التشاكل المفاهيمي بين الوطنية والمواطنة- الوطن والدولة

معين العماطوري
معين العماطوري

الدكتور عاطف عطا الله بطرس

كاتب ومفكر وناقد سوري

قبل الدخول في الحديث عن الوطنية وما تعنيه في اشكالياتها المتعددة وتبايناتها الخلافية لابد لنا من تحديد مفاهيميٍ “مصطلحي” لكلمة كثيرة التداول والسيرورة على ألسنة العامة والخاصة، ولكثرة استخدامها أصبحت عائمة الدلالة بل تكاد تفقد محتواها الوضعي المحدد، لأن مفهوم الوطن حدثت عليه تطورات كثيرة، متساوقة مع تطور الحضارة والمعرفة وأشكال الاجتماع.

الوطنية، من الوطن، والوطن كمفهوم حوله إجماع يكاد لا يحتاج إلى تعريف، ولكن لو أمعنا النظر تحت مجهر خبرتنا الثقافية لسبر هذا المفهوم لبدا لنا أن الأمر ليس يسيراً كما يتمظهر للوهلة الأولى.

الوطن، بدءاً هو الأرض التي نعيش عليها، وتاريخ أجدادنا بمآثرهم وإخفاقاتهم، وهو الحاضن لعاداتنا وتقاليدنا وأعرافنا، وبدقة أكثر هو مجموع العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تمثل أبناءه، وهو المكان الذي يضمن لمواطنيه الأمن والاستقرار والحرية والكرامة.

والوطن أيضاً هو الجماعة أو الجماعات البشرية التي ارتضت أن تتعايش وفق عقد اجتماعي هذه الدلالة تنقلنا إلى مدخل أدق من مفهوم الوطن إلى مفهوم الدولة، والدولة والوطن مفهومان متطابقان لأن الدولة هي التعبير الجغرافي و السياسي والحقوقي عن الوطن، عندما نتحدث عن الدولة نخرج من المفهوم العائم للوطن إلى مصطلح أكثر تحديداً وشمولاً هو الدولة، والدولة: إضافة إلى الأرض “الوطن” هي النظام الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والمؤسساتي.

قد لا نختلف حول الوطن فكل من يعيش فوق أرضه هو من أبنائه، ومن حقه عليهم المحافظة عليه، والدفاع عنه، سلماً وحرباً، لكن المشكلة تبرز عندما نتحدث عن الدولة بكل مكوناتها وبشكل أكثر تحديداً طبيعة النظام السياسي والاقتصادي فيها وبنائها المؤسساتي والسلطات التي تقوم على تنفيذه.

الموقف من الدولة كمفهوم وممارسة يختلف باختلاف الموقع الاجتماعي والتكوين المعرفي لمجموعات المواطنين إن لم نقل للطبقات الاجتماعية المنضوية تحت لوائه والمتعايشة فيما بينها، وفق نظم معترف بها من الجميع وهنا يجب أن نفرق بين الدولة بوصفها كياناً جغرافياً سياسياً اجتماعياً مؤسساتياً وبين الحكومة كأحد مفرزاته وعناصره المكونة والموقف منها مجال للتباين في وجهات النظر التي تبلغ حد المواجهة وذلك وفقاً لبرامجها المحددة وخياراتها، السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فمعارضة الحكومة وتوجيه النقد لها مثلاً لا يعني مواجهة الدولة لأنهما مفهومان ليسا متطابقين كما هو الحال “الدولة – الوطن”.

التماهي بين الحكومة “الدولة والوطن” يقود إلى خطأ شائع: من يقف ضد قرار من قرارات الحكومة أو إجراء من إجراءاتها أو توجه من توجهاتها يعتبر من وجهة نظرها ضد الوطن بمعنى آخر ليس وطنياً، أو مشكوك بولائه للوطن، فالوطنية هي موقف من الوطن وليس من الحكومة، والحديث عن الوطن والوطنية، يستدعي بالضرورة الحديث عن المواطن “المواطنة”، الحقوق والواجبات، الهوامش المتاحة للمواطنين، في التعبير عن آرائهم بحرية، ومشاركتهم في كل أمرٍ يخص الوطن، بوصفه لجميع أبناءه له عليهم حقوق، وعليهم نحوه واجبات، ينتظمها عقد اجتماعي توافقي “الدستور” وبقدر ما يكون الدستور عادلاً ومجسداً لكل الشرائح الاجتماعية الممثلة في الدولة، تكون الدولة عدالة أو ديمقراطية.

الوطن الحر لا يبنيه إلا مواطنون أحرار يتمتعون بكافة حقوق المواطنة، يدافعون عن وطنهم، دولتهم، لأنهم ليسوا فقط مواطنين بل لأنهم شركاء في خياراتها وفي انتقاء مكوناتها وتكوين مؤسساتها، فكلما ما كانت أشكال خياراتهم ديمقراطية تراعي التعددية والتنوع، وفق مبدأ الوحدة في التنوع، أصبح وطنهم أقوى في وجه أعداء الخارج والداخل.

شارك المقال
اترك تعليقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *