع وتحديد واضح وغير مزدوج لسلطات وصلاحيات مجالس الوحدات الإدارية لتمكينها من تأدية اختصاصاتها ومهامها في تطوير الوحدة الإدارية اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وعمرانياً.”
البند الثاني من المادة الثانية من قانون الإدارة المحلية لعام 2011 تنص على “إيجاد وحدات إدارية قادرة على عمليات التخطيط والتنفيذ ووضع الخطط التنموية الخاصة بالمجتمع المحلي وتنفيذ المشاريع الخاصة بها بكفاءة وفعالية… وجعل الوحدات الإدارية في كل المستويات مسؤولة مباشرة عن الخدمات والاقتصاد والثقافة وكافة الشؤون التي تهم المواطنين في هذه الوحدات بحيث تقتصر مهمة السلطات المركزية على تنفيذ المشروعات الكبرى التي تعجز عن تنفيذها الوحدات الإدارية.”
أما البند الثالث فركز على تعزيز الإيرادات المالية للوحدات الإدارية لتمكينها من ممارسة الدور التنموي في المجتمع المحلي الى جانب الدور الخدمي وجعل هذا المجتمع مسؤولاً عن الحفاظ على موارده وتنميتها لتحسين المستوى المعيشي للمواطنين وتقديم خدمات أفضل وتطوير فرص اقتصادية وتنموية بهدف إيجاد حالة من التكامل بين الدور الخدمي والدور التنموي.
بعد دراسة قانون الإدارة المحلية لعام 2011 يلاحظ أن هذا القانون[7]:
- يعزز اللامركزية والديمقراطية، من خلال اشتراك المواطنين بإدارة شؤونهم المحلية الخاصة بهم، ذلك من خلال تبني مبدأ لا مركزية السلطات والمسؤوليات، يطبق ذلك عبر إجراء انتخاب المجتمع المحلي لممثليه إلى المجالس المحلية بشكل دوري، وقدرة الهيئة الناخبة على الرقابة والمساءلة، فقد بلغ عدد المجالس المحلية في محافظة حلب 45 مجلساً، وفي السويداء 13 مجلساً.
- توزيع الصلاحيات والمسؤوليات بين المحافظ ممثل السلطة المركزية (الذي تعينه الحكومة) والمجلس المحلية المنتخب، كممثل للمجتمع المحلي بالمكتب التنفيذي. هنا يجب التمييز بدقة ووضوح بين مسؤوليات وصلاحيات كل منهما بحيث لا يتمكن أي منهما بالتغول على سلطات الأخر. القانون الحالي ينص إلى أن المحافظ يترأس المكتب التنفيذي، هذه الحالة تعد إنقاص من مستوى اللامركزية والديمقراطية، وتعد على السلطة المحلية، يجب أن يرأس المكتب التنفيذي عضواً منتخباً من أعضاء المجلس المحلي، حتى تكتمل صورة اللامركزي الإدارية.
الحكم الذاتي Self-Government
الحكم الذاتي، مقابل الإدارة المحلية، هو مستوى متقدم من اللامركزية، يمنح إقليماً أو وحدة جغرافية أو مجموعة سكانية صلاحيات محددة تشريعية وتنفيذية ومالية، مؤطرة دستورياً، ومستقلة نسبيًا، غالبًا في إطار اتحاد فيدرالي أو وحدة لا مركزية؛ أي تعاقد دستوري بين المركز والإقليم.
عادة ما ينفذ ذلك من خلال وجود دستور محلي/إقليمي، وحكومة منتخبة مستقلة في جزء من البلاد.
يتميز الحكم الذاتي بعدد من السمات، منها:
- وجود برلمان أو مجلس محلي منتخب يملك صلاحيات تشريعية في القضايا الداخلية.
- حكومة محلية مستقلة عن الحكومة المركزية في شؤون التعليم، والصحة، والثقافة، والأمن الداخلي، والاقتصاد المحلي.
- مصادر لموارد مالية خاصة، وقدرة على فرض ضرائب محلية.
- دستور محلي أو قانون أساسي يحدد صلاحيات الإقليم.
- غالباً يرفع علم وشعار رسمي للإقليم.
- تمثيل سياسي على المستوى الوطني.
أمثلة: إقليم كردستان في العراق وكتالونيا في إسبانيا يواجهان تحديات انفصالية، وغرينلاند في الدنمارك، البلديات الكبرى في الأردن تجربة إدارة محلية موسعة الصلاحيات.
أيهما أفضل لسورية حالياً؟
في ظل الوضع الحالي المتأزم في سورية، أي الخيارات أفضل حالياً؟
إذا استبعدنا المركزية والفدرالية والكونفدرالية، يكون خيارنا في طيف “اللامركزية”. ضمن هذا الإطار، وفي الواقع السياسي الحالي، هناك أربعة عناصر يجب أخذها في الاعتبار:
- الأمن والقدرة المؤسسية: الحكم الذاتي يحتاج إلى مؤسسات محلية قوية، وبنية تحتية تشريعية وإدارية، وقوة أمنية محلية منضبطة، وهذا قد يكون صعب التحقيق فورياً في دون دعم وطني ودولي.
- المخاطر السياسية: الحكم الذاتي قد يُفهم سياسياً كخطوة نحو الانفصال، خاصة في بيئة سورية حساسة تجاه وحدة الدولة، وقد يثير مخاوف واعتراض بقية المكونات.
- الواقعية الإدارية: الإدارة المحلية الموسعة قد تكون أكثر قابلية للتطبيق الفوري، مع منح المجالس المحلية صلاحيات أوسع في إدارة الموارد والخدمات، وإشراف محلي منتخب على الأمن الداخلي، دون صدام مع الإطار الوطني.
