الدكتور مهيب صالحة
أكاديمي وباحث في الاقتصاد
اللامركزية الإدارية تنظيم إداري يقوم على مشاركة المواطنين في إدارة حياتهم، يجسد حكم الأكثرية الذي يتيح الفرص لممارسات ديمقراطية محلية تثري تدريجياً التجربة الديمقراطية عموماً وتعمقها، وتجذرها في المجتمع والدولة وترسيها في العلاقات السياسية البينية. قد يبدو أن اللامركزية نقيض المركزية لكن لا تلغيها إنما هي الشكل الأكثر حداثة ومرونة في إدارة المجتمعات إلى جانب المركزية ، فكلاهما يكملان بعضهما البعض ، فمعظم الدول المركزية صارت تميل إلى اللامركزية الإدارية ، حتى أن الدول الفيدرالية كالاتحاد الروسي والولايات المتحدة الأمريكية التي هي عمليا مركزية في معظم الأمور وخاصة السياسية والعسكرية والأمنية والاستراتيجية والعلاقات الدولية والسياسات الاقتصادية ، صارت أقرب في القضايا الإدارية والتنموية والخصوصيات المحلية إلى اللامركزية الإدارية ، التي تعرف بأنها توزيع السلطة الإدارية بين الأفراد والمستويات الإدارية في المنظمة أو الدولة . ومن مزاياها :
أولاً – المزايا السياسية :
1- عدم التفرد والاستئثار بالسلطة1-
2- تؤمن المشاركة السياسية الواسعة .
3- تمتن الوحدة الوطنية في المجتمع التعددي .
4- تنمي الوعي المجتمعي تجاه الديمقراطية وتعزز الخبرة العملانية في ممارسة الديمقراطية .
5- تولد الحاجة إلى منظمات المجتمع المدني وتعمل على تنمية العلاقات المجتمعية المدنية وروح التعاون والتكافل في المجتمع المحلي .
ثانياً – المزايا الاجتماعية :
1- تنمي الوعي المجتمعي لدى الأفراد .
2- تعزز مساهمة المجتمع المحلي في تنمية وطنية متوازنة .
3- تنمي روح المسؤولية لدى سكان المناطق للتصدي للمشكلات المحلية .
4- تقوي العلاقات البينية بين المحافظات والمناطق على أساس تعزيز الروح الوطنية وتنمية مواطنة حقيقية بعيداً عن أية اصطفافات أثنية ودينية وطائفية وقبلية ..
5- تعزز الثقافات المحلية وتصون الخصوصيات الجمعية في إطار هوية وطنية جامعة .
ثالثاً – المزايا الإدارية :
1- تعمل على تخفيف الأعباء عن المركز .
2- تساهم في سرعة إنجاز المهام وتحقيق الكفاءة الإدارية والإنتاجية والخدمية .
3- تسهل التنسيق بين المركز والمناطق .
4- تقوم بتحفيز وتدريب العاملين في المجتمع المحلي من خلال مشاركتهم بعملية اتخاذ القرار.
5- تنمي هوية اقتصادية تراعي فلسفة المجتمع الاقتصادية وقدراته وموارده وإمكاناته ، وتطلق المبادرات الفردية والجمعية وتحفيزها .
تشترط اللامركزية الإدارية وجود فلسفة سياسية تؤمن بالمشاركة الواسعة للشعب في إدارة شؤونه ، ووجود ضرورة مجتمعية ناجمة عن حالة التعددية الأثنية والدينية والثقافية ، مع وعي جمعي لأهميتها بديلاً عن أية خيارات قد تنسف وحدة البلاد وترمي بها في المجهول . إن اعتماد نظام يقوم على لامركزية إدارية في دولة مؤسسات وسيادة القانون واقتصاد حر تنافسي يراعي احتياجات المجتمع ، يفتح آفاقاً جديدة تعمل على إثراء التجربة من كافة النواحي .
إن بنية المجتمع السوري القائمة على التعدد والتنوع والاختلاف تفترض بعد صراع مرير قيام دولة موحدة تعكس هذه الميزة النسبية للمجتمع السوري . وهذا الخيار الوطني صار ضرورة ملحة للخروج من حالة الاستعصاء وفك الارتباط بالخارج الذي لم تبق دولة فيه إلا وتتدخل في الحالة السورية الراهنة تنفيذاً لمصالحها وأجنداتها . ويتمثل هذا الخيار بدولة ديمقراطية تعددية مع لامركزية إدارية تراعي خصوصيات المجتمع السوري التعددي في إطار جدلية الوحدة / التنوع . ولأن النظام الديمقراطي يشترط وجود مواطنة حقيقية وحريات دستورية وتنمية متوازنة فإن نجاحه مرهون بوجود تقسيم أو توزيع إداري مناطقي مرن يراعي أهداف القانون 107 لسنة 2011 واستراتيجيته ( اللامركزية ) ، الذي يمكن أن يكون مادة لحوار وطني ( كفاءات واختصاصيين ) ينتج عنه توافق عام حول السلطات الإدارية والتنموية الممنوحة للتقسيمات الإدارية ، التي تحتاج إلى إعادة هيكلة في مرحلة ما بعد الصراع ، تساعد على تطوير نظام سياسي رشيد ومحوكم ينتمي إلى هذا العصر . أقترح تقسيم إداري من مستويين :
المستوى الأعلى : تقسيم البلاد إلى أقاليم أو مناطق كبيرة يعكس كل منها حالة التعددية المجتمعية والثقافية بما يتيح ترسيخ وتطوير مفهوم المواطنة في إطار الدولة الموحدة :
– دمشق الكبرى ( العاصمة )
– ريف دمشق ( ريف دمشق ومحافظة القنيطرة )
– منطقة حلب وريفها
– منطقة حوران ( السويداء ودرعا )
– منطقة العاصي ( حمص وحماه )
– المنطقة الساحلية ( اللاذقية وطرطوس وإدلب )
– منطقة الجزيرة ( دير الزور والرقة والحسكة )
المستوى الأدنى : تقسيم كل منطقة أو إقليم إلى محافظات وكل محافظة إلى أقضية ونواحي .
كل منطقة من المناطق السبع تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الإداري والمالي اللذين ينظمهما قانون خاص بالإدارة اللامركزية وسائر القوانين المرعية التي تنظم العلاقة بين المناطق والحكومة المركزية ولا تتعارض مع أحكامه ، على أن تقر اللامركزية الإدارية الموسعة كمبدأ دستوري حصين ، وتدار كل منطقة ( إقليم ) من خلال جمعية وطنية منتخبة بموجب قانون انتخاب ملائم تتكون من مجلسين :
مجلس الإقليم ينتخب على قاعدة النسبية، ومن مجالس الأقاليم السبعة يتكون البرلمان السوري (السلطة التشريعية)، الذي ينتخب رئيس الجمهورية ويمنح الثقة لحكومته ولحاكم البنك المركزي رئيس السلطة النقدية .
مجلس المحافظة ينتخب على قاعدة الفردية ويمثل جميع الأقضية والنواحي ويتمتع بالسلطات التنفيذية المحلية في نطاق المحافظة .
هذا الشكل الإداري اللامركزي ربما يكون الأكثر استنسابا للحالة السورية الحرجة بعد أن حطمت الحكومة الانتقالية المؤقتة كل جسور الثقة مع مكونات مهمة للمجتمع السوري تهدد بتشقيف البلاد والتحاق كل (شقفة) بدولة خارجية ، وذلك بسبب لجوءها للعنف في معالجة مشكلات وخلافات سياسية بعناوين طائفية إلغائية راح ضحيتها الآلاف من المدنيين العزل ، وتفردها في الحكم ، وتماديها في مركزية شديدة الوطأة تتناقض مع طبيعة المجتمع السوري التعددي وتنذر بإعادة تركيز الثروة على النمط القديم ، وتلكؤها في تحقيق العدالة الانتقالية ، وتهربها من إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس حداثوية .
إن الذهاب إلى خيارات وطنية تنسجم مع البيئة السياسية السورية وتراعي خصوصيات المجتمع السوري المركب ، تبدأ أول ما تبدأ ، باعتذار الرئيس المؤقت وحكومته المؤقتة لذوي الشهداء من مجازر الساحل والسويداء ومن مجازر النظام البائد والجماعات المسلحة في عموم سوريا كونه أول رئيس بعد رحيل الطاغية ومنظومته الفاسدة ، والتعهد بجبر الضرر ومداواة الجراح ، وإعادة المهجرين قسراً في محافظة السويداء إلى قراهم بعد جعلها صالحة للحياة ، ومعاقبة المسؤولين عن المجازر ومن تثبت إدانته بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة جماعية منذ آذار ٢٠١١ ولغاية تاريخه . وإعطاء الأولوية في عملية إعادة الإعمار لعودة النازحين واللاجئين إلى بلداتهم وبيوتهم وليس لمشاريع تفاخرية تستنفذ الطاقات والإمكانات .
إن إطلاق مسار حقيقي للعدالة الانتقالية والمشاركة الوطنية ، واعتراف الحكومة بالمسؤولية القانونية والأخلاقية عما آلت إليه البلاد من انقسامات وصراعات حادة ، قد يعيد بناء جسور الثقة التي تحطمت ، ويفسح المجال لوضع البلد على سكة المصالحة والمسامحة والانطلاق نحو مستقبل زاهر يرنو إليه جميع السوريين . فيما عدا ذلك يصح اعتبار الحكومة الانتقالية المؤقتة متواطئة مع من يريد تشقيف سوريا خدمة لأجندات خارجية .
