“بياض الروح في زمن الجرح”

معين العماطوري
معين العماطوري

المحامي عامر الخطيب

يعمل القسم الصحي في دار الطائفة لمشيخة عقل طائفة المسلمين الموحدين الدروز بالسويداء، ليكون حقا أيادي تطور وتزرع أمل الحياة ضمن المركز الصحي في دار الموحدين الدروز الهاف إلى ربط العلاقة الإنسانية والاجتماعية والعلمية الطبية بالمجتمع، من خلال تأمين ثلاثة ركائز التشخيص الأمثل، والعلاج الأنجع، والدواء الشافي، ليشكل رؤية في توحيد العمل التوافقي بتنظيم قاعدة بيانات هي الأولى من نوعها في تاريخ العمل الإنساني التطوعي يمكن العودة إليها بأي وقت.

الأمل المستمر:

يسطع الضوء من أماكن دافئة في هذا العالم … أماكن لا تُقاس بمساحتها ولا بعدد طوابقها، بل بما تحمله من روح وما تبثّه من دفء إنساني يتجاوز كل حساب مادي أو معادلة اقتصادية باردة، وفي قلب مدينة السويداء، تلك المدينة التي علّمتها الجبال معنى الصمود والكرامة والعطاء منذ فجر التاريخ. يقف المركز الصحي في دار الموحدين الدروز شامخاً كشجرة سنديان أصيلة، تمتد جذورها عميقاً في تربة القيم الإنسانية، وتمدّ أغصانها ظلاً وارفاً لكل محتاج وكل مريض وكل عائلة وجدت نفسها عارية أمام قسوة الظروف ومرارة الزمن الصعب.

ليس هذا المركز مجرد مبنى تُقرأ فيه وصفات طبية وتُعطى فيه أقراص وأشربة، بل هو فضاء من نوع مختلف تماماً، يشبه تلك اللوحات الكبرى التي تحتاج إلى تأمل طويل ووقفة صادقة لاستيعاب عمق ما فيها من معنى وجمال، إنه تجسيد حي وملموس لذلك المفهوم الذي طالما آمن به الموحدون الدروز منذ أمدٍ بعيد، مفهوم التكافل الاجتماعي (حفظ الإخوان) الذي لا يُستدعى في الخطب والمناسبات فحسب، بل يُعاش يومياً في تفاصيل صغيرة تصنع مجتمعةً صرحاً إنسانياً بالغ الأثر والدلالة.

– حين يصبح التطوع فناً:

ما الذي يجعل طبيباً اختاره الزمن ليحمل شهادته بعد سنوات من الدرس والجهد والتضحية، أن يُعيد اختيار نفسه مرة أخرى، فيُقدّم علمه وخبرته ووقته مجاناً لمن لا يستطيع أن يدفع؟ وما الذي يحمل ممرضة أو ممرضاً في ساعات الإرهاق والشُح والضيق، أن يمنح ابتسامته وحنوه ومهارته لمريض لا يعرفه ولا يربطه به سوى رابطة الإنسانية المشتركة؟

هذا السؤال تجيب عنه يومياً عشرات الأيدي المتطوعة التي تُشكّل النسيج الحي للمركز الصحي في دار الموحدين (الذي تأسس بقرار من مقام مشيخة العقل) عشرات الأطباء في معظم الاختصاصات الطبية الجوهرية، وممرضون وممرضات بعشرات الوجوه المضيئة، وإدارة تُسيّر هذا الحراك البشري الجميل بصمت المخلصين الذين لا يبحثون عن تصفيق ولا يتطلعون إلى ثناء، بل يجدون في رضا المريض الخارج وقد خفّ عنه بعض ثقله كل الجائزة التي يبتغونها ويعتزون بها.

والخدمات المُقدَّمة هنا مجانية تماماً، والأدوية كذلك تُوزَّع بلا مقابل على من احتاج إليها، في مشهد يكاد يكون خارج منطق هذا العصر الذي علّمنا أن لكل شيء ثمناً وأن الصحة سلعة كما باقي السلع. هنا، في هذا الركن المضيء من السويداء، ثمة من قرر أن يكسر هذه المعادلة ويقول بصوت الفعل لا الكلام … إن الإنسان أغلى من أي اعتبار آخر.

– في ظل الجرح السوري:

لا يمكن أن نقرأ هذا المركز بمعزل عن السياق الذي نشأ فيه ويعمل من خلاله، فالسويداء كسائر المدن والبلدات السورية، تجرّعت من كأس المحنة ما أذهل الألباب وأثقل الأرواح، والوضع الاقتصادي المتردي الذي يعيشه المواطن السوري اليوم يجعل الوصول إلى الرعاية الصحية الخاصة حلماً بعيد المنال لشريحة واسعة من الناس، ممن أنهكتهم سنوات من الشُح والغلاء وتهاوي العملة وتراجع كل مقومات الحياة الكريمة.

