‏”شمس براغ”: رواية المذكرات وتنوع الصوت السردي

معين العماطوري
معين العماطوري

معين حمد العماطوري

‏‏تعتبر رواية “شمس براغ” للروائي غانم بو حمود من الروايات التي تدخل ضمن دائرة المذكرات، لما حملته من أحداث ومواقف وثقها الراوي خلال فترة زمنية معينة، مستخدماً متخيل سردي وشخوص ذات علاقة إنسانية، ربط بها العلاقة الافتراضية مع الواقعية، وصور المشهد المكاني والزماني بإشكالية الحدث واختلافه، ‏‏معتمداً على المنهج التعبيري والوصفي في تصوير الواقع، مشكلاً انزياحات عديدة في تعدد الشخصيات وتنوعها.  

وفق رؤية انطباعية لأحكام القيمة لأي عمل روائي تعتمد طبيعة رواية المذكرات على سبع ركائز:

‏‏1. الراوي والشخصية الرئيسية متحدان: بحيث يقوم بطل الرواية أو الشخصية المحورية بالروي، مما يخلق نبرة شخصية عميقة ويتيح للقارئ رؤية العالم عبر وعيه الداخلي، مع احتمالية وجود فجوة بين ما يراه هو وما يدركه القارئ.

‏2. الصدق العاطفي: رغم تعدد المشاهد واختلافها، يجب أن تكون ردود فعل الراوي ومشاعره حقيقية ومقنعة، وهذا الصدق الانفعالي هو ما يفرق الرواية عن التقارير الجافة.

‏3. الزمن المزدوج: يعتمد على تداخل زمنين: زمن وقوع الأحداث، وزمن كتابة المذكرات، وهذا يخلق مسافة تأملية حيث يعلق الراوي الحالي على قرارات شخصيته السابقة.

‏4. الانتقائية: لا تُدوّن المذكرات كل تفاصيل العمر، بل اللحظات الفارقة والمؤثرة الدالة على جوهر الشخصية.

‏5. الحوار الداخلي والخارجي: تمتزج فيها الذكريات الشخصية بالحوارات الواقعية مع شخصيات أخرى، مما يُضفي الحيوية ويكشف الصراعات عبر التفاعل.

‏6. البحث عن المعنى: لا تُسرد المذكرات لمجرد التوثيق، بل لمحاولة فهم الماضي وترتيبه. غالباً ما ينتهي الراوي إلى استنتاج أو تغير في نظرته للحياة بعد إعادة تقييم الأحداث.

‏7. الأصالة في الصوت: يجب أن يكون للراوي صوت فريد، سواء كان ساخراً أو حزيناً أو تأملياً أو غاضباً، هذا الصوت هو ما يجعل القارئ يصدق أنه يستمع إلى تجربة حقيقية لشخص حي.

‏‏رغم ما ترتكز عليه رواية “شمس براغ” من لغة شعرية ومُتخيَّل سردي طافح بالأحداث والرؤى الثقافية الإبداعية، دون إغفال اختلاف بين بيئة الراوي المحلية التي نهل من معينها ثقافةً جمعية خاصة بهن ما جعلته ينسجم مع الذات في نقل الواقع بمصداقية تليق بالعمق الدرامي، وبين شغفه بنقل أسماء وأهمية المواقع الأثرية والفنون بأنواعها التشكيلية والموسيقية، وتدوين أسماء شخصيات من الفن التشكيلي والموسيقى وفق الأزمنة المتعددة وحوار المونولوج بين الشخصيات، بغية تثبيت صوته ونبرته في تاريخ البلد الذي استضافه، كميزة لدلالة التأثير المكان من ناحية وللإبداع والثقافة الفنية من ناحية ثانية، إلا أن تعدد الأصوات إضافةً للعناوين الفرعية هي نوع من التمرد على قالب الرواية في تحديد المشاهد.

‏‏إذا ما عدنا إلى اللغة نجدها رشيقة، سهلة في الإدراك والفهم، ولا تحتاج إلى التعقيد أو التقعيد، أو البحث في دلالاتها ورموزها، بل استطاع الراوي أن يحمل نصه انزياحاتٍ متعددة كثيراً ما استخدمها في حياته، مازجاً بين الشعر والمتخيل.

‏‏دلالة السرد والانزياح الشعري:

‏‏لعل الراوي غانم بو حمود لم يستطع الخروج من فضاء الشعر ومخيلته، فعمل على إغناء روايته بالمفردات المألوفة وتركيب صور جديدة، والجامع بينهما الأسلوب الفني، فقد أصر على الأثر الإيجابي للمكان في تطلعه ورؤيته نحو بلاد الاغتراب “براغ”، مؤكداً ذلك شعراً بقوله:

‏‏”مضطر أن لا أكذب، أن أبي أميٌّ يقرأ حين يشاء، تدعوه صفحات الأرض أن يبذرا فيها قمح الحب وتبر الماء، حتى لو تعبت يداه لا يخطئ أبداً في الإملاء”.

‏‏”شمس براغ” الصادرة عن دار الغانم للثقافة عام 2026 والواقعة في 166 صفحة من القطع الوسط، تضمنت أكثر من 46 صوتاً مقسمة على مشاهد فيها مذكرات جميلة: كيف جسد طبيعة وثقافة مجتمع تشيكوسلوفاكيا؟

 وتعامل مع أهلها وعلاقاته العلمية والثقافية والفكرية من خلال سرد روائي جميل، فهو مزج بين الشعر والسرد، منها “مضطر أن لا أكذب” على سبيل المثال، ومنها “لماذا” وغيرها من العناوين الجذابة مثل “البدلة الأخضر” و”الرحلة الأخطر”، وغيرها.

‏‏يبدو أن الصدق العاطفي، والزمن المزدوج، والانتقائية في طبيعة تكوين الحدث، والحوار الداخلي والخارجي، وتعدد الأصوات، جعل من عمله يرتكز على التوجه نحو المذكرات، حيث قدم في الصفحة الأولى من روايته “شمس براغ” (ميلادا بوراكوفا) بمناسبة مرور 75 عاماً على إعدامها دفاعاً عن الديمقراطية، وهو نوع من التوجه الذاتي الانتقائي في الاستهلال نحو الحدث ومدى تناقضات الاحداث بين ما جرى من معارك مع روسيا وغيرها، ثم ارتكز على الحوار الداخلي قبل الإهداء بوصفه للرواية قائلاً:

‏”أعيشُ في العالم بعيون مفتوحة، وأستمع ليس فقط لألمك، بل لآلام الآخرين أيضاً”.

لم نتطرق إلى العتبة النصية وما تنطوي على دلالات سهلة الإدراك “شمس براغ” الشمس دلالة مضمرة، و”براغ” مكان جغرافي المزج بينهما إبهام في الوصول إلى الحدث، لأن التبة ذات حساسية في معالم النص وبنيته، ودلالته ورمزه.

يشير الناقد الدكتور محمد صابر عبيد بأن العنونة كعتبة تحظى بالموقع الأوّل، في فضاء العتبات النصيّة، لما تتمتّع به من حساسيّة كبيرة، في تشييد معالم النصّ وإقامة بنيانه، وكان للعنونة منذ القديم أهمية على مستوى الحياة العامّة قبل الحياة الأدبية والنصيّة، إذ لا يمكن لأيّ شيء في الحياة بعامّة أن يحقّق هويّتَه من دون أن يكون له عنوان يحيل إلى فضائه ومعناه ودلالته ورمزيّته، والعنوان بداية الشيء وسبيله ومقصده ورأسه ودليله ومحطّته الأولى للانطلاق والشروع، ولا طريق إلى بلوغ فهمه وإدراك نيّـته ومعرفة مضمونه ومضمره من غير الاطلاع على عنوانه، ومن ثمّ تلقّي أطروحته على المستوى الدلاليّ والفنيّ والجماليّ .[1]

