| “التحول من عقل الدولة إلى عقل الكرسي يعكس أزمة في القيم السياسية والاجتماعية، حيث تصبح السلطة أداة لتحقيق المصالح الشخصية بدلاً من كونها وسيلة لخدمة المجتمع ككل”. د. زهير الخويلدي |
حسين الإبراهيم
كاتب وصحفي سوري
1. الإطار النظري والمفاهيمي
1.1. تعريف “ثقافة الكرسي”
يشير هذا المفهوم إلى سيطرة المنصب العام (الكرسي) على سلوكيات الأفراد والمؤسسات، حيث يصبح الحفاظ على السلطة أو الوصول إليها غايةً بحد ذاتها، حتى لو تعارضت مع المصلحة العامة.
- المرجعية النظرية:
تقدم المرجعية النظرية إطاراً لفهم “ثقافة الكرسي” عبر تحليل البنى البيروقراطية والهيمنة الثقافية. وفقاً لـماكس فيبر، تتحول البيروقراطية من آلة عقلانية تُدار بالقانون إلى أداة فاسدة تُسيطر عليها النخبة، حيث يُختزل المنصب العام في خدمة مصالح ضيقة بدلاً من المصلحة الجماعية، مما يُعطل العدالة ويُعمق التفاوت.
من جهته، يرى أنطونيو غرامشي أن الهيمنة الثقافية تُرسخ قيم النخبة الحاكمة (كالولاء للكرسي) كـ”معطى طبيعي” في الوعي الجمعي، عبر مؤسسات كالتعليم والإعلام، مما يُضعف القدرة على نقد النظام أو تصور بدائل. هكذا، تتفاعل البنى الهيكلية (فيبر) مع الآليات الثقافية (غرامشي) لتكريس هيمنة “الكرسي” كظاهرة مركبة.
1.2. المفاهيم المرتبطة
تتجلّى المفاهيم المرتبطة بـ”ثقافة الكرسي” في آليتَيْ الزبونية والاقتصاد الريعي. تُعرف الزبونية (Patronage) بتوزيع المناصب العامة بناءً على الولاء لا الكفاءة، مما يحوّلها إلى وسيلة لتعزيز التبعية للنخبة، فيُهمَّش الكفء لصالح الموالين، وتفقد المؤسسات فعاليتها.
أما الاقتصاد الريعي فيعكس اعتماد النخبة على موارد غير منتجة (كالمَناصب والامتيازات) لضمان بقائها، بدل استثمارها في قطاعات إنتاجية تُنَمّي المجتمع. هذا النموذج يكرّس دورةً من التبعية الاقتصادية والاجتماعية، حيث تُستبدل التنمية الحقيقية بعلاقات الزبائنية، ويُحوَّل “الكرسي” إلى مصدر ريعي يُغذي الفساد. بتفاعلهما، تُصبح المؤسسات أدوات لخدمة النخبة السياسية والإدارية، لا المجتمع، مما يُعطّل أي إمكانية للتطوير.
2. السياق التاريخي والاجتماعي
2.1. الإرث الحضاري مقابل الواقع المعاصر
- العصر الذهبي: تُمثّل الإبداعات السورية القديمة دليلاً على عمق الإرث الحلقي الذي يتجاوز ثقافة الكرسي الراهنة. برزت مملكة إيبلا (2400 ق.م) كمركز حضاري رائد، حيث طوّرت أرشيفاً ضخماً من الرقم المسماري باللغة الإبلائية، كأول نظامٍ لتوثيق القوانين والتجارة والدبلوماسية بمنهجيةٍ مؤسساتية. وكان اختراع الأبجدية في الألفية الثانية ق.م – من مدن سورية كأوغاريت – ثورةً في التواصل الإنساني، إذ حلّت 30 رمزاً بسيطاً محلّ المئات من الرموز المسمارية، مُسهّمةً في نشأة اللغات العالمية (اليونانية، اللاتينية). هذه الابتكارات تُظهر قدرة المجتمع السوري التاريخية على التحوّل من ثقافة البيروقراطية إلى ثقافة الإبداع، عندما تُحرَّر الطاقات من قيود الهيمنة.
- التحول التاريخي:
شهدت سورية تحولاً تاريخياً جذرياً من “مجتمع إنتاجي” قائم على الزراعة والتجارة (كاقتصاد القمح والحرير في العصر العثماني)، إلى “مجتمع ريعي” تهيمن عليه الدولة بعد الاستعمار الفرنسي (1920-1946)، حيث أدى تركيز السلطة في مؤسسات مركزية إلى تحويل الموارد من القطاعات الإنتاجية إلى شبكات المحسوبية، عبر توزيع المناصب والامتيازات كبديل عن التنمية.
مع اندلاع الحرب (2011… إلى الآن)، تفاقمت هذه الديناميكية: تدمير البنى التحتية وانهيار الاقتصاد حوّلا “المنصب الحكومي” إلى ملاذٍ أخير للبقاء، خاصة مع تمدد الفساد واعتماد الأسر على الرواتب الرمزية أو الوظائف المضمونة عبر الولاء، كشبكة أمانٍ في ظلّ غياب البدائل. هكذا، تعمّق ارتباط “الكرسي” بالبقاء، لا الإنتاج، كنتاجٍ لتراكم الأزمات.
2.2. العوامل السياسية
تُشكّل العوامل السياسية دعامةً رئيسية لترسيخ “ثقافة الكرسي” في سورية. منذ هيمنة حزب البعث عام 1963، بُنيت شبكة محسوبيات واسعة تربط المناصب بالولاء السياسي، لتشكل نموذجاً جديداً للاقطاع، حيث تحوّلت المؤسسات الحكومية إلى أدوات لتعزيز السيطرة الأمنية والحزبية، بدلًا من خدمة المصلحة العامة. أُقصي الكفاءات لصالح الموالين، مما حوّل البيروقراطية إلى هيكل فاسد يُكرس التفاوت.
وفقًا لتقارير “الشفافية الدولية” (2022)، تحتل سورية المرتبة 178 عالميًا في مؤشر الفساد، وهو انعكاس لسياسات منهجية حوّلت الفساد إلى نظام حكم. لم تكن المحسوبية مجرد ممارسة عابرة، بل آلية لضمان بقاء النخبة، عبر تحويل المناصب إلى عملة سياسية تُشترى بالولاء، لا تُكتسب بالجدارة، مما أفرغ المؤسسات من مضمونها وأدّى إلى تآكل الثقة بين الدولة والمجتمع.
3. الأسباب والدوافع
3.1. أسباب هيكلية
تتأسس الأسباب الهيكلية لـ”ثقافة الكرسي” على أزمات بنيوية تُغذي اعتماد الأفراد على المنصب كخيار وحيد. تُظهر بيانات البنك الدولي (2020) أن نسبة البطالة بين الشباب السوري تصل إلى 50%، ما يدفعهم إلى البحث عن “الكرسي الحكومي” كضمان اقتصادي في ظلّ اقتصاد هشٍّ يُعاني من تدمير القطاعات الإنتاجية (صناعة، زراعة).
من جهة أخرى، يلعب الخوف من الاضطهاد دوراً محورياً: تاريخ الاعتقالات السياسية الطويل – خاصةً منذ ثمانينيات القرن الماضي – حوّل الولاء للنظام إلى آلية بقاء، حيث يتبنى الأفراد ثقافة الصمت أو الإذعان لتجنب المخاطر. هكذا، تتفاعل الأزمات الاقتصادية مع القمع السياسي لتحويل “الكرسي” من وظيفةٍ إلى ملاذٍ وجودي.
3.2. أسباب ثقافية
تتكئ الأسباب الثقافية لـ “ثقافة الكرسي” على تراكماتٍ مجتمعية تعزز الولاء للسلطة على حساب القيم الإنتاجية. فـالهوية القبلية، وفق دراسة إيزاك خوري عن “النيوبطريركية”، تُكرّس تحالف العائلات الكبرى مع النظام لضمان النفوذ، حيث تُستخدم الروابط العشائرية كجسرٍ لتبادل المنافع (مناصب مقابل ولاء)، ما يحوّل المجتمع إلى شبكة مصالح مغلقة تُهمّش الكفاءة.
من جانب آخر، أدّى انهيار النظام التعليمي خلال الحرب إلى تآكل قيم الإبداع والمساءلة: تحوّلت المدارس إلى مراكز تدجين أو ساحات حرب، وفقد التعليم دوره في بناء وعي نقدي. وفقاً لليونسكو (2023)، 40% من الشباب السوري خارج التعليم، ما يسهّل تغلغل ثقافة الخضوع للكرسي كبديلٍ عن التفكير المستقل. هكذا، تُغذّي البنى الثقافية التقليدية والتراجع التعليمي حلقة الفساد.
4. الآثار المجتمعية والاقتصادية
4.1. تفكك النسيج الاجتماعي
تفكك النسيج الاجتماعي أحد أخطر تداعيات “ثقافة الكرسي”، حيث يتحول المجتمع من كيان متكامل إلى أشلاء متنافرة. وفق استطلاع مركز “جسور” (2021)، فإن 70% من السوريين لا يثقون بالمؤسسات الحكومية، نتيجة عقود من الفساد الممنهج الذي حوّل الخدمات العامة إلى امتيازات تُمنح بالولاء، لا الحقوق. هذا الانهيار يدفع الأفراد إلى العزلة أو الاعتماد على الشبكات العائلية البديلة، مما يُضعف التماسك المجتمعي.
