المحامي عامر الخطيب
يعتبر الخطاب الوسطي السلاح الذي يمكن من خلاله مواجهة التطرف الفكري والديني، خاصة وأن الفكر العربي والثقافة تحتاجان اليوم إلى رؤية معرفية ذات التنوع وتوحيد ذاك التنوع في الموقف، كذلك في مواجهة العولمة بما تحمل من تقنيات تستهدف هوية الفكر والمجتمع.
يتواجد اليوم في عمق الجبل صوتٌ لا يُسمع إلا لمن أصغى بقلبه قبل أذنيه، صوتٌ يتشكّل من تراكمات الحكمة والزمن ومن تلك اللحظة الفارقة (لحظة التجلي) التي يلتقي فيها النور الروحي بالوعي الإنساني ليُنتج معنىً أعمق من المعاني الجمال … هو الخطاب التوحيدي الوسطي المعتدل الجامع، الذي تستلهمه “اللجنة الدينية” في دار الموحدين الدروز بالسويداء، كأمانةٍ ثقيلة راسخة في الوجدان، وأيقونةٍ روحية تعكس ألوان الحكمة على جدران الواقع المضطرب.
أولاً – في أصل الرسالة وجوهر الأمانة:
المتأمل للمشهد الديني والاجتماعي في جبل العرب يُدرك أن دار الموحدين الدروز ليست مجرد مؤسسة دينية بالمفهوم الإداري الجامد، بل ذاكرة حية ومرجعية روحية وفضاء لحكمة متجذرة في الهوية الجمعية لأبناء التوحيد …
وقد تأسست اللجنة الدينية بقرار من “مقام مشيخة العقل” في هذه الدار تمثّل عقلها المُدبِّر وروحها المتيقظ، المنوط بها تقديم الخطاب التنويري بلغة العصر دون أن تفرّط في أصالة الموروث وعمق المبدأ وصفاء القيمة.
الموحدون الدروز … كما يعرفهم التاريخ ويُقرّر حقيقتهم العلم والتحقيق … ليسوا فئةً منفصلة عن جذور الإسلام الحنيف، بل هم امتداد روحي لتفسيرات التوحيد الأزلي في ضوء المنهج الفاطمي، محكومٌ بأصول قرآنية راسخة وقيم إنسانية ثابتة لا تقبل المساومة … يقول المولى عزّ وجلّ في كتابه الكريم ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وهذه الآية الجليلة هي روح روح الموحدين، ومن مقتضياتها تنبثق كل دعوتهم وكل رسالتهم وكل جهدهم في سبيل الاستقامة والتوحيد الخالص البعيد عن الشرك بكل أشكاله المادية والمعنوية.
ثانياً – الخطاب الوسطي … لونٌ لا يحتمل الإفراط ولا التفريط.
تماماً كما أن اللون الأخضر … في فلسفة الألوان … يحمل عناصر الوعي والثقة والخير والراحة والجمال ما دام محتفظاً بتوازنه بين الأصفر الدافئ والأزرق السامي، فإن الخطاب الديني الوسطي يحتفظ بقيمته وتأثيره ما دام متوازناً بين حرارة الإيمان وبرودة العقل، بين نار الغيرة على الحق وهدوء الاطمئنان إلى الله … واللجنة الدينية في دار الموحدين تُدرك هذا التوازن الدقيق وتسعى إليه بوعي عالٍ وحرص بالغ.
إن الوسطية ليست تخفيفاً للدين ولا مداهنةً للباطل، بل هي … كما أفهمها وكما يُقرّرها القرآن الكريم … موقفٌ إنساني حضاري راسخ يقول الله تعالى فيه ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ … فالشهادة على الناس لا تكون من موقع المتعصب الذي يرى الحقيقة حكراً عليه ولا من موقع المستسلم الذي تذروه الريح يمنة ويسرة، بل من موقع العارف الصادق المتوازن الذي يمتلك الحجة والبيّنة والسكينة في آنٍ واحد.
