بقلم الأديب الدكتور نجيب روفا سفري
كان سامي مكارم جاري. وأذكره أولاً كما عرفته العين قبل أن تستعيده الذاكرة الأدبية: رجلاً أنيقاً، منتصب القامة، وسيماً، له حضور واضح لا يحتاج إلى إعلان، وابتسامة لا تفارق وجهه حين يلتقي بمن يعرفهم. كان في مظهره شيء من الترتيب، وفي مشيته شيء من الثقة، وفي ابتسامته شيء يجعل اللقاء به أكثر دفئاً. لكن هذه الصورة التي بقيت في الذاكرة ليست إلا الباب الأول إلى شخصية ثقافية أوسع بكثير؛ فالرجل الذي كان يمر أمامي بهذه الأناقة والحضور كان يحمل مشروعاً جمع الشعر والأدب والفكر والتاريخ والتصوف والفن والخط، وكان من الشخصيات التي يصعب وضعها في خانة واحدة لأن المعرفة عندها ليست غرفاً منفصلة، بل عالم تتجاور فيه القصيدة مع البحث، والفكر مع الفن، واللغة مع الروح.
ولد سامي نسيب مكارم سنة 1931 في عيتات، ودرس الأدب والفلسفة في الجامعة الأميركية في بيروت، ثم حصل على الماجستير في الأدب العربي سنة 1957، وعلى الدكتوراه من جامعة ميشيغان سنة 1963 في دراسات الشرق الأوسط، متخصصاً في الدراسات الباطنية الإسلامية. وعاد إلى لبنان ليبدأ مسيرة أكاديمية امتدت عقوداً، فدرّس الفكر الإسلامي في الجامعة اللبنانية، ثم التحق بالجامعة الأميركية في بيروت أستاذاً للأدب العربي والفكر الإسلامي، وترأس قسم الأدب العربي ولغات الشرق الأدنى مرتين، كما تولى إدارة مركز دراسات الشرق الأوسط. ومن اللافت أن بحثه المبكر في الأدب كان عن «الشعر العربي في لبنان بين الحربين العالميتين»، بما يكشف منذ البداية عن اهتمامه بالشعر لا بوصفه كتابة فحسب، بل بوصفه ظاهرة أدبية لها تاريخ وتحولات وسياق ثقافي.
وهذه النقطة مهمة في فهم مكانته؛ فسامي مكارم لم يدخل الأدب من نافذة القصيدة وحدها، وإنما دخله أيضاً من باب المعرفة والبحث. كان يريد أن يعرف الشعر وأن يفهم البيئة الفكرية والتاريخية التي أنتجته. لذلك لم يكن الأستاذ الجامعي عنده ناقلاً للمعلومات، بل صاحب رؤية، ولم تكن الجامعة مكاناً لإلقاء المحاضرات فحسب، وإنما فضاءً للحوار وتكوين العقول. وقد امتدت تجربته التعليمية طويلاً، وترك أثراً في أجيال من طلاب الأدب والفكر الإسلامي، ولا سيما في دراسات التصوف والنثر العربي القديم والفكر الإسلامي.
ومن هنا يظهر أثره في النهضة الثقافية على نحو أوسع من حدود إنتاجه الشخصي. فالنهضة لا يصنعها الشعراء وحدهم ولا الباحثون وحدهم، وإنما يصنعها الذين يصلون بين مجالات المعرفة ويمنعون الثقافة من التحول إلى جزر منفصلة. وسامي مكارم كان من هؤلاء. كتب في الفكر الإسلامي والتصوف والتاريخ اللبناني والدراسات الإسلامية، واشتغل على التوحيد والإسماعيلية والحلاج وتجارب روحية وفكرية متعددة، وله أكثر من خمسة وعشرين كتاباً إلى جانب مقالات كثيرة وأعمال فنية عديدة. ولم تكن هذه المجالات عنده متجاورة مصادفة؛ كانت تتصل بخيط واحد هو البحث عن الإنسان والمعنى والجمال.
أما الشعر، فكان أحد الوجوه الأصيلة في شخصيته، لا زينة تضاف إلى سيرة الباحث. نشر ثلاثة أعمال شعرية هي «مرآة على جبل قاف» سنة 1996، و«ضوء في مدينة الضباب» سنة 1999، و«قصائد حب على شاطئ مرآة» سنة 2004. وحتى عناوين هذه الأعمال تفتح على عالم شعري مشغول بالرمز والضوء والضباب والحب وجبل قاف، أي بعالم لا يكتفي بالظاهر، بل يبحث عما وراءه. ولهذا ينبغي أن تُقرأ تجربته الشعرية في ضوء تكوينه كله، من دون أن تتحول القصيدة إلى تابع للبحث أو إلى مجرد ترجمة لأفكار فلسفية وصوفية؛ فالشعر عنده كان مجالاً مستقلاً للتعبير، لكنه كان يستمد عمقه من ثقافة واسعة.
ولعل أجمل ما في تجربته أنه لم يفصل بين المعرفة والجمال. كان الباحث فيه يقرأ، والشاعر يشعر، والفنان يرى. ومن هنا جاء اهتمامه بالخط العربي، الذي لم يتعامل معه بوصفه مهارة زخرفية، بل بوصفه إمكاناً فنياً وثقافياً. وقد نشأ في بيئة فنية، وكان والده الشيخ نسيب مكارم خطاطاً بارزاً، ثم اتجه سامي إلى الفن والخط بعد وفاة والده سنة 1971، فأنجز مئات الأعمال التي جعلت الحرف العربي مجالاً للتجريب والجمال. وهكذا أصبحت الكلمة عنده تُقرأ وتُكتب وتُرى، وأصبح الحرف جزءاً من رؤيته الثقافية لا هواية منفصلة عن الأدب والفكر.
وهنا تتضح خصوصية سامي مكارم أكثر. فهو لم يكن شاعراً فقط، ولا باحثاً فقط، ولا خطاطاً فقط. كان مثقفاً يرى أن هذه المجالات تستطيع أن تتكامل. الشعر يتصل بالفكر، والفكر يفتح على التصوف، والتصوف يوقظ اللغة، واللغة تتحول في يده إلى خط وصورة، والتاريخ يضع كل ذلك في سياقه الإنساني. وهذه الوحدة بين عناصر الثقافة هي في ذاتها قيمة نهضوية، لأنها تعيد للثقافة شيئاً من وحدتها التي مزقتها التخصصات الحديثة.
ولهذا لا يصح أن نختصره في لقب واحد. أن نقول إنه أستاذ جامعي صحيح، لكنه لا يكفي. وأن نقول إنه شاعر صحيح، لكنه لا يكفي. وأن نقول إنه باحث في التصوف أو خطاط وفنان، فكل ذلك صحيح، لكنه لا يستنفد حضوره. قيمته في مجموع هذه العناصر وفي الطريقة التي اجتمعت بها في شخص واحد. لقد كان متعدد الحضور من غير أن يكون مشتتاً، وهذه صفة لا تتوافر بسهولة؛ لأن كثرة المجالات قد تجعل صاحبها موزعاً، أما مكارم فكانت خيوطه تعود دائماً إلى الإنسان واللغة والمعرفة والروح والجمال.
ومن هنا أيضاً يمكن فهم أثره في النهضة الأدبية اللبنانية والعربية. لقد ساهم في بناء معرفة أكاديمية بالأدب والفكر الإسلامي، وشارك في تعليم أجيال من الدارسين، وكتب في موضوعات تتصل بجذور الثقافة العربية والإسلامية، وقدم شعراً، ووسّع مجال الخط العربي بوصفه فناً، وربط بين التراث والبحث الحديث من غير أن يحصر نفسه في صورة الباحث التراثي. كان ينظر إلى الماضي بعين تعرفه، وإلى الحاضر بعين لا تخاف التجديد، وإلى الفن بوصفه لغة أخرى للمعنى.