في المقابل، تُفاقم هجرة العقول الأزمة: تشير اليونسكو (2023) إلى أن 90% من السوريين الحاصلين على تعليم عالٍ هاجروا إلى دول كألمانيا وتركيا، مُخلّفين فراغاً في الطبقات المتعلمة القادرة على قيادة التغيير. هذه الهجرة ليست نزيفاً اقتصادياً فحسب، بل انهياراً لقدرة المجتمع على إنتاج معرفة أو مشاريع تنموية، ما يجعله أسيراً لدورة التبعية للفساد والريع. هكذا، يُنتج تفكك النسيج الاجتماعي واقعاً مُعاقاً، تُحدّثه الهجرة وتُعمقه ثقافة اللا ثقة.
4.2. تداعيات اقتصادية
تُعزز التداعيات الاجتماعية لـ”ثقافة الكرسي” حلقةً مُفرغةً من التخلف والتبعية. فـاقتصاد الريع – الذي يعتمد على تحويلات المغتربين بنسبة 60% من الناتج المحلي (البنك الدولي) مقابل 15% فقط من الصناعة – يحوّل المجتمع إلى كيانٍ استهلاكي، تُهمَّش فيه القطاعات الإنتاجية، وتترسخ ثقافة الاعتماد على “المُرسَل من الخارج” بدلًا من خلق فرص عمل محلية. هذا النموذج يُنتج أجيالًا بلا حافز للإبداع، حيث تُستنزف الموارد في قنوات غير منتجة.
أما غياب الابتكار فيُفاقم الأزمة: تُخصّص سورية 0.2% من ناتجها المحلي للبحث العلمي، مقابل 3% في سنغافورة، ما يعكس تهميش العقل لصالح الولاء. فبدون استثمار في التعليم التقني أو المشاريع الريادية، يتحوّل المجتمع إلى سوقٍ للتقليد، تُغيب فيه الأدوات اللازمة لمواكبة العصر، كالذكاء الاصطناعي أو الطاقة المتجددة. هكذا، تتحول “ثقافة الكرسي” إلى إعاقةٍ بنيوية تُعيد إنتاج التخلف عبر قتل الإبداع وتعزيز الريع.
5. مقارنات دولية
5.1. رواندا: إعادة البناء بعد الانهيار
قدمت رواندا نموذجاً استثنائياً في تجاوز إرث العنف عبر إصلاحات جذرية. بعد الإبادة (1994)، أعادت بناء مؤسساتها عبر:
- إصلاح التعليم: دمج قيم المواطنة والمصالحة في المناهج، لتحويل المدارس إلى فضاءات لبناء الهوية المشتركة بدل الكراهية.
- محاكم “غاكاكا” المحلية: محاكمة جرائم الفساد والعنف عبر آليات تقليدية تشاركية، جمعت بين العدالة الانتقالية والمصالحة المجتمعية.
بينما تعتمد سورية على بيروقراطية فاسدة، حوّلت رواندا الأزمة إلى فرصة لتفكيك شبكات الفساد عبر مؤسسات جديدة. انخفضت نسبة الفساد من 90% (1994) إلى 49% (2022) وفق “الشفافية الدولية”، بينما تظل سورية في ذيل المؤشر. الفرق الجوهري هو تحويل “الكرسي” من أداة سلطة إلى خدمة عامة، عبر تعليم يُعزز المسؤولية، وقضاء يُعيد الثقة. رغم اختلاف السياقات، يبقى الدرس الرواندي: إعادة البناء تبدأ بتفكيك ثقافة الإفلات من العقاب.
5.2. النموذج العربي: مصر والعراق
في مصر، تُشكل “الواسطة” عائقاً رئيسياً أمام التنمية، حيث تُشير تقارير الباروميتر العربي (2022) إلى أن 60% من المشاريع الصغيرة تُعاني من تعقيدات بيروقراطية وحاجة إلى محسوبيات للحصول على تراخيص أو تمويل، ما يُحوّل ريادة الأعمال من مسار إنتاجي إلى شبكة علاقات شخصية. هذه الثقافة لا تُكبّل الاقتصاد فحسب، بل تُعيد إنتاج التفاوت الطبقي، إذ تتركز الفرص في أيدي النخب المرتبطة بالسلطة.
