حسين الإبراهيم
كاتب وصحفي
البيئة تصنع الفكر، والفكر يصنع المستقبل، فمنذ فجر التاريخ، لم يكن الإنسان كائناً معزولاً عن بيئته الاجتماعية والفكرية. بل إن طريقة عيشه، ونوع عمله، وحتى علاقته بالطبيعة، كلها عوامل شكّلت رؤيته للعالم، كما أشار ابن خلدون في مقدمته الشهيرة: “إن اختلاف الأجيال في أحوالهم إنما هو باختلاف نحلتهم من المعاش (أساليب الكسب والعيش)”. فالثقافة ليست أفكاراً عابرة، بل هي انعكاس مباشر لمهام الإنسان في بيئته.
تتجلى في عمق العلاقة بين الإنسان ومحيطه، حقيقة لا يمكن إنكارها: البيئة تصنع الفكر. فالإنسان ابن بيئته، يتشكل وعيه من تفاصيلها، ويتلون إدراكه بألوانها. من اللغة التي يسمعها، إلى القيم التي يتربى عليها، إلى التحديات التي يواجهها—كلها تصوغ طريقته في التفكير، وتحدد رؤيته للعالم.
في بيئة يسودها السلام، ينمو الفكر متزناً، متطلعاً إلى البناء والإبداع. أما في بيئة مضطربة، فإن الفكر قد يتجه إلى النجاة أولاً، ثم إلى التغيير لاحقاً. البيئة ليست مجرد مكان، بل هي منظومة من المؤثرات: الأسرة، المدرسة، الإعلام، وحتى الشارع. كل هذه العناصر تساهم في تشكيل عقل الإنسان، وتحديد نوع الأسئلة التي يطرحها، والآفاق التي يتخيلها.
لكن الفكر لا يبقى أسيراً للبيئة. فحين يتبلور، يصبح قوة فاعلة قادرة على صناعة المستقبل. الفكر هو الذي يحوّل الأحلام إلى خطط، والخطط إلى واقع. هو الذي يبتكر الحلول، ويقود المجتمعات نحو التقدم أو التراجع. فكرٌ حرٌّ ناضج يمكنه أن ينهض بأمة، وفكرٌ جامد قد يجرّها إلى الخلف.
إنها دائرة متصلة: بيئة تصنع فكراً، وفكر يصنع مستقبلاً، ومستقبل يعيد تشكيل البيئة. ولهذا، فإن الاستثمار في بيئة صحية، ثقافياً، تعليمياً، واقتصادياً. هو استثمار في فكر ناضج، وفي مستقبل مشرق.
البيئة الفكرية والاجتماعية: محددات الرؤية تجاه التغيير
1. بيئة الصيد وقطف الثمار: فكر اتكالي
في المجتمعات البدائية التي اعتمدت على قطف الثمار والصيد، نشأ فكر اتكالي يرى الطبيعة كأم معطاءة. هذه الرؤية عززت ثقافة السكون والرضا، حيث العالم مكان ثابت يمكن الوثوق به دون الحاجة لتغييره. يقول الأنثروبولوجي “مارفن هاريس” في كتابه “الثقافة والمادية”: “البيئة تحدد الإطار العام للفكر، وتضع حدوداً لما يمكن تصوره أو تغييره“.
2. بيئة الرعي: التكيف مع الدورات الطبيعية
أما في بيئات الرعي، حيث الاعتماد على تقلبات السماء والمطر، نشأت ثقافة تؤمن بالدورات الطبيعية والتكيف معها. هنا، يصبح الإنسان مراقباً للطبيعة لا محاولاً لتغييرها، ويغلب على الفكر طابع روحي يقدّس الاستمرارية والدورة.
3. بيئة الزراعة التقليدية: جدلية الفعل والقدر
في المجتمعات الزراعية، حيث الجهد والمخاطرة، تبلورت نظرة مزدوجة: الإنسان فاعل، لكنه ليس المتحكم الوحيد. هنا يظهر الإيمان بالاجتهاد إلى جانب الإيمان بالحظ والقدر، كما أشار مالك بن نبي في “شروط النهضة” إلى أن “الإنسان في البيئة الزراعية يكتسب وعياً بالزمن، لكنه لا يزال أسيراً لإرادة الطبيعة”.
