بقلم الأديب الدكتور نجيب روفا سفري
حين نقترب من محمود سامي البارودي لا نقترب من شاعر أعاد إلى القصيدة العربية شيئًا من جزالتها فحسب، ولا من رجلٍ حمل معه لغة الماضي إلى زمنٍ جديد، بل نقترب من شاعر كان الحنين عنده وطنًا آخر، وكان الماضي ذاكرةً حيّة لا قبرًا يعود إليه. ولهذا أراه «ملك الحنين»، لا لأنّه أكثر الشعراء بكاءً على ما مضى، وإنما لأنّه استطاع أن يجعل من الحنين شعرًا قائمًا بذاته، وأن يحوّل الذاكرة من حالة نفسية إلى حضور شعري. فالبارودي لا يستعيد الماضي لكي يهرب من الحاضر، وإنما يعود إليه لأن شيئًا في داخله ظلّ يرى فيه صورةً لما فقده الإنسان حين تبدّلت الأزمنة وانكسرت الأشياء.
والبارودي من أولئك الشعراء الذين لا تستطيع أن تفصل تجربتهم الشعرية عن حياتهم. عاش المجد والانكسار، والقرب والبعد، والمنفى والعودة، ولذلك لم يكن شعره صناعة لغوية باردة، حتى حين اشتدّ تمسكه بجزالة العبارة وقوة البناء. كانت وراء اللغة نفسٌ تعرف معنى الفقد، ووراء الفصاحة رجلٌ ذاق الغربة لا بوصفها مكانًا بعيدًا فقط، بل بوصفها اقتلاعًا من زمنه ومن أهله ومن صورته التي كان يعرفها عن نفسه. ومن هنا يصبح الحنين عنده أعمق من مجرد شوق إلى مكان أو شخص؛ إنه شوق الإنسان إلى عالمٍ كان يشعر فيه أن الأشياء في مواضعها، وأن الحياة لم تفقد بعد معناها القديم.
ولذلك لا أرى البارودي مجرد شاعر إحياء، كما اختصرته بعض القراءات المدرسية حين وضعته في خانة التجديد المحافظ. هذه التسمية تلتقط جانبًا من تجربته ولا تستنفدها. لقد أعاد للقصيدة العربية قدرتها على الوقوف بعد مرحلة طويلة من الضعف والتكلف، لكنه لم يكن ناسخًا للماضي. كان يأخذ من التراث قوته، ثم يضعها في تجربته هو. وهذا هو الفارق بين شاعر يعيش التراث وشاعر يعيش فيه التراث. الأول يستعير، والثاني يستحضر. والبارودي كان يستحضر؛ ولذلك بقي صوته شخصيًا رغم أن قاموسه ينتمي إلى العربية القديمة في كثير من مفرداته وتراكيبه.
وحين نقرأ حنينه لا نشعر أننا أمام رجل يريد أن يعيد الزمن إلى الوراء، بل أمام شاعر يحاول أن يمنع الزمن من أن يمحو ما تركه فيه. وهذه واحدة من أجمل خصائص شعره. فالزمن عند البارودي ليس ساعةً تمضي، بل قوة تأخذ من الإنسان أشياءه ثم تتركه أمام الذاكرة. ولهذا كانت الذاكرة في شعره ليست ترفًا، بل مقاومة. مقاومة المحو، ومقاومة المنفى، ومقاومة التحول الذي يجعل الإنسان غريبًا حتى عن بعض ما كأنه ذات يوم.
ومن هنا تأتي قيمة لغته. لقد كانت الفصاحة عنده وسيلة لاستعادة الهيبة، لكنها لم تكن هي الغاية. فخلف القافية والبحر والصورة والجزالة رجلٌ مجروح يحاول أن يقول إن ما فقده لم يمت ما دام قادرًا على استحضاره بالكلمة. وربما لهذا تبدو قصيدته أحيانًا كأنها تمشي بثوبٍ قديم، لكنها تحمل قلبًا يعرف آلام الإنسان الحديث. وهذه المفارقة هي التي تجعل تجربته أوسع من التصنيف الذي وضعه فيه تاريخ الأدب؛ فهو ابن التراث، نعم، لكنه أيضًا ابن تجربته الخاصة، والمنفى الذي عاشه، والتحولات التي عصفت بعصره.