وربما كان هذا الاتساع نفسه سبباً في أن حضوره الأدبي لم يأخذ دائماً المساحة التي يستحقها. فالشاعر الصرف أسهل في التصنيف، والباحث الصرف أسهل، والخطاط الصرف أسهل. أما الرجل الذي يجمع كل ذلك فيصعب وضعه في رف واحد. لكن صعوبة التصنيف ليست نقصاً في صاحبها؛ قد تكون دليلاً على اتساع تجربته. وسامي مكارم من الأسماء التي ينبغي أن تُقرأ من خلال مجموع حضورها لا من خلال جزء منه.
أما أنا فأحتفظ له بصورة مختلفة، صورة الرجل الذي كان جاري: أنيقاً دائماً، منتصب القامة، وسيماً، تسبقه ابتسامته حين يلتقي بمن يعرفهم، وله حضور يثبت نفسه من غير استعراض. لم تكن تلك الأناقة مجرد مظهر، فقد كان في شخصيته شيء من التناسق الذي وجدته لاحقاً في عالمه الثقافي: ترتيب في الشكل، واتساع في المعرفة، ووضوح في الحضور، وحساسية في التعامل مع الكلمة والفن. كنت أراه يومها في صورته اليومية، ولم أكن بحاجة إلى أن أعرف كل ما أعرفه عنه الآن كي أشعر بأن وراء هذا الرجل شخصية مميزة.
واليوم، حين أستعيد سامي مكارم، لا أستعيد جاراً فقط، بل أستعيد واحداً من أولئك الذين مروا في حياتنا ثم اكتشفنا أن حضورهم كان أوسع من المكان الذي عاشوا فيه. كان رجلاً يحمل في عقله الباحث، وفي روحه الشاعر، وفي يده الفنان، وفي شخصيته الأستاذ والمثقف. ولذلك لا أريد أن أضعه في إطار التأبين؛ فالتأبين يغلق الباب، أما الأدب الحقيقي فيعيد فتح الأبواب.
أريد أن يبقى سامي مكارم في الذاكرة شاعراً له صوته، وباحثاً له مشروعه، وأستاذاً ترك أثراً في طلابه، ومفكراً اشتغل على مناطق عميقة من الثقافة الإسلامية، وفناناً جعل الحرف العربي مادة للجمال والتجريب. وأريد أن يُقرأ بوصفه واحداً من المثقفين الذين لم يروا النهضة انتقالاً من قديم إلى جديد فقط، بل رأوها قدرة على إعادة وصل الإنسان بلغته وتراثه وفكره وفنه.
كان سامي مكارم أنيقاً في مظهره، منتصب القامة في مشيته، دائم الابتسام في لقاءاته. لكن تلك كانت أناقة الرجل. أما أناقة فكره فكانت في اتساعه، وأناقة شعره في حساسيته، وأناقة فنه في علاقته بالحرف، وأناقة حضوره الأدبي في أنه لم يرض أن يعيش في غرفة واحدة من غرف الثقافة.
لقد دخلها كلها، وترك في كل واحدة منها شيئاً منه…ولهذا، حين أقول اليوم: كان سامي مكارم جاري، لا أشعر أنني أستعيد جاراً من الماضي فقط، بل أستعيد رجلاً كان جزءاً من المشهد الثقافي الذي صنع لبنان الحديث، ورجلاً كان يستحق أن يكون حضوره الأدبي أوضح وأبقى في ذاكرتنا.
ذلك هو سامي مكارم الذي عرفته قريباً، ثم اكتشفته أوسع من القرب: شاعراً وأديباً ومفكراً وباحثاً وفناناً وخطاطاً، جمع في شخصه ما تفرّق في غيره، ومضى تاركاً وراءه أثراً لا يختصره لقب واحد ولا كتاب واحد، لأن قيمته الحقيقية كانت في مشروعه كله.