الفكر السكوني والفكر الديناميكي… النشأة
ينشأ الفكر السكوني غالباً في بيئات يغيب عنها التحدي، أو تسودها سلطات معرفية مطلقة لا تسمح بالمراجعة أو النقد. إنه فكر يقدّس النماذج القائمة، ويخشى الخروج عنها. وكما أشار ابن خلدون، فإن “المغلوب مولع دائماً بتقليد الغالب”، ما يعني أن الفكر السكوني قد يكون أحياناً استجابة نفسية للهزيمة، حيث يتبنى المجتمع أفكاراً لا عن قناعة، بل عن شعور بالدونية أو العجز عن الإبداع.
هذا النوع من الفكر لا يطرح أسئلة، بل يكرر إجابات قديمة على مشكلات جديدة. وهو ما حذّر منه مالك بن نبي حين اعتبر أن “الجمود الفكري هو العائق الأكبر أمام النهضة“، لأن المجتمع الذي لا يملك “قابلية للأفكار” لا يمكنه أن يغيّر واقعه أو يستشرف مستقبله.
*الفكر الديناميكي: الثورة على المألوف
أما الفكر الديناميكي، فهو وليد الأزمات والتحديات. إنه لا ينبثق إلا حين تعجز النماذج القديمة عن تفسير الواقع الجديد. كما أوضح توماس كون في كتابه “بنية الثورات العلمية“، فإن التحولات الفكرية الكبرى لا تحدث تدريجياً، بل عبر “ثورات” معرفية تطيح بالنماذج السائدة وتؤسس لرؤية جديدة“.
لا يكتفي الفكر الديناميكي بالتكيف، بل يسعى إلى إعادة تشكيل الواقع. ينبع من بيئة تسمح بالتساؤل، وتحتضن التجريب، وتقبل الفشل كجزء من مسار التعلم. إنه فكر لا يرى في الثبات فضيلة، بل يرى في الحركة دليلاً على الحياة.
* بين الجمود والحركة: أي مستقبل نختار؟
إن المجتمعات التي تسجن نفسها في فكر سكوني، مهما بلغت من ثراء مادي أو تراث حضاري، ستجد نفسها عاجزة عن مواكبة العصر. أما المجتمعات التي تتبنى فكراً ديناميكياً، فإنها تملك مفاتيح التقدم، لأنها لا تخشى أن تعيد النظر في المسلّمات، ولا تتردد في خوض مغامرة التغيير.
في النهاية، ليس الفكر مجرد انعكاس للواقع، بل أداة لتغييره. والسؤال الذي يواجه كل أمة هو: هل نريد أن نكون أسرى الماضي، أم صُنّاع المستقبل؟

تجارب عالمية
لفهم التحول من الجمود إلى الإبداع، يمكننا النظر في تجارب تاريخية بارزة تُجسد كيف أن تغير البيئة الفكرية والاجتماعية كان شرطاً ضرورياً للنهضة والتقدم.
* الثورة الصناعية في أوروبا: حين تحرر العقل من سلطة التقليد
قبل الثورة الصناعية، كانت أوروبا تعيش في ظل فكر سكوني يعتمد على التقاليد الإقطاعية والسلطة الدينية المطلقة. لكن مع عصر التنوير، بدأ الفكر الأوروبي يتحول:
*البيئة الفكرية تغيرت: ظهرت أفكار مثل العقلانية، والحرية، والتجريب العلمي، كما في أعمال ديكارت وبيكون ونيوتن.
- البيئة الاجتماعية تطورت: نشأت طبقة وسطى متعلمة، وبدأت المدن تنمو، وظهرت الحاجة إلى حلول جديدة لمشكلات الإنتاج والنقل.
- النتيجة: انطلقت الثورة الصناعية، مدفوعة بفكر ديناميكي يرى في الطبيعة شيئاً يمكن فهمه وتطويعه، لا مجرد قدر محتوم.
كما أشار توماس كون، فإن هذا التحول لم يكن مجرد تطور تدريجي، بل كان “ثورة معرفية” أطاحت بالنموذج القديم، وفتحت الباب أمام نماذج جديدة في العلم والاقتصاد.
- اليابان في عصر ميجي: من العزلة إلى الريادة
كانت اليابان في منتصف القرن التاسع عشر مثالاً للفكر السكوني: مجتمع زراعي مغلق، متمسك بتقاليد الساموراي، ومعزول عن العالم. لكن مع بداية عصر ميجي (1868)، حدث تحول جذري:
- البيئة الفكرية أعيد تشكيلها: قررت النخبة الحاكمة أن تتعلم من الغرب، فأرسلت البعثات، وترجمت الكتب، وأعادت بناء النظام التعليمي.