نلاحظ في السياق النصي لغة الشعر المبهم، ومفردات بسيطة سهلة ذات دلالة في المبنى والمعنى، كأن يذكر في عنوان فرعي “ليست عصية على الفهم” قائلاً: “سمعت صوتاً ليس كالأصوات، بشدة طرق لي قلبي، لم يكن الصوت قادماً من الشارع المجاور ولا من جهة الوادي السحيق ولا من خلال النافذة المفتوحة، كانوا يخاطبني بلغة يفهمها عامة الناس، بدا الصوت همساً ثم راح يعلو ويعلو بينما كنت منشرح الصدر مسترجعاً قصص أبي التي كان يسردها لي عن حياته في إيطاليا مع صحبه، وأخيراً انتبهت إلى الطارق الذي لا يمكن له أن يتحرك أو يخرج من مكانه دون مساعدتي، كان صديقي الصدوق ملقى على سريري الحديدي المجاور للنافذة الغربية، وكانت الريشة نائمة بين المفاتيح، كان عودي حنوناً جداً، وكان بمقدوري أن أصالحه بلمسات ناعمة من ريشة رقيقة، لما رفعته برفق عن السرير وشرعت أعرف لحناً، أعزف لحناً من أغنية للمغنية السيدة فيروز، انتابني قشعريرة الفقد”.[2]

‏‏نلاحظ رشاقة النص وتحويل اللغة واستخدام دلالات متعددة الأغراض سواء انزياحية أو مباشرة، وبالتالي حملها ركائز: أولها المباشرة الذاتية، والثانية سهولة الوصول إلى المعنى الدلالي، والثالثة الصورة التخيلية في وصف المشهد البصري.

‏‏رواية “شمس براغ” رواية المذكرات بأحداثها ووقائعها الواقعية في فترة زمنية محددة، لا يُنكر على الراوي الاستنباط الثقافي الفكري وتوظيف بعض القيم التي حملها من محليته وبيئته، مثل الأصالة والصدق والشمم والإباء، والعاطفة الصادقة، وجعل تلك القيم جزءاً من منظومته في بلاد الاغتراب، كذلك شغفه بمعرفة المكان حيث يذكر الآثار وصور الفن التشكيلي لكبار الفنانين التشكيليين في تشيك والموسيقيين وحضوره المسرح ورحلته مع زميلته لمدة عشرة أيام إلى مناطق متعددة، ومعرفة الآثار واللوحات والخفايا الجمالية، هذه المذكرات تشعر بصدق العاطفة فيها، مع إصراره على الهدف في اكتساب العلم الميكانيكي.

‏‏أخيراً، من خلال رواية “شمس براغ” للروائي غانم بو حمود، يستطيع القارئ أن يرسم بحرفية لوحات فنية عن طبيعة المكان، ويستنبط من عمله أبعاداً ثقافية إبداعية شاعرية روائية سردية في التأكيد على الوصف والمعالجة الفنية، والتركيز على الدائرة الكلية في تكوينها وبنيتها التركيبية، بمعنى أن الرواية في أحداثها وشخوصها وأصواتها المتعددة ومشاهدها تنحو نحو رواية المذكرات وليست رواية أخرى في تصنيفها وتركيبها البنيوي.

‏‏الروائي غانم بو حمود أثرى المكتبة العربية بعمل سردي يضاف الى أعماله الأدبية في الشعر والقصة القصيرة والرواية، ويجسد في منجزه الأدبي عرفاناً بالجميل وإيماناً بالإنسانية التي فُطر عليها من قيم الوفاء من جهة، وجمال المكان “التشيك” الراقية ثانية، خاصةً وأنه حلم طويلاً بالوصول إلى مبتغاه ليرى عمله النور، وهو يؤكد في الإهداء سعادته ببقائه على قيد الحياة كي يكمل روايته نظراً لما عاناه من هلع وخوف أن تحرقه الحرب مع أوراق كان مؤتمناً عليها… وها هو يرى روايته “شمس براغ” بين يديه يقيناً إبداعياً وواقعياً.‏

المراجع:

  • بو حمود، غانم، “شمس براغ” رواية صادرة عن دار الغانم للثقافة – سوريا- عام 2026  
  • صابر عبيد، د. محمد، العنوان دالاًّ شعريّاً – من منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب – وزارة الثقافة – دمشق 2022 ص4

[1] صابر عبيد، د. محمد، العنوان دالاًّ شعريّاً – من منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب – وزارة الثقافة – دمشق 2022 ص4-

نقلاً عن كتاب “تفاعلات القيم الاجتماعية وطرائق التعبير عنها في الرواية” لمؤلفه معين حمد العماطوري- قيد الطبع حالياً.

[2] بو حمود، غانم، “شمس براغ” رواية صادرة عن دار الغانم للثقافة – سوريا- عام 2026  

شارك المقال
اترك تعليقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *