ديوان رأيت يافا مرتين انزياح الحلم وواقعية المشهد

معين العماطوري
معين العماطوري

السويداء-معين حمد العماطوري  

‏يشكل الشعر عند الشاعر سامي عوض الله (البيتجالي) عاملا انتمائيا، فهو يركز من خلال ارتباطه بالمكان على تصوير الحلم إلى واقع، وهو الذي يعيش الحنين الى المكان، وخاصة قريته وبيئته في فلسطين المحتلة، بحيث يغرف من معين اللغة انزياحات دلالية ترتبط ارتباطا وثيقا بعاطفة الذكرى الوجدانية مع رهافة اللحظة الشعرية في استخراج الصورة الدالة على المكان بحلم مبدد، ويستيقظ من ذلك الحلم على مشهد واقعي مستذكرا طفولته في المكان المنشود…

إضاءة:

‏ديوان (رأيت يافا مرتين) للشاعر سامي عوض الله (البيتجالي) الصادر عن دار كيوان للطباعة والنشر بطبعته الثانية عام ٢٠٢٤ والواقع في أكثر من مائة وعشرين صفحة من قطع الوسط…قدمه الشاعر الاديب فرحان الخطيب عضو اتحاد الكتاب العرب بمقدمة انطباعية نقدية القى فيها الضوء على مكامن الصور والدلالات والموسيقا والحنين الوجداني في المكان، والمفارقة في هذا الديوان ان عدد قصائده ترتبط بآلام المكان فهي ثمان واربعين قصيدة من ألم فلسطين ونكبتها التي كانت عام ١٩٤٨، فهذه العلاقة الانتمائية بين الشاعر والمكان روحية عضوية، يشير من خلال الاهداء المعنون ذكريات ورؤى “إلى ابي الذي مات وهو يحلم ….وابنتي التي رأت الحلم”…يبدو ان عنوان الديوان ارتبط بالإهداء. فقد رأى حلم والده قد تجسد بما رأته ابنته من حلم ابيه.

‏وهنا يشير الشاعر الخطيب في المقدمة الى انزياحات متعددة الاغراض في المكان والانتماء، إذ أكد ان والده الذي مات وهو يحلم في ارضه وابنته التي رات ذلك الحلم واقعيا.

‏كما أوضح مقدم مجموعة لملاحظات نقدية هامه تضمنها الديوان مؤكداً تملك المكان من الشاعر فبادره بالسؤال بقول الشاعر في احدى قصائده:

“سأل المكان هل انطوت أخباري

‏ وبكى المكان وقد تلا اشعاري 

‏القلب كالمزمار يثقبه الجوى 

‏ويئن بين الوجد والتذكار…”

‏ نلاحظ ايضا ان الديوان يحمل عنوان “رأيت يافا مرتين” ان هذا العنوان الحامل مجموعه من الهموم الذاتية والإنسانية والاجتماعية والسياسية المرتبطة ارتباطا وثيقا بالمكان أراده الشاعر البقاء في ذاكرته مسترسلا اشعاره وافكاره ورؤاه الثقافية جاعلا من العنوان اشكالية السؤال، في دلالة المرتين، وقد ضمنها في الاهداء بين حلم والده ورؤية ابنته لذلك الحلم، اضافة لعناوين قصائده المختلفة في الذكريات والمرتبطة بالمكان نفسه، فإذا أراد أن يذكر يافا او حيفا او منطقه من مناطق فلسطين او غزه فيجعلها قلادة في جيد القصائد، وقد جاءت تلك الامكنة الخيط الجامع بين روحه وعاطفته وحنينه وانتمائه.

 المكان والصورة:

يؤكد الشاعر في قصائده التي كتبها بعنوان “المكان” على التكوين التعبيري واللوحة التصويرية في الذاكرة فيقول:

‏( سال المكان هل انطوت اخباري…الى ان يصل الى قوله: ويئن بين الوجد والتذكار).. فهذا المكان هنا  يجعل منه تذكار الذات وتذكار اللحظة الآنية لتكوين الوحدة الشعورية لدى الشاعر في حلمه الدال على المكان، وتلك اللحظات التي عاشها وولد بها أيضاً، هي مرحله أخرى عاشها الشاعر كما في قصيدته (الهجران) لذلك تراه يذكر تلك اللحظات بروح الشاعر المتمرد على ذاته فيقول:

‏ لداري سلام من أظنى وجافاها 

‏والدار كالروح تضوي لو هجرناها

‏ ارى الطفولة عند الباب جالسةً 

‏تبكي عليّ وفي صمت مراياها

‏ لعل في صمت مراياها تلك الصورة الانزياحية التي تعبر عن ذاتيته في رؤيته للمكان فهذا الانزياح الدلالي، يحسب للشاعر في تكوين صور جديدة في صمته وفي رؤياه لمرايا الذات.

