الأستاذ الدكتور عطا الله الرمحين
انقضت عقود كثيرة على استقلال سورية . شهدت البلد طوال هذه الفترة تحولات كبرى على صعيد بنيانه الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي .
سورية في نهاية السبعينات والثمانينيات قدمت معطيات ومظاهر جديدة تماما” .
إذ عرفت حياتها السياسية ايقاعا” هرمونيا” بخصوصية لافتة . نسيجها الاجتماعي يتغير عقليا” بشكل جذري واقتصادها يكتسب ضمن الرهانات التي تواجه كل الاقتصادات المماثلة انماطا” جديدة للاشتغال .
وأما مشهدها الثقافي فإنه يملي على الملاحظ انتباها” خاصا” نظرا” لتعقده الرمزي وتنوعه المرجعي وتعدد عناصره التأسيسية .
هل كانت هذه التحولات نتاج نمط من التدابير ينطلق من مشروع مجتمعي عام ؟
ماهو موقع العامل السياسي في مسار سورية المعاصرة؟
وإلى إي حد استطاعت القوة الفاعلة في البلد فهم وضبط الاختلالات التي فرزتها المسيرة المتوترة للمجتمع السوري .
ثلاث لحظات كبرى شهدها التاريخ الاقتصادي والسياسي السوري في العقود الخمسة المنصرمة .
وهي لحظات تداخلت فيها اجيال وادوار بشكل مثير للانتباه. تميزت اللحظة الاولى ببروز جيل في الاربعينيات والخمسينيات حمل على عاتقه مسؤولية النضال من اجل استقلال سورية .
اللحظة الثانية يمثلها جيل الاستقلال ابان ستينيات وسبعينيات القرن الماضي حيث حاول هذا الجيل بناء الدولة( الامة) في تعبيراتها العصرية.
وإقامة بنيان ومؤسسات جديرة بمواكبة هذا البناء، شهدت هذه المرحلة توترات في الاختيارات وصراعات على السلطة من اعنف واشد حالات المواجهة بين الاطراف السياسية الفاعلة في سورية في حين تعبر اللحظة الثالثة عن تطلعات الجيل الحامل لمثل الديمقراطية والتقدم جيل الثمانينيات والتسعينيات وبدايات القرن الواحد والعشرون والجيل الراهن الساعي لادماج المجتمع السوري في ايقاع الزمن المعاصر، بتبني قيم الحرية والعدالة الاجتماعية وحقوق الانسان والتنمية .
إلا أن هذا التعاقب الخاص للحظات الثلاث لتاريخ سورية المعاصر لا يعني أن الامر يتعلق بتمايز قطعي في ما بين هذه اللحظات، لان هناك تداخل متشابك مفارق بين الاجيال، يتميز تارة” بتوتر والصراع و
آخرى بالتساكن والتعايش، وقد ولد بذلك نموذجا” سياسيا” في منتهى الخصوصية على صعيد التجارب السياسية العربية .
تمكنت سورية المستقلة بالنسبة لبعض الدارسين في الحفاظ على عناصر التوازن بفضل استراتيجية فكر فيها وادارها النظام السياسي بطريقة تمكن فيها خلافا” لما هو ظاهر من التكيف مع مختلف التغيرات بل استطاع ادماج عناصر جديدة في كل مرة يسعفه على الاحتفاظ بقاعدته الاجتماعية وعلى الوسائط الضرورية للضبط والتأطير قصد اخضاع المجتمع.
كيف يمكن الاحاطة بهذا البلد المتعدد والمعقد عقلانيا” وسياسيا” ؟
ماهو النهج الاجدر القادر على فهم سورية في رهانها وحركيتها ؟
يتبع……!