وهنا تبرز جهود اللجنة الدينية في تقديم خطاب يُقرأ في سياقه الزمني والمكاني والاجتماعي الصحيح، خطابٌ يستنير بمنهج الحكمة الشريفة ويسير في درب العقل المنير والقلب السليم، رافضاً الغلو الذي يُفسد الدين.
ثالثاً – الشائعات والتضليل … معركة اللجنة مع ظلام العصر.
يعيش العالم اليوم في ظل ما يمكن تسميته بـ” الفوضى المعلوماتية” حيث تتناثر الأكاذيب كأوراق الخريف في مهب الريح الرقمية، ويُعاد تشكيل الحقائق وتزوير الهويات بضغطة زر واحدة … والموحدون الدروز لم يكونوا بمنأى عن هذا الاستهداف المُبرمج، فقد طالتهم افتراءات مغرضة ادّعت أنهم خارج دائرة الإسلام أو أن عقيدتهم مجهولة المصدر أو أن ممارساتهم الروحية تنتمي إلى عالم الغموض المريب.
واللجنة الدينية في دار الموحدين تُواجه هذه الافتراءات بسلاح الحكمة المتعالية والحجة القرآنية والسند التاريخي الموثّق، مُستعيدةً الأصول الفاطمية ومُسنِدةً كل موقف إلى آيات بيّنات وروايات محققة … يقول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ … وهذه الآية الكريمة هي المنهج والبوصلة في مواجهة كل تضليل مغرض، ذلك أن التبيّن والتثبّت ليسا ترفاً فكرياً بل واجبٌ ديني وأخلاقي في آنٍ معاً.
ومن أبرز ما تُصحّحه اللجنة الدينية بالحجج والقرائن الموثّقة، هو ذلك الخلط المتعمد أو الجاهل بين المفهوم التوحيدي عند الموحدين وبين ما يروّجه بعض المغرضين من تصوير لهم خارج دين الإسلام … والحقيقة الناصعة أن التوحيد (الذي هو جوهر الدين الإسلامي كله) هو عين ما يُقرّه الموحدون الدروز ويحيون في كنفه ويسعون إلى تحقيقه في النفس والسلوك والمجتمع.
رابعاً – جهود الأعضاء … أيدٍ ترسم على لوحة الواقع المضطرب.
يتشكّل عطاء اللجنة الدينية من جهود أعضائها المتفانين الذين يحملون على عواتقهم ثقل الأمانة وبهاء الرسالة، وهم يُؤدّون مهامهم في إحياء مجالس الدين وتنظيم برامج التوعية الروحية وإطلاق المبادرات التربوية ومتابعة الشأن الاجتماعي بنظرة تُدرك أن الدين ليس قاعةً مغلقة بل فضاءٌ رحب يتنفس في كل أبعاد الحياة … فهم يشتغلون على تقوية الترابط الاجتماعي وتعزيز قيم التعاضد والمؤازرة بين أبناء المجتمع في أوقات الشدة كما في أوقات السعة.
كما تضطلع اللجنة بتوجيه وإشراف مباشر ومتابعة من سماحة الشيخ يوسف جربوع وسماحة الشيخ حمود الحناوي بمهمة التنسيق مع رجال الدين والعلماء من كافة الأديان والمذاهب في سائر المحافظات السورية والعربية، بما يُرسّخ الشعور بالانتماء المشترك إلى أمة واحدة تجمعها قيم الإسلام الوسطي الجامع والإنسانية الواعية الراقية … وفي هذا السياق لا يُستهان بدور الإرشاد الأسري والاجتماعي الذي يُقدّمه أعضاء اللجنة من خلال مجالس العائلات وجلسات الإصلاح ومتابعة المشكلات الاجتماعية بحكمة وموضوعية بعيدة عن العصبية والتحيز.
خامساً – نحو تطوير الأداء … مقترحات للعصر الرقمي.