- الواقعية السياسية: قد يكون الانتقال التدريجي هو الأنسب، أي استلهام نموذج الإدارة المحلية الموسعة، من التجربة اللبنانية التي لم تكتمل بعد، قد يكون أكثر قابلية للتطبيق الفوري، فهو يمثل نقطة وسط بين الوضع الحالي والحكم الذاتي. هذا الوضع متاح وفق قانون الإدارة المحلية، لعام 2011، القائم حالياً. بحيث يتم لاحقاً تطوير الصلاحيات تدريجياً وفق القدرة المؤسسية، والاستقرار الأمني المحلي والوطني.
في الخلاصة
يمكن القول إن الفيدرالية أو الوحدة أو الكونفدرالية أو الحكم الذاتي تعد من أنظمة الحكم لأنها تتعلق بتوزيع السيادة والسلطة دستورياً؛ بينما المركزية واللامركزية والإدارة المحلية تعد من تنظيم الحكم وإدارته.
- المركزية تُركّز جميع السلطات في يد الحكومة المركزية مع استقلالية محدودة للوحدات المحلية، بينما اللامركزية تُفوّض جزءًا من هذه السلطات إلى المستويات المحلية مع منحها استقلالية أكبر في الإدارة.
- الفيدرالية تُقسّم السيادة دستورياً بين حكومة مركزية وحكومات محلية مستقلة ضمن إطار دولة واحدة، بينما الكونفدرالية تُشكل تحالفاً بين دول ذات سيادة كاملة تحافظ على استقلاليتها وتتعاون لتحقيق أهداف مشتركة.
- الحكم الذاتي يمنح إقليماً أو مجموعة سكانية استقلالية واسعة في إدارة شؤونها الداخلية مع بقاء السيادة للدولة المركزية، بينما الإدارة المحلية تقتصر على تنفيذ مهام إدارية وخدمية محدودة تحت إشراف مباشر من الحكومة المركزية.
نخبة من المراجع
- قانون الإدارة المحلية رقم 107 لعام 2011
- أحمد إسماعيل: الإدارة المحلية في الجامعة الافتراضية، الجامعة السورية الافتراضية، 2018.
- محمد خالد الشاكر: بناء الدستور ومستويات الحكم اللامركزي: الحوكمة، والحماية القانونية لفكرة عدم تركيز السلطة، كانون الثاني، 2021.
- زيدون الزعبي: اللامركزية: المغالطات والموجبات، حزيران، 2024.
- Jean‑Paul Faguet and Sarmistha Pal: Decentralized Governance: Crafting Effective Democracies Around the World (LSE Press, 2023).
- GovFacts: Federal, Unitary, and Confederal Systems: How Nations Organize Power
- Aslı Ü. Bâli وOmar M. Dajani” Federalism and Decentralization in the Contemporary Middle East and North Africa“, Cambridge University, 2023.
- أصول النظام السياسي، منتدى العلاقات العربية والدولية، 1438ص. فرانسيس فوکوياما.
- محمد خالد الشاكر: عمليات” بناء الدولة في مراحل مابعد النزاعات أو الثورات” .. الحالة السورية نموذجاً 29 ديسمبر، 2024
- نعمة الطوائف ونقمة الطائفية: في العقد الاجتماعي، وقلق الهوية السورية، 17 مايو، 2025.
- الخارجية الأمريكية: نريد رؤية نهاية الطائفية، ومحاسبة مرتكبي العنف الطائفي في سورية، مايو، 2025.
- سليم إبراهيم الحسنية، عَوْص المصطلحات: حين لا تفهم المصطلحات… لا تفهم الأفكار! مجلة صياد المعرفة الإلكترونية، العدد 33، آب 2025.
[1] الأستاذ الدكتور سليم إبراهيم الحَسَنيّة، خبير في علوم الإدارة، متقاعد من جامعة دمشق، محاضر في الجامعة السورية الافتراضية، له 15 مؤلف، منها المنمي: موسوعة في نظم المعلومات، وإدارة المعرفة: مفاهيم وأدوات…، ودليل في الذكاء الاصطناعي التوليدي 2025.
[2] Jean‑Paul Faguet and Sarmistha Pal: Decentralized Governance: Crafting Effective Democracies Around the World (LSE Press, 2023)
[3] الحوكمة اللامركزية (ليس بالضرورة الحكم اللامركزي) هي نظام إداري وسياسي ينقل السلطة، والموارد، ومسؤوليات اتخاذ القرارات من المركز إلى مستويات محلية بهدف تعزيز الفعالية، والاستجابة السريعة، والمشاركة المجتمعية. ويشمل ثلاثة مكونات: سياسية (انتخاب مجالس محلية)، وإدارية (تخطيط وتنفيذ ورقابة)، ومالية (تحصيل ضرائب ورسوم). كل ذلك بهدف الاستجابة السريعة لحاجات المجتمع المحلي، وتحقيق الشفافية، والتشجيع على الإبداع.
[4] Aslı Ü. Bâli وOmar M. Dajani” Federalism and Decentralization in the Contemporary Middle East and North Africa“, Cambridge University, 2023.
[5] انظر سليم إبراهيم الحسنية، عَوْص المصطلحات: حين لا تفهم المصطلحات… لا تفهم الأفكار! مجلة صياد المعرفة الإلكترونية، العدد 33، آب 2025.
[6] قانون الإدارة المحلية رقم 107 لعام 2011
[7] أحمد إسماعيل: الإدارة المحلية في الجامعة الافتراضية، الجامعة السورية الافتراضية، 2018.