‏نلاحظ في ديوانه رأيت يافا مرتين التنوع في الشعر فاختار القصيدة التفعيلية والعمودية ويتماهى معهما في لحظات الزمان اذ يقول: “تشرين في ذاكرتي”:

‏” هناك ارقب المساء

‏ تملؤني رائحة التراب اذ يغسله المطر

‏ لولا عناصر الكيمياء فيه

 ظل الماء ماء…

‏تطل في ذاكرتي عيونها

‏ على حديقة مهملة

 كأنها نوافذ في بيتنا القديم” 

‏الملاحظ انه مزج بين المكان والزمان في القصيدة التفعيلية ورغم اشتداد لحظه الصورة التعبيرية الواقعية لديه إلا أنه يجعلها الرؤية الثاقبة في تكوين الصورة المتكاملة بين نقطه المحرق والدائرة وصولا للهدف المنشود وهي المكان المرتبط به روحيا وثقافيا واجتماعيا.

‏التعبير الدلالي:

‏يشير الشاعر في قصيدته: “أرى نفسي هناك ولا أراها” هي قصيده عمودية يقول فيها:

أرى نفسي هناك ولا أراها

وكنت إذا أرى نفسي أراها

‏أعود من المدى خمسين عاما 

‏لتحملني السنابل في مداها 

‏واركض في شوارعها سعيدا 

‏وتسبقني الحقول الى خطاها

‏ ويشتعل الفؤاد إذا اتته

‏ وتمطر فوق حرقته سماها

‏صورة تعبيرية تؤكد مدى العلاقة بينه وبين دلالة المكان إذا نستطيع ان نقول ان هذا الديوان يحمل بين دفتيه ثلاث قضايا اساسية:

‏ أولا: العنوان المرتبط في الزمان والمكان والوجدان.

‏ ثانيا: التأكيد على الصورة الانزياحية ليس من باب الترف بل التعبير الدلالي على عمق الشاعرية، رغم ارتباطها في المكان والوجدان.

‏ ثالثا: الحنين والوجد الذي يعيش فيه والى قدرته في التصوير والتعبير والتحليق في سماء الشعر من اجل اثبات قدرته الابداعية بتوظيف صوره الشعرية في رسم جمال المكان الذي يعشقه الشاعر.

اللغة:

يؤكد الشاعر فرحان الخطيب في تقديمه على اللغة التي يتمتع بها الشاعر فيقول:

حملتْ هذه المجموعة الشعرية لغة أنيسة وقريبة من السمع والفؤاد، لا تشوبها أية وعورة، أو أي تكلف في استحضار مفردات ليس لها مكان في البنية التركيبية للجملة الشعرية، فتجاورت الكلمات وتآلفت فأنتجت لنا صياغة شعرية متينة ومتماسكة، مزوّدة بانزياحات دلالية أغنت وأثرت الساحة الشعورية عند المتلقي، “تستلقي على ذراعها مدرسة صغيرة” ، “أرى مقعداً يجلس فيه هذا الفراغ”، “سأدخل فوّهة الليل”، “يحرسه الصنوبر من هجوم الريح” كل هذه الصور والكنايات منحت الديوان سمته الشاعرة، ووسمته بالشعرية الواضحة، لأنها ملكة الشعر الحاضرة دائما  عند شاعر متمكن مثل البيتجالي، ولعلّ بعض المباشرة التي رافقت السّرد الشعري لتبيان مقصد الشاعر دون أن يزيد من الظلال والألوان ، كان موفقاً فيها لأنها لم تكن خالية من تنويعات بصرية ضمن هذه المباشرة تثير وتنبّه مدارك المتلقي بمجسّات لفظية واضحة.

وفي التوصيف والتحليل لما كتبه ايضا مستندا الى الصور الشعرية المستمدة من الموسيقى الشعرية، يقينا ان الشعر كيان له ارتباط وثيق في الابداع هذا الابداع يحمل صورا ودلالة وموسيقى، وقد اضاء على ذلك الخطيب في تقديمه مشيرا الى مضمونه بقوله:

“وقد أضاءت موسيقا الديوان مضمونه، فذهبت به إلى ضُحى الاستماع الإيقاعي الجميل، فتناوبت تفعيلات الخليل على قصيدة الشطرين تارة، والتفعيلة تارة أخرى، وحين بدا بعض الارتباك في الجملة الموسيقية للمستمع، كان ذلك ناتجاً عن استخدام الجوازات في نهايات الجمل التي يمكن الاستغناء عنها لو قبض الشاعر بحسه الإيقاعي على نوتة التفعيلة بشكل أكثر لحناً وأوفى نغماُ”. 

وهنا يشير أن الشاعر وقع في هانات الجوازات التعبيرية او الجوازات الشعرية التي هي لزوما للشاعر ان يقف عندها ولا ضير في ذلك لان الشاعر متمكن من لغته السردية والشعرية في مجمل قصائده، فهي لا تحمل السرديات، انما تبطن حكايا هذه الحكايا هي الحنين والارتباط والانتماء الى الارض وخاصه الى امكنة معينه في فلسطين الحامل منها ذكريات وهمومه السياسية والثقافية الإبداعية، فهو يقول في احدى قصائده: “لا انت منسي”:

‏ قالت :هويتكَ يوم كان هواكَ حلما

فأجبتها : وأبى الزمان فعاد وهما

لم يبق منه لنا سوى ذكرى الصبا

وقصيدةٍ قطفتْ من الآفاق نجما

فجعلتُ من ذكرى الهوى عكازتي

وغسلتُ وجهك ِ في النوى دمعاً و لثما

هذا فؤادي فأوجزي في ذكرهِ

من يعشق الشعراءَ سوف يموت غما

‏ ‏ نلاحظ ايضا كيف استخدم الثوابت الكونية في الوجود بطريقة التعبيرية، حيث يقول في قصيدة صور :

‏ قمر .. قمرْ ..

تدلّى فوق حائط الضجرْ

رغيفُ قمحٍ 

في مآقي الجائعين

لكنّه مدوّرٌ كوجه أمي

هكذا يراهُ جائعُ الحنينْ

سفرٌ .. سفرْ

قد عدتُ كي أراك ِ

مُثقلًا بالحبّ

كغيمةٍ حبلى كثَدْيِ أم ٍ

حَضنتْ رضيعها ككرمةٍ في الصيف

كأنكِ الحليبُ والنبيذ ُوالمطر !

وتر .. وترْ

يدندنُ الوريدُ حينما

تشدُّه في القلبِ نقطتان

وحين يرتخي

يكون قد مَضى الزمان

وحين تقطعينهُ تنزفُ الصورْ ..

صورٌ .. صورْ ..

الخاتمة:

 ما يلفت النظر في الديوان رأيت يافا مرتين ان جميع القصائد لديه نهايات مفتوحة هذه النهايات المفتوحة التي تترك للمتلقي ايضا التأمل في تكوين القادم المجهول، وتصوير الحدث في الدلالة… أيضاً جمالية المكان الذي يصفه الشاعر..

يستطيع القارئ ان يستمتع في قراءة الديوان بأمرين:

أولا: اللغة المستنيرة.

ثانيا: تحديد وتصوير المكان وكأنه حاضر فيه.

وفي الحالين يحسب للشاعر سامي عوض الله البيتجالي انه قدم لنا حقيقة صور شعريه جديده تعبر عن هم فلسطين وآلام غزه وجمال يافا وحيفا وغيرها من الاماكن التي تبقى في الذاكرة الوجدانية الوطنية عند كل فلسطيني شريف.

اخيرا ديوان رأيت يافا مرتين يستحق القراءة والوقوف عند مشاهد متنوعة ومختلفة في تعدد الكل بالواحد.

شارك المقال
اترك تعليقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *