رحلة الصراع بين السيطرة والحرية
بقلم الأستاذ الدكتور سليم إبراهيم الحَسَنيّة
من مرج راهط[1] إلى عين دارة[2]، ثم إلى سهول السويداء، لم تتغير خريطة الروح القبلية في المشرق العربي كثيرًا… المرج الذي احتشدت فيه الرُهط والقبائل طلباً للسلطة — إلى «عين دارة» حيث تصادمت الممالك، وصولاً إلى هجومٍ على جبلٍ لا يزال أبناؤه يُقتلون بثأر الجاهلية في زمن مشروع الدولة، تتكرر المأساة ذاتها بأسماء جديدة. في هذه المعركة لعبت اليمنية دور حارسةً للسلطة والسيطرة، تلوذ بالمركز وتخشى انهيار النظام، والقيسية لعبت دور صوت المحيط، تدافع عن الكرامة والحرية والمساواة، ولو على حساب القوة والمكانة.وبين دمشق الأمويّة وجبل العرب اليمنيّ، يتكرر الدرس: حين يطغى السلطان على الإنسان، يولد الرفض من القد كانت القيسية واليمنية[3] أكثر من مجرد انقسام قبلي؛ كانت في جوهرها تعبيرًا مبكرًا عن صراع البنية الاجتماعية القبلية المركزية الصاعدة التي تحتمي بالسلطة والنظام، مع البنية اللامركزية التي تطمح إلى الحرية والعدالة والمساواة. لذلك، ليس غريبًا أن تعود هذه الرمزية اليوم في صور جديدة؛ فكل سلطة تُعيد إنتاج مركزها، وكل مقاومة تستعيد ميثاقها الحر— حيث الإنسان قبل السلطان.
مرج العصبية القبلية
في مرج راهط وُلد الانقسام، لم تكن معركة مرج راهط (64هـ/684م)، جنوب دمشق (بعض المراجع تقول أنها وقعت في سهل حوران، بين درعا والغارية اليوم)، مجرّد مواجهة عسكرية بين فئتين من المسلمين انفسهم، بعد مقتل الحسين، بل كانت الشرارة التي كشفت عن صدعٍ عميق في بنية المجتمع العربي السياسي الإسلامي:
انقسامٌ بين العقلية اليمنية والعقلية القيسية، بين أبناء قحطان وعدنان، بين من أرادوا السلطة المركزية في دمشق، ومن رأوا الكرامة في الحرية والعدالة والمساواة في المدينة، بغض النظر عن الأصول الشرعية لتولي السلطة.
ومع أنّ التاريخ يرويها كصدامٍ سياسي بين الأمويين والزبيريين، فإنها كانت في عمقها تعبيرًا عن صراعٍ ثقافيّ واجتماعيّ طويل الأمد، بين القبائل، بين المركز المتسلّط والمحيط الساعي إلى المساواة والكرامة[4]. وحملت هذه القبائل تنافسها من خرسان إلى الأندلس، وكان هذا التنافس ينفجر في أماكن وأوقات مختلفة، منها في بلاد الموحدين في جبل لبنان.
تحوّلات الزعامة بين المعنيّين والشهابيّين
بعد قرون من مرج راهط انتمى الكثير من اليمنيين والقيسيين إلى دعوة التوحيد (1017-1043)، وشكلوا جماعة جديدة[5]، بلغت قوتهم وازدهارهم ذروتها في عهد الأمير فخر الدين المعني الثاني (1572 – 1635)[6]، مؤسس لبنان الكبير، لبنان الجديد، من خلال دمج الإمارات والمقاطعات اللبنانية، وامتدت إمارته من حيفا إلى حماه[7].
اتسم عهد فخر الدين بإنجازات حضارية ومدنية واسعة، مستفيدًا من إعجابه بالنموذج الأوروبي، واستقدم الخبراء. شجع على فتح المدارس، وإدخال المطابع، وبناء المساجد والكنائس، والحدائق، وتوسيع الطرق، وبناء الجسور؛ وتعامل وتعاون مع جميع الطوائف الدينية (الموحدين، والموارنة، والشيعة، والسُنّة، واليهود) في حكم مشترك، بالتسامح وحرية العبادة وممارسة الشعائر الدينية.
كانت نهاية حكم الأمير فخر الدين المعني مأساوية، نتيجة دسائس ومؤامرات قبلية سياسية بالأساس، وتُمثل نقطة فاصلة في تاريخ جبل لبنان. لم تكن نهاية مجرد حاكم، بل نهاية مشروع طموح لتأسيس دولة لبنانية شبه مستقلة عن الإمبراطورية العثمانية، وتتمثل الثقافة الأوربية.