لقد كان البارودي يعرف أن الشعر لا يعيش بالموضوع وحده، ولا باللغة وحدها، وإنما بما يضع الشاعر من نفسه في الكلام. ولذلك حين يحنّ، لا يكون الحنين فكرةً عامة يمكن لأي شاعر أن يستعيرها، بل يكون حنين البارودي نفسه. وحين يتذكر، فإن الذي يتذكر ليس شاعرًا مجهولًا داخل تاريخ الأدب، وإنما إنسان عاش ثم خسر، وأحب ثم ابتعد، ورأى المجد ثم رأى انكساره. وهنا يتحول الشعر من وصف للحياة إلى شهادة عليها.
ولعل أجمل ما في البارودي أن حنينه لم يضعف رجولته الشعرية، بل زادها قوة. فهو لا يتوسل العاطفة، ولا يجعل من ألمه شكوى مستمرة، ولا يستجدي من القارئ شفقة. حتى في حزنه تبقى قامته الشعرية مستقيمة. وهذا ما يجعل حنينه مختلفًا؛ إنه حنين العارف بقيمة ما فقد، لا حنين العاجز عن مواجهة ما بقي. لذلك يستطيع أن يجمع في القصيدة بين الكبرياء والانكسار، وبين قوة العبارة ورقة الشعور، وبين رجلٍ يقف شامخًا وشاعرٍ ينظر إلى الوراء.
وليس غريبًا بعد ذلك أن يكون للبارودي هذا الأثر في الشعر العربي الحديث. فقد فتح الطريق أمام شعراء جاؤوا بعده ليكتشفوا أن العودة إلى التراث يمكن أن تكون بدايةً لا نهاية، وأن استعادة قوة القصيدة لا تعني إلغاء الزمن الجديد. لقد أعاد إلى القصيدة ثقتها بنفسها، وأعاد إلى الشاعر العربي إحساسه بأن لغته قادرة على حمل التجربة من جديد. ومن هنا كانت أهميته أكبر من أن تختصر في كونه واحدًا من شعراء الإحياء؛ فقد كان أحد الذين جعلوا القصيدة تستعيد حضورها، ثم تترك للأجيال اللاحقة مهمة البحث عن أشكال أخرى لهذا الحضور.
لكن البارودي، في النهاية، لا يبقى في ذاكرتنا لأنه أعاد الماضي فقط، بل لأنه عرف كيف يجعل الماضي جزءًا من حاضره الشعري. وهذا هو سر ملك الحنين فيه. فالحنين عنده ليس التفاتًا إلى الوراء، وإنما نظرٌ إلى الداخل؛ وكلما عاد إلى الماضي كان في الحقيقة يعود إلى نفسه. لذلك لا تزال قصيدته قادرة على أن تفتح في القارئ بابًا إلى زمن لم يعشه، لأن الحنين الصادق لا يحتاج إلى أن يكون القارئ شريكًا في الذكرى؛ يكفي أن يكون إنسانًا يعرف معنى أن يفقد شيئًا لا يستطيع استعادته إلا بالكلمة.
البارودي لم يكن شاعرًا يكتب عن الحنين؛ كان شاعرًا جعل من الحنين لغةً ثانية لحياته. وحين انتهى زمنه بقيت قصيدته واقفة، لا لأنها حفظت الماضي من السقوط، فالماضي لا يعود، وإنما لأنها أثبتت أن الإنسان يستطيع أن يمنح ما فقده حياةً أخرى في الشعر.
لهذا أقول: كان البارودي ملك الحنين، لا لأنه عاش في الماضي، بل لأنه جعل الماضي يعيش فيه، ثم جعله يعيش في القصيدة.