إن الزمن لا يقف عند حدٍّ ولا يُبقي على منهجٍ لم يُجدّد أدواته وأساليبه، وما يصلح لخطاب المنبر في زمن الورق والقلم لا يكفي وحده في زمن الشبكات والخوارزميات … ولذلك أجد من الضرورة بمكان (وأنا أُطالع جهود اللجنة الدينية في دار الموحدين) أن أطرح بعض المقترحات التي قد تُسهم في رفع سوية الأداء وتطوير آليات الخطاب لمواكبة تحديات العصر الرقمي الراهن:
* إنشاء منصة رقمية موثوقة ومتخصصة تحمل ختم اللجنة الدينية وتُقدّم محتوىً دينياً وروحياً موثّقاً وموثوقاً، يُعالج الشبهات ويُصحّح الأخطاء ويُقدّم التوحيد الإسلامي الوسطي بلغة عصرية وأسلوب جذاب يُخاطب الشباب في مساحاتهم الافتراضية.
– تطوير برامج تدريبية مكثّفة لأعضاء اللجنة في مجال الإعلام الرقمي وإدارة الأزمات الإعلامية، بما يُمكّنهم من الردّ على التضليل المغرض بسرعة ودقة وبأدلة قرآنية توحيدية وتاريخية دامغة.
* إقامة ملتقيات فكرية وحوارية تجمع علماء الدين الموحدين مع مثقفين وفنانين وأكاديميين، في فضاء مفتوح يُنتج رؤى مشتركة تُغني الخطاب الديني بأبعاده الإنسانية والحضارية وتُكسره من عزلة التخصص الضيق إلى رحابة التواصل الإنساني الكامل.
* إنتاج سلسلة وثائقية تروي الجذور الحقيقية للموحدين الدروز بأسلوب علمي أكاديمي جذاب، مُستعينةً بشهادات العلماء والمؤرخين الموضوعيين ومُسنَدةً إلى المصادر التاريخية والفقهية الموثّقة.
– تأسيس مبادرة “حكمتنا صدى قرآننا ” التي تُقدّم من خلالها اللجنة الدينية ردوداً قرآنية واضحة ومباشرة على أبرز الشائعات والافتراءات المتداولة في الفضاء الرقمي، بأسلوب يجمع بين علم التفسير التوحيدي وفن التواصل الحديث.
ختاماً … حين يُصبح الإيمان لوناً لا يشيخ.
يبقى الإيمان الصادق والخطاب الروحي الوسطي المعتدل أقوى من كل تضليل وأبقى من كل افتراء، كما يبقى اللون السماوي الأزرق العميق في لوحة الوجود دلالةً لونية على الإرادة والرقي والرفعة مهما حاول أن يطغى عليه لونٌ صاخب عابر… واللجنة الدينية في دار الموحدين الدروز بالسويداء … بما تحمله من إرث الحكمة ورسالة التوحيد … مدعوّةٌ اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى أن ترفع صوت الحق بلغة العصر وأدواته، وأن تكون جسراً بين عمق الموروث والمستقبل، ورسوخ الهوية وانفتاح الأفق.
فالجبل لم يكن يوماً جزيرةً معزولة والسويداء بوابةً من بوابات الحضارة العربية الكبرى… وأبناؤها الموحدون أكثر الناس عمقاً في إدراك معنى الانتماء الإنساني ومعنى الحوار المثمر، وهذا ما أكده أمير الشعراء احمد شوقي في قصيدته… “نكبة دمشق”… بقوله
سلام من صبا بردى أرق … ودمع لا يكفف يا دمشق
وما كان الدروز قبيلَ شرّ وإن أُخِذوا بما لم يستحقّوا
ولكن ذادة وقراة ضيف كينبوع الصفا خشنوا ورقّوا
لهم جبل أشمُّ له شعافٌ موارد في السحاب الجون بلقُ
لكل لبوءة ولكل شبل نضال دون غايته ورشقُ
كأن من السموأل فيه شيئاً فكلّ جهاته شرفٌ وخُلقُ …
ويبقى الخطاب التنويري هو الأنجع في مواجهة التطرف الذي لا يفرز عبر الزمن إلا الاستبداد والدمار الفكري والاجتماعي