من جبلٍ إلى جبل
في عين دارة انتعش الانقسام القبلي بوجهٍ جديد، بعد حكم فخر الدين بدأت هذه النهضة التنويرية الحضارية في التقلص، وازدهارها بدأ في الهبوط حتى وصلنا إلى تكرار مشهد مرج راهط، بصورةٍ جديدة في معركة عين دارة (1711م). فقد سبق أن دارت معارك طاحنة بين الموحدين انفسهم: القيسيين (مثل آل معن، وآل بحتر، وآل تلحوق) وأخوتهم الموحدين اليمنيين (مثل آل علم الدين، وآل حمدان، وآل مراد).
لكن الكلمة الفصل كانت لمعركة عين دارة، المعركة الأعظم، حين التحم أبناء البيت الواحد (الموحدون) في جبل لبنان، فانقسموا بين قيسيين ويمنيين، وكانت الغلبة للقيسيين، فاضطر كثيرٌ من اليمنيين إلى النزوح جنوبًا وشرقًا نحو جبل العرب (السويداء اليوم).[8] غير أن العقلية القبلية ظهرت في عائلات جديدة جنبلاطية/قيسية، تميل إلى التحالف مع السلطة المركزية والتماهي السياسي معها؛ ويزبكية/يمنية تميل إلى الاستقلال والتمسك بالعادات الجبلية والمجتمع التقليدي. فضعف نفوذ الموحدين السياسي والاقتصادي والاجتماعي في القرون اللاحقة؛ نتيجة هذه الصراعات القبلية، والتحالف مع المركز ضد المحيط والمحلي.
هناك، في الجبل، انصهرت القبائل اليمنية الأصل في نسيجٍ جديد، حمل ملامح الكرامة والحرية والمساواة، ورفض كلّ سلطة تراتبية أو تبعية، وأصبح هذا الجبل منذئذٍ ملاذًا لكلّ من ضاق ذرعًا بالسلطة المركزية، أيًّا كانت هويّتها. وهكذا، بعد أن نما قوة بالعدد والعدة، تحول إلى قوة تحسب حسابها قبائل البدو وحكومات دمشق المتعاقبة، مثل فشل كل حملات إبراهيم باشا على الجبل.
من العصبية إلى الطائفية: التحول في بنية السلطة
بعد معركة عين دارة عام 1711م، التي شكّلت نهاية الحقبة المعنية وبداية الصعود الشهابي[9]، دخل جبل لبنان، والمنطقة، مرحلة جديدة من التحوّل في طبيعة الصراع السياسي والاجتماعي. فبانتهاء الإمارة المعنية سنة 1697م، اجتمع زعماء الموحدين — وفي طليعتهم آل عماد، وآل عبد الملك، وآل تلحوق — واختاروا الأمير بشير شهاب الأول أميرًا للجبل، فانتقلت الإمارة من بيتٍ درزيٍّ إلى بيتٍ سنّي الأصل، ثم تحوّل لاحقًا في عهد بشير الثاني الشهابي الكبير (1788–1840م) إلى المارونية سياسيًا وروحيًا.
شكل ذلك التحول أكثر من مجرد تبدّل في الهوية المذهبية؛ فقد مثّل انتقالًا تدريجيًا من منطق العصبية القبلية القيسية واليمنية إلى منطق الطائفية السياسية التي ستطبع تاريخ جبل لبنان والدولة اللبنانية الحديثة إلى اليوم. فبدل أن تكون الانقسامات قائمة على النسب القبلي والتحالف السياسي تاريخيا، أو على أساس المواطنة عصرياً، أصبحت الانقسامات السياسية قائمة على العقيدة والانتماء المذهبي، مدعومةً بتدخلات إقليمية ودولية — من العثمانيين إلى الفرنسيين — في رسم ملامح جبل لبنان وسكانه.
من هذه البذرة نشأ النظام اللبناني الطائفي الحديث، الذي جعل الانتماء المذهبي هو الممر الإلزامي إلى السياسة والسلطة.
وإذا كانت عين دارة قد أنهت زمن القبيلة بالسيف، فإن العهد الشهابي كرّسه بالقانون. وما نراه اليوم في غزوة السويداء (تموز 2025) ليس سوى صدىً بعيدٍ لذلك التحوّل العميق في الوعي السياسي المشرقي: من صراع القبائل إلى صراع الهويات، ومن الولاء للسلطة إلى النضال من أجل العدالة والكرامة والحرية.

صدى التاريخ في حاضرٍ قريب
على الرغم من مرور القرون الطويلة، ما زالت آثار تلك الذهنية القديمة — ذهنية الثأر والولاء القبلي — تطلّ برأسها بين حينٍ وآخر، حتى في زمن مشروع الدولة الحديثة.
شهدنا مؤخراً، في الجبل، حوادث دامية أعادت إلى الأذهان منطق “الدم بالدم”، بين أبناء وطنٍ واحد، بسبب اتهاماتٍ متبادلةٍ بالولاء والخيانة، منها مَقتل شابين من عائلتين عريقتين.
مشهدٌ يذكّرنا بأن ما لم يُحلّ بالعقل والعدل، سيبقى يُستعاد بالسلاح والثأر. هنا تتجلى المأساة الكبرى: أن تتحول قضايا السياسة إلى جروحٍ وطنية، وأن يصبح الدم لغةً بديلاً عن الحوار[10].
من جبل الدم إلى جبل الوعي
اليوم، يقف الجبل نفسه — الذي كان يوماً ميداناً للصراع القبلي — شاهداً على تحولٍ عميق في الوعي. فمن رحم تلك التجارب، وُلدت فكرة أن الكرامة لا تُصان بالسلاح فقط، بل بالقانون والعدل والمساواة. وهكذا، لم يعد “جبل العرب” مجرد جغرافيا، بل رمزاً لضميرٍ يرفض الخضوع ويبحث عن دولةٍ عادلةٍ لجميع أبنائها.
حين يُعاد إنتاج الصراع!
لكنّ المفارقة التاريخية تتكرّر: فكما سعت الدولة الأموية في دمشق إلى فرض المركزية بالقوة، كذلك تعرّض الجبل اليوم[11] — في القرن الحادي والعشرين — إلى هجومٍ واسع على قرى السويداء[12]، نُهِبت فيه القرى، وحرقت المنازل، وشُرِّد أهلها، وسقط المئات من الضحايا، وكأنّ التاريخ يعيد صراعه بين اليمنية والقيسية بثوبٍ سياسيّ جديد[13].
إنّ ما يلفت النظر في معارك مرج راهط وعين دارة و”غزوة السويداء” أنها لم تكن بين مذهبين أو إيمانيين مختلفين، بل بين جماعات تنتمي لمعتقدٍ واحد، يجمعها الإيمان ويفرّقها النسب والمذهب والزعامة. لقد كان الصراع في جوهره قبليًّا محضًا، لبس ثوب الدين والسياسة معاً، لكن دافعه الحقيقي ظلّ الولاء والانتماء القبلي أكثر مما هو اختلافٌ عقديّ أو فكريّ.
من هذا المنظور، يصبح الهجوم الأخير على السويداء امتدادًا لتلك الذهنية القبلية القديمة، لا باعتباره مواجهة سياسية أو طائفية، بل غزوًا قبليًّا بثوبٍ معاصر، يستعيد منطق السيطرة القديمة بوسائل الدولة الحديثة.
فالذين يهاجمون اليوم، وإن رفعوا شعارات الدين والسياسة والأمن، إنما يتحركون في لاوعيهم الجمعي بدافعٍ قَبَليٍّ ثأري بغيض، يَعتبرُ الاحتجاج على المركز جريمة، والحرية والكرامة خروجًا عن الطاعة. وهكذا، تعود روح مرج راهط من جديد — لا بين كفرٍ وإيمان؛ بل بين حرية واستبداد.
ما بعد العصبية
هنا لا يُقصد استدعاء العصبية القبلية، بل قراءة لجغرافية الصراع في سورية القديمة والحديثة من منظورٍ اجتماعي تاريخيّ عميق: بين مركزٍ سياسيّ يسعى لتثبيت سلطته وسيطرته عبر التراتبية العسكرية والطاعة والقهر، ومجتمعٍ محليّ يقدّس الكرامة والحرية والمساواة، وهو جوهر القيم المدنية التي حملها أبناء الجبل منذ نزوحهم الأول بعد عين دارة[14].
ولعلّ ما يلفت النظر إلى أنّ الموحدين أنفسهم ينحدرون في أصولهم من جذورٍ متعدّدة — قحطانية وعدنانية، يمنية وقيسية —، أي إنّهم ورثة توازنٍ دقيقٍ بين النَسَبين، وبين روح المركز وروح الهامش. ومن هنا، يصبح الهجوم على السويداء اليوم، في جوهره، هجومًا على فكرة العدل والمساواة التي حملها العرب منذ انقسامهم الأول، لا مجرّد معركة عابرة في التاريخ السوري.
من المرج إلى الهرج
من مرج راهط حيث انتصرت السلطة، إلى عين دارة حيث تفرقت القبائل، إلى السويداء حيث تبحث الكرامة عن وطنها، تظل الحكاية واحدة: صراع بين من يرى في السلطة خلاصه،
ومن يرى في الحرية إنسانيته.}
“كأن مرج راهط لم يكن معركة في التاريخ، بل استعارة تتكرّر في الجغرافيا السورية: رهط يتحشّد حول سلطة فانية، وآخر يتحلّق حول كرامة مهدورة. من هناك بدأت الحكاية، وإليها تعود.”
هذا النص قراءة رمزية للتاريخ من منظور اجتماعي لا قبلي، ترفض كل أشكال العصبية وتدعو إلى دولة مدنية، دولة المواطنة والكرامة.”
[1] مرج راهط: معركة وقعت حوالي سنة 64-65 هـ (حوالي 684م) بين أنصار مروان بن الحكم (ذي النفوذ اليمني) وأنصار الضحاك بن قيس (القيسي)، وانتصار مروان ساعد في ترسيخ الخلافة الأموية في الشام. CDC Skyline+2المعرفة+2
[2] عين دارة 1711: معركة حاسمة بين فصائل قيسية ويمنية درزية في جبل لبنان. انتهت بهزيمة اليمنيين ونزوحهم إلى جبل العرب. Sadawa Dialtaym+4Druze Heritage Center in Israel+4Wikipedia+4
[3] التصنيفات القيسية واليمنية لم تكن دينية بل قبلية وسياسية صرفة.
[4] انظر الطبري ج5، تاريخ الرسل والملوك؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج4.
[5] انظر “Different Approaches About the Ethnic Origin of the Druze” ـ Jihan Farhoud (2021)، يناقش عدة وجهات نظر حول الأصول الإثنية للدروز،sciencepg.com
[6] آل مَعن الذين ينتمي إليهم الأمير فخر الدين المعني الثاني كانوا من الحزب القيسي. وقد تجدد هذا الصراع في لبنان في عهده، وكان خصومه الرئيسيون، من الحزب اليمني.
[7] أن فخر الدين كان من آل معن القيسيين (حسب أكثر المصادر)، ما يوضح الاستمرار البنيوي في الانقسام القيسي-اليمني حتى في مشروعه التوحيدي.
[8] انظر خير الدين الزركلي، الأعلام؛ وكمال الصليبي، تاريخ لبنان الحديث؛ ونجاة أبو عزالدين، الدروز في التاريخ.
[9] كمال الصليبي، تاريخ لبنان الحديث، دار النهار، 1988 يوضح كيف أسس الشهابيون “نمط الحكم الطائفي الأول” في الجبل، وكيف تحوّل بشير الثاني إلى حليف استراتيجي للموارنة والفرنسيين.
[10] الثأر ليس فعلاً قبلياً فقط، بل هو فشلٌ أخلاقي في بناء العدالة، تمامًا كما الحرب فشلٌ سياسي في بناء السلام.
[11] يقصد بها الحملة التي نُفذت بين 13 و17 تموز 2025 على قرى جبل العرب، بمشاركة وحدات من الجيش وقوى الأمن ومجموعات عشائرية متحالفة مع السلطة المركزية في دمشق، ووصفها أهالي الجبل بأنها غزوة بربرية ذات طابع قبلي.
[12] قرى السويداء يرمز إليها تاريخيًا بالانتماء اليمني، من حيث القيم المدنية والتمسك بالحرية.
[13] الربط الرمزي بين مركزية اليمنية وهجمات مركز الدولة هو تفسير تحليلي يُطرح اليوم في سياقات سياسية متعددة، لكن لا يوجد دليل موثوق يقول صراحة إن “احتجاجًا يمنياً” هو الدافع المباشر للهجوم على السويداء.
[14] راجع: يوسف الحكيم، سورية والانتداب الفرنسي؛ أحمد سامي الدروبي، جبل الدروز في التاريخ الحديث، محمد كرد علي، خطط الشام.
الأستاذ الدكتور سليم إبراهيم الحَسَنيّة، خبير في علوم الإدارة، متقاعد من جامعة دمشق، محاضر في الجامعة السورية الافتراضية.