- البيئة الاجتماعية تغيرت: أُلغي النظام الإقطاعي، وبدأت طبقات جديدة تظهر، وبدأت المرأة تدخل التعليم والعمل.
- النتيجة: خلال عقود قليلة، أصبحت اليابان قوة صناعية وعسكرية، بفضل فكر ديناميكي تبنّى التغيير بدلاً من مقاومته.
وهنا يتجلى ما قاله مالك بن نبي: “قابلية المجتمع للأفكار” هي مفتاح النهضة. فاليابان لم تنقل التكنولوجيا فقط، بل نقلت المنهج الفكري الذي يقف وراءها.
- خلاصة: الفكر الديناميكي لا يولد من فراغ
كل تجربة نهضوية تبدأ من إعادة تشكيل البيئة الفكرية. لا يمكن لمجتمع أن ينهض وهو يكرر نفس الأفكار التي صنعت تخلفه. وكما قال ابن خلدون، فإن التغيير الحقيقي لا يكون في المظاهر، بل في الأنماط الذهنية التي تحكم السلوك.
انتقال الفرد والمجتمع من الفكر السكوني إلى الديناميكي
الانتقال من الفكر السكوني إلى الفكر الديناميكي هو عملية معقدة لكنها ضرورية لأي مجتمع يسعى للنهوض والتجدد، وخاصة في السياق السوري الذي يواجه تحديات عميقة على المستويات الفكرية والاجتماعية والسياسية. هذا التحول لا يتم تلقائياً، بل يتطلب تفعيل مجموعة من العناصر المعرفية والعملية القابلة للتطبيق في الواقع السوري، ويمكن تلخيصها في المحاور التالية:
1. إصلاح التعليم وتبني التعلم الديناميكي
- تطوير المناهج الدراسية: يجب أن تركز المناهج على مهارات التفكير النقدي، وحل المشكلات، والتعلم القائم على المشاريع، بدلاً من الحفظ والتلقين، مما يخلق جيلاً قادراً على التفكير الديناميكي والتكيف مع المتغيرات.
- تدريب المعلمين: إعداد المعلمين ليكونوا محفزين على الإبداع والنقاش الحر، ومشجعين للطلاب على طرح الأسئلة وبناء الأفكار الجديدة.
- تعزيز المهارات الحياتية: مثل مهارات التواصل، والعمل الجماعي، واتخاذ القرار، وهي ضرورية لبناء شخصية ديناميكية قادرة على التغيير.
2. بناء ثقافة الحوار والانفتاح
- تشجيع النقاشات المجتمعية: إقامة منتديات وورش عمل وفعاليات ثقافية تتيح للأفراد التعبير عن آرائهم بحرية، وتعلم الاستماع للآخر وتقبل الاختلاف.
- ترسيخ قيم التسامح والتعددية: تجاوز الانقسامات الطائفية والإثنية عبر برامج تربوية وإعلامية تبرز أهمية التنوع السوري كعنصر قوة لا ضعف.
3. تمكين الشباب والمرأة
- برامج التدريب المهني وريادة الأعمال: الاستثمار في الشباب عبر برامج عملية تؤهلهم لسوق العمل الجديد، وتمنحهم الأدوات للمبادرة والابتكار.
- دعم مشاركة المرأة في صنع القرار: تعزيز حضور المرأة في المؤسسات السياسية والاجتماعية، كما أثبتت تجارب الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، ما يوسع قاعدة الفكر الديناميكي ويعزز العدالة الاجتماعية.
4. إصلاح المؤسسات وبناء الثقة
- دمقرطة المؤسسات: اعتماد الشفافية والمساءلة في العمل المؤسسي، وإشراك المواطنين في اتخاذ القرار، ما يخلق بيئة مشجعة على التغيير.
- إطلاق مبادرات المصالحة الوطنية: الاستفادة من تجارب جنوب أفريقيا والبوسنة في تشكيل لجان الحقيقة والمصالحة، ما يساعد على تجاوز الماضي وبناء مستقبل مشترك قائم على العدالة والاعتراف بالأخطاء.
5. تطوير الإعلام والمحتوى الثقافي
- إنتاج محتوى إعلامي هادف: دعم وسائل الإعلام المستقلة التي تروج لثقافة النقد والتجديد، وتسلط الضوء على قصص النجاح والتغيير في المجتمع السوري.