في مثل هذه الظروف المقلقة، حين يُحكم الضيق خناقه ويتراجع الأمل ويتردد الناس بين باب الطبيب وقوت يومهم، يأتي المركز الصحي في دار الموحدين ليكون ذلك الهواء النظيف في محيط مكتظ بالغبار، يأتي ليقول للمريض الذي يهاب كشف الطبيب وثمن الدواء … تعال، فلا حاجز هنا بينك وبين صحتك سوى باب يُفتح لك بترحاب ومحبة.

وهنا تتجلى القيمة الحضارية الكبرى لهذه المبادرة الإنسانية، ليس فقط في ما تقدّمه من خدمة صحية، بل في ما تبثّه من رسالة أخلاقية تقول … إن هذا المجتمع لم يفقد روحه ولم ينكسر ضميره، وإن فيه من لا يزال يؤمن بأن الإنسان أخو الإنسان في الفرح والألم سواء بسواء.

– التطلع نحو مركز أكثر حداثة:

الإخلاص في العطاء لا يكفيه الثناء وحده، بل يستحق أيضاً التفكير الجدي في أدوات تطوير تجعله أقدر على الإيفاء بمهمته في عالم متسارع التحولات، وإذا كانت الجودة الإنسانية للمركز لا تحتاج إلى تطوير لأنها راسخة متجذرة في نفوس القائمين عليه، ورعايتهم ومتابعتهم المستمرة من سماحة الشيخ يوسف جربوع، فإن البنية التشغيلية والإدارية تنتظر قفزة نوعية نحو العصر الرقمي، وفي ذلك أقترح ما يأتي:

أولاً – الرقمنة الشاملة للسجلات الطبية: إذ يُشكّل اعتماد برامج حوسبة الملفات الصحية للمراجعين خطوةً حاسمة نحو رعاية طبية أكثر تكاملاً ودقة، تُمكّن الطبيب من تتبع تاريخ المريض وتفادي التعارض بين الأدوية وتقديم الخدمة بصورة أسرع وأسلم.

ثانياً – منصة رقمية للحجز والاستشارات: بحيث يستطيع المراجع من بيته أو من قريته أن يحجز موعده مع الاختصاص الذي يحتاجه، دون إهدار وقته في الانتظار الطويل، مع إتاحة خاصية الاستشارة الطبية الإلكترونية عن بُعد لمن يجد في الوصول إلى المركز مشقة.

ثالثاً – بناء شبكة دعم ممنهجة: من خلال فتح قنوات تواصل منظمة مع الجمعيات الإنسانية المحلية والدولية والمغتربين الحريصين على دعم أهلهم، بما يضمن ديمومة تدفق الأدوية والمستلزمات الطبية وتنويع مصادر التمويل التطوعي.

رابعاً – برامج التوعية الصحية الرقمية: عبر إطلاق منصة إلكترونية أو حتى صفحة فاعلة على وسائل التواصل الاجتماعي تُقدّم محتوى توعوياً طبياً باللغة العربية يخدم أهل المنطقة ويرسّخ مكانة المركز بوصفه مرجعاً صحياً موثوقاً.

خامساً – التوثيق والأرشفة المؤسسية: إذ يستحق هذا النموذج الإنساني الفريد أن يُوثَّق بصورة احترافية عبر تقارير دورية وتوثيق مرئي يحفظ ذاكرة العطاء ويجعلها مرجعاً لمبادرات مشابهة في مناطق أخرى.

سادساً – برنامج تحفيزي للمتطوعين: ليس بالمال بالضرورة، بل بشهادات تقدير موثقة وتكريم دوري وتوثيق مساهماتهم في سجل مؤسسي يصون ذكراهم ويحفّز الآخرين على الانضمام.

ختاماً – الجمال لا يُرى إلا بالقلب:

في تلك اللوحات الكبرى التي تستوقف الناظر طويلاً، ثمة عنصر لا ترسمه الريشة ولا يُسمّيه النقاد عادةً، هو ذلك النور الداخلي الذي يُشعّ من العمل الصادق ويدفئ الروح قبل أن يُبهج العين، وما المركز الصحي في دار الموحدين إلا لوحة من هذا الطراز الرفيع، لوحة يرسمها يومياً عشرات الأطباء والممرضين والإداريين المتطوعين بالحب والمعرفة والإيمان بالإنسان، في زمن كثُرت فيه أسباب اليأس ونضبت فيه ينابيع الأمل في نفوس كثيرة.

هذا المركز يذكّرنا بأن المجتمعات لا تُقاس بما تملكه بل بما تُعطيه، وأن العظمة الحقيقية ليست في القصور والمناصب بل في تلك الأيدي الطيبة التي تمتد في الليل والنهار لتمسح جرحاً وتخفف ألماً وتُعيد إلى وجه إنسان مبتلى شيئاً من الأمل.

نستطيع القول إن ما قدمه القسم الصحي في ظل الاحتياجات الصحية التي تعرضت لها السويداء خلال عقد من الزمن، جعلت منه منارة وصول بين الفئات المجتمع ودار الطائفة القائمة على المأسسة التنظيمية الإدارية، والخبرات العلمية الطبية.

دام هذا العطاء، ودام هؤلاء المتطوعون النبلاء سلاحاً للحياة في وجه كل قسوة.

دامت قيمنا ودام جمالنا ودام وعينا.

شارك المقال
اترك تعليقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *