السويداء- معين حمد العماطوري
ما ان تدخل كنيسة يسوع الملك للآباء الكبوشيين في السويداء، حتى تستقبلك طاقة روحانية انسانية، تحمل في خلجاتها نسائم الماضي العريق، لكنيسة تعود الى الرهبنة الكبوشية العائدة للقديس فرنسيس الأسيزي، لأوّل مرة منذ ثمانية قرون.
تعتبر الرهبنة الكَبّوشية رهبنة كاثوليكية نشأت عام 1525 بوصفها حركةً إصلاحية ضمن نطاق الرهبنة الفرنسيسية، حيث استقلت عنها نهائياً عام 1619، وكان لها امتداد شملت الكرة الأرضية، بمجموعة من الأفكار والرؤى، أهمها انها أكثر ارتباطاً بالأرض والتراب، لذا ترى لون لباس الرهبان فيها اللون البني دلالة التراب، والأرض في المفهوم الوجداني الحاضنة لجميع الأشياء القابلة للإنتاج وإعادة الإحياء، من هنا شكلت رهبانية القديس فرنسيس الاسيزي ثقافة خاصة وهي التواضع والمحبة والرغبة الجامحة في مساعدة الفقراء.
حول نشاة الكبوشية بين الأب “فادي الياس زيادة” الراهب الكبوشي من رهبان مار فرنسيس ورئيس دير وكنيسة يسوع الملك للآباء الكبوشيين بالسويداء ان حياة الأخوة الكبوشيين ورسالتهم تفرّع، من رهبانية القديس فرنسيس الأسيزي، الذي امتاز بتواضعه وحبّه للفقراء واشتهر بتطلّعاته المميّزة نحو الشرق الأدنى. وُلد فرنسيس في مدينة أسيزي عام 1182 وتوفّي فيها عام 1226، وقد أوفد رهبانه إلى الأراضي المقدسة حيث قدّموا الكثير من التضحيات في خدمة الحجّاج القادمين للصلاة في الناصرة وبيت لحم والقبر المقدس. وفي العام 1528، انفصل الكبوشيون عن إخوانهم الأسيزيين لكنهم أكملوا رسالتهم على خطى فرنسيس.
وتابع الاب فادي قدموا إلى الشرق عام 1626 بهدف مدّ جسور الوحدة بين الكنيسة الكاثوليكية وباقي الكنائس المشرقية. لذا اعتبروا الكنيسة المارونية المرتبطة بالكرسي الرسولي هي نقطة انطلاقتهم للوصول إلى الأرثوذكسيين. وهكذا حصل، إذ استمرّت الاتصالات بينهم وبين رؤساء الطوائف الشرقية على مدى 25 سنة.
وبعد ثمانية قرون تُعلن الرهبانية الفرنسيسية في أسيزي عن عرض جثمان القديس فرنسيس الأسيزي، بعد موافقة البابا لاون الرابع عشر،
أمام الحجّاج والزوار، من 22 شباط إلى 22 آذار 2026بمناسبة مرور 800 عام على وفاته
ونوه الأب فادي زيادة انه لعل ذلك يشير الى مدى المحبة والاخاء والتسامح الذي نحتاجه في حياتنا اليومية اليوم، بعد ان تخلل فضاء الغيوم الداكنة إلى العالم و خاصة في بلدنا سورية و بشكل خاص أكثر في محافظ السويداء التي نخدم فيها. الأن هنا نعيش الالم والحزن الذي يشمل العديد من الفئات المجتمعية…
عيش الرجاء على مثال القديس فرنسيس الاسيزي:

لعل معرفة حياة وإنسانية هذا القديس هو المدخل الذي يمكن من خلاله الوصول إلى الهدف، عيش و حمل رسالة المحبة لكي تصل إلى كل الناس.