أما العراق، وبالرغم من موارده النفطية الهائلة، فإن نظام المحاصصة الطائفية حوّل المناصب إلى “حصص” تُوزع على المكونات السياسية، لا على أساس الكفاءة. أدى ذلك إلى تفشي الفساد وتدهور الخدمات العامة (كالكهرباء والصحة)، حيث تُدار المؤسسات بأسماء طائفية، لا برامج تنموية. وفقاً للبنك الدولي، خسر العراق 300 مليار دولار منذ 2003 بسبب الفساد المُرتبط بالمحاصصة.
الاختلاف الجوهري: في مصر، “الواسطة” آلية فردية لاختراق البيروقراطية، بينما في العراق، “المحاصصة” نظام حكم مؤسسي. لكن النتيجتين متشابهتين: هدر الطاقات، وهيمنة الولاء على الجدارة، وتحويل “الكرسي” إلى أداة لإدامة النظام، لا تطويره.
6. سبل التغيير
سبل التغيير: نحو تفكيك “ثقافة الكرسي”
لتحرير المجتمع السوري من قبضة “ثقافة الكرسي”، يجب تبني خطة متعددة الأبعاد تجمع بين الإصلاح المؤسساتي، والتغيير الثقافي، وتمكين الشباب، عبر الآتي:
1. الإصلاح المؤسساتي
- هيئات رقابية مستقلة: إنشاء جهاز لمكافحة الفساد ذي صلاحيات قضائية ومالية واسعة، على غرار نموذج “الهيئة الاتحادية للرقابة المالية” في الإمارات، التي ساهمت في خفض الفساد بنسبة 70% خلال عقد. يجب أن تُدار هذه الهيئة من قبل خبراء مستقلين، بعيداً عن التدخل السياسي، مع ضمان شفافية قراراتها.
- اللامركزية الإدارية: تفعيل المجالس المحلية في المحافظات، عبر منحها صلاحيات حقيقية في إدارة الموارد المحلية ووضع الخطط التنموية. هذا النموذج – كما في تجربة ألمانيا الاتحادية – يُقلل تركيز السلطة ويُعزز المشاركة المجتمعية، مما يُضعف شبكات المحسوبيات المرتبطة بالمركز.
2. التغيير الثقافي
- مناهج تعليمية نقدية: إعادة بناء النظام التعليمي عبر تبني نموذج “التفكير النقدي” الفنلندي، الذي يحوّل الطالب من متلقٍ سلبي إلى باحثٍ نشط، عبر مناهج تعتمد على حل المشكلات وتحليل النصوص التاريخية بنظرة نقدية. وفقاً لليونسكو، يُنتج هذا النهج أجيالاً قادرة على مواجهة الخطاب السلطوي.
- إعلام تنويري: دعم إنتاج أعمال فنية تُعرّي الفساد، كمسلسل “التغريبة الفلسطينية” الذي كشف زيف النخبة، أو أفلام وثائقية تعرض تجارب ناجحة في مقاومة الفساد. فالإعلام ليس مرآةً للواقع فحسب، بل أداة لتشكيله.
3. تمكين الشباب
- حاضنات أعمال: إنشاء مراكز لدعم الرياديين، بتقديم تمويل ميسر وتدريب تقني، كما في تجربة “حاضنة بيروت للمشاريع الناشئة”، التي ساعدت 200 مشروع خلال عامين.
- منصات تشاركية: تطبيق نموذج “البلديات الشبابية” التونسية، حيث يُشارك الشباب في صنع قرارات بلدياتهم عبر انتخابات محلية، مما يعزز الشعور بالمسؤولية ويُعيد الثقة في العمل العام.
هذه السبل ليست حلولاً سحرية، بل خطوات مترابطة تحتاج لإرادة سياسية ودعم دولي. لكنها تثبت أن الخروج من ثقافة الكرسي ممكن، حين تُستبدل بيروقراطية الفساد بمؤسسات خاضعة للمساءلة، وتُستبدل ثقافة الولاء بثقافة الإنتاج، ويُحوَّل الشباب من ضحايا النظام إلى قادة التغيير.
الخاتمة
“ثقافة الكرسي” ليست قدرًا محتومًا، فالتاريخ السوري يثبت قدرة المجتمع على التجديد. يتطلب التغيير إرادة سياسية ودولية، لكن البداية تكون بخطوات عملية: تفكيك اقتصاد الريع، وإعادة بناء الثقة عبر التعليم، وإشراك الشباب في صنع مستقبلهم.
المراجع
- غليون، برهان (2012). نقد السياسة: الدولة والدين.
- World Bank (2020). Syria Economic Monitor.
- Transparency International (2022). Corruption Perceptions Index.
- elfikr.org/في-الجدل-الاجتماعي-والقانوني