- تشجيع الفنون والإبداع: الفنون وسيلة فعالة لتحفيز التفكير الديناميكي، إذ تفتح آفاق الخيال وتكسر القوالب الجامدة.
6. مأسسة الأفكار وتحويلها إلى أفعال
- دعم المبادرات المجتمعية: تشجيع الأفراد والجماعات على تحويل أفكارهم إلى مشاريع واقعية تخدم المجتمع، مع توفير الدعم المالي والاستشاري اللازم.
- تعزيز ثقافة المسؤولية الفردية والجماعية: غرس قناعة أن التغيير يبدأ من الذات، وأن لكل فرد دوراً في بناء المستقبل، بعيداً عن الاتكالية وانتظار الحلول من الخارج.
في السياق السوري، يمكن تطبيق هذه العناصر عملياً عبر:
- إطلاق حملات توعية شعبية حول أهمية التغيير والفكر الديناميكي.
- تأسيس مراكز تدريب مهني وريادي في المدن والأرياف، خاصة لفئة الشباب العاطلين عن العمل.
- دعم مشاريع الإدارة الذاتية المحلية التي أثبتت نجاحها في بعض المناطق، وتعميم التجربة بما يضمن مشاركة جميع المكونات المجتمعية.
- تعزيز التعاون بين منظمات المجتمع المدني والمؤسسات التعليمية والإعلامية لنشر ثقافة الحوار والتسامح.
- الاستفادة من الكفاءات السورية في الداخل والمهجر لنقل الخبرات والمعارف الحديثة إلى المجتمع السوري.
بهذه الخطوات، يمكن للفرد والمجتمع السوريين أن يتحرروا من أسر الفكر السكوني، وينتقلوا تدريجياً إلى ديناميكية فكرية تتيح لهم مواكبة التحولات، وصناعة مستقبل أكثر عدالة وازدهاراً.
البيئة الفكرية تحول النظرة للتغيير
1. إعادة تعريف التغيير في الوعي الجمعي
تلعب البيئة الفكرية التي تحيط بالمواطن: العائلة، المدرسة، وسائل الإعلام، الأصدقاء دورًا حاسمًا في تشكيل مفهومك للتغيير. إذا كانت هذه البيئة تروج لفكرة أن التغيير خطر أو عبء، ستنشأ لديك نزعة سكونية تخشى كل جديد. أما إذا كانت البيئة تحتفي بالتجديد وتقدم نماذج ناجحة للتغيير، ستبدأ تدريجيًا في رؤية التغيير كفرصة للنمو والتطور.
مثال تطبيقي:
في بيئة مدرسية تشجع على التجربة والخطأ وتكافئ الإبداع، سيتغير موقفك من الخوف من الفشل إلى تقبل المخاطرة والتعلم من الأخطاء.
2. تشجيع التساؤل والنقد الذاتي
البيئة الفكرية الديناميكية تدفعك إلى التساؤل عن المسلّمات وعدم الاكتفاء بالإجابات الجاهزة. هذا النقد الذاتي هو مفتاح الانتقال من الجمود إلى الحركة، لأنه يحررك من قيود العادة والتقليد.
كيف تطبق ذلك؟
- شارك في مجموعات نقاش أو نوادٍ فكرية.
- اقرأ كتبًا وأفكارًا من خارج دائرتك المعتادة.
- درّب نفسك على طرح سؤال “لماذا؟” باستمرار.
3. تقديم نماذج ملهمة وقصص نجاح
عندما تعرض البيئة الفكرية أمامك قصص أشخاص أو مجتمعات نجحوا في التغيير، يصبح التغيير أكثر واقعية وأقل تخويفًا. تبدأ في رؤية أن التغيير ليس مستحيلاً، بل هو مسار يمكن السير فيه.
مثال سوري:
قصص شباب سوريين أطلقوا مشاريع ريادية أو مبادرات مجتمعية رغم الأوضاع الصعبة، تلهمك بأن التغيير ممكن حتى في أصعب الظروف.
4. توفير مساحة للتجربة والخطأ
البيئة الفكرية الديناميكية لا تعاقب على الفشل، بل تعتبره جزءًا من عملية التعلم. هذا يشجعك على المبادرة وعدم الخوف من التجربة، ويحول نظرتك للتغيير من تهديد إلى فرصة.
نصيحة عملية:
ابحث عن بيئات عمل أو تعلم تدعم التجريب، أو أنشئ مع أصدقائك مساحة آمنة لتجربة أفكار جديدة دون خوف من اللوم.
5. تعزيز قيم المرونة والتكيف
حين تروج البيئة الفكرية لقيم مثل المرونة والانفتاح على الجديد، ستتعلم أن التغيير ليس نهاية العالم بل بداية لفرص جديدة. هذا التحول في القيم ينعكس مباشرة على سلوكك ومواقفك.
كيف تترسخ هذه القيم؟
- شارك في ورش عمل أو تدريبات حول إدارة التغيير.
- تابع محتوى إعلامي أو ثقافي يبرز أهمية التكيف مع المتغيرات.
6. إعادة بناء العلاقة مع الفشل
في الفكر الديناميكي، يُنظر للفشل كخطوة نحو النجاح وليس كوصمة. البيئة الفكرية التي تروج لهذه الفكرة تساعدك على خوض تجارب جديدة دون خوف، مما يفتح أمامك أبواب التغيير.
خاتمة: نحو موقف نقدي من التغيير
التغيير الاجتماعي ليس حدثاً عابراً أو خياراً ثانوياً، بل هو حقيقة دائمة وملازمة لمسيرة المجتمعات البشرية. إن فهمنا للعلاقة بين البيئة الفكرية والاجتماعية والتغيير يمنحنا القدرة على قراءة الماضي بوعي، وتحليل الحاضر بعمق، واستشراف المستقبل بقدر أكبر من المسؤولية والفاعلية. فالنظريات الاجتماعية، كما يؤكد علماء الاجتماع، ليست مجرد أدوات أكاديمية، بل هي وسائل عملية لفك رموز التحولات المستمرة التي تعيد تشكيل مجتمعاتنا وحياتنا.
في هذا السياق، يصبح الانتقال من الفكر السكوني إلى الفكر الديناميكي ضرورة وجودية، خاصة في مجتمعات تواجه تحديات معقدة كالمجتمع السوري. فالفكر السكوني، الذي يرضى بالواقع ويخشى التغيير، قد يؤدي إلى جمود اجتماعي وركود حضاري، بينما يفتح الفكر الديناميكي الباب أمام التجديد والابتكار وتجاوز الأزمات. غير أن هذا التحول لا يتم بمعزل عن السياق الاجتماعي والثقافي؛ فالفكر ليس قوة مستقلة تفرض نفسها على الواقع، بل هو في تفاعل دائم مع العوامل الاقتصادية والسياسية والنفسية المحيطة.
إن التغيير الفعلي يتطلب وعياً نقدياً بالتناقضات القائمة في المجتمع، وشجاعة في مواجهة هذه التناقضات والسعي لحلها، كما أن التجارب التاريخية تثبت أن المجتمعات التي استطاعت تجاوز التناقضات البنيوية في أفكارها وقيمها وسلوكها، هي وحدها التي حققت قفزات نوعية في مسارها الحضاري. ولهذا، فإن بناء ثقافة ديناميكية في المجتمع السوري يحتاج إلى إصلاحات عميقة في التعليم، وتكريس ثقافة الحوار، وتمكين الفئات الشابة والنساء، وتطوير مؤسسات المجتمع المدني، وتبني سياسات تشجع على الابتكار والمبادرة.
كما أن استيعاب القوى المحركة للتغيير ـ من تكنولوجيا واقتصاد وسياسة وثقافة ـ يساعد الأفراد والجماعات على تحديد نقاط التأثير الممكنة وتطوير استراتيجيات فعالة لإحداث التغيير المنشود أو مقاومة التغيير غير المرغوب فيه. إن هذا الفهم لا يقتصر على النخب أو صناع القرار، بل هو مسؤولية كل فرد يرغب في أن يكون فاعلاً في مجتمعه، لا مجرد متفرج على حركة التاريخ.
في النهاية، إن التغيير ليس قدراً مفروضاً ولا مغامرة عشوائية، بل هو عملية واعية تتطلب فهماً عميقاً للواقع، وإرادة جماعية لتجاوز السكون، وجرأة على صناعة المستقبل. فالمجتمع الذي يعي ديناميكية التغيير، ويستثمر في رأس ماله البشري والفكري، هو وحده القادر على تحويل تحدياته إلى فرص، وأحلامه إلى واقع ملموس.
المراجع:
- ابن خلدون، المقدمة.
- مالك بن نبي، شروط النهضة.
- توماس كون، بنية الثورات العلمية.
- مارفن هاريس، الثقافة والمادية.