كما ورد في الكتاب المقدس “إن الله محبة”، فقد قدم للإنسانية وصية حملت بين أحرف كلماتها تعابير هي النبراس التي يهتدي بها الإنسان في سعيه نحو الحياة الأفضل مع الرب، وقبل معرفة ما جاء في وَصيَّةُ القدَّيس فرنسيس المدونة ما بين (أيلول /تشرين الأوَّل 1226)، لابد لنا من إضاءة سريعة على حياته وإنسانيته، بَعْدَ أَن أَعطى إِخْوَتَهُ الَوصِيَّةَ الصُّغْرى في سْيينَا، تَحَسَّنَتْ صِحَّةُ فرنسيس، فَطَلَبَ أَنْ يُنْقَلَ إِلى أَسِّيزي. وَفي أَواخِرِ أَيَّامِهِ، عَلى الأَرْجَح، وَخِلالَ مَراحلَ عَديدَةٍ، وَاستِجابَةً لأسئِلَةِ إِخْوَتِهِ، أَمْلى وَصيَّتَهُ، المَعْروفَةَ ((بالوَصِيَّة)) أوْ ((الوَصِيَّةِ الكُبْرى))، شارِحاً، للمَرَّةِ الاَخيرَةِ، رُؤْيَتَهُ الإَنجيلِيَّةَ. الوَصِيَّةُ هيَ الوثيقَةُ الأَكْثَرُ أصالةً، والأكْثَرُ نِسْبَة ً إِلى فرنسيس، مِنْ كُلَّ النَّواحي.
ويقف المرء حاراً في وصيته الحاملة تعاليم متنوعة ومتعددة وهي بمجملها تدخل في إحياء إنسانية الإنسان وفق الرؤية الإنجيلية بين حياته وإنسانيته.
منْ ناحِيِة حَياتِهِ: يُعيدُ فرنسيس ُقِراءَةَ حَياتِهِ عَلى ضَوْءِ العَطِيِّة، وَيُرَدِّدُ بَعْدَ كُلً مَرْحَلةٍ مِنْ مَراحِلِ حَياتِهِ ((أَعطاني الرَّبّ)).
مِنْ نَاحِيةِ إِنسانِيَّتِهِ: تَظْهَرُ طبيعَتُهُ الإِنسانِيَّةُ بعَفْويَّةٍ، بدْءاً بالذكَّرياتِ العَذْبَةِ، وُصولاً إِلى صَرْخته، صِرْخةِ النَّبِي المُتأَلَّمِ، الًّذي يَبدو وَكَأنَّهُ سَيَنْهضُ من َ الفِراشِ لَكيْ يُدافِعَ، للمَرَّة الأخيرَةِ، عَنْ تلكَ العَطيَّة الّتي أَوحاها إليه الرَّبّ. لَكنَّهُ يُحَذَّرُ الإِخْوَةَ مِنَ اعتِبار الوَصِيَّة هَذهِ قانوناً جَديداً: إِنَّها فَقَطْ تَوصيةٌ أَبَويّةٌ وَأخَويَّةٌ، مِنْ خِلالها يُسَلِّمُهُم ما تَسَلَّمَ مِنَ الرّبِّ، أَيْ نَهْجَ الحَياةِ، الَّذي كانَ بالنِّسْبةِ إِلْيهِ، وَسَيَكونُ بالنَّسْبةِ إِلى إِخْوَتهِ، مَصدَرَ فَرَحٍ وَبَركَة.
وَفي خَتامِ الوَصِيَّةِ تَتَغَيَّرُ لَهْجَته، وتُصْبحُ مَملوءَةً حَنَاناً وَرأْفَةً، وَبَعْدَ أَنْ يَسْتَمْطِرَ بَرَكة َ الثَالوث الأقدس عَلى إخْوَتِهِ، يَجْرُؤُ هوَ أَيضاً على أَنْ يُبارِكهم.
اخيرا تاتي هذه المناسبة لتمكين العلاقة بين الماضي والحاضر والمجتمع بقداسة القديس فرنسيس الاسيزي عن طريق الاعلان عن فتح باب الزيارة إلى جثمانه وتبارك بقداسة رسالته.
