الوقف الإسلامي بين النص والتطبيق

معين العماطوري
معين العماطوري

المحامي عامر الخطيب

ثمةَ في التراث الإنساني أفكارٌ تشبه الأنهار، تنبع من ينبوع واحد، ثم تتشعّب وتتوسّع وتروي ما يمرّ بها من أرضٍ وبشر، لا تتوقف ولا تجمد ولا ترضى بأن تكون بركةً راكدة تتآكلها الطحالب وينتابها العطن، والوقفُ في الفقه الإسلامي وفي التشريع السوري الحديث ليس إلا هذا النهر الذي أراد له أصحابه أن يجري، غير أن يدَ الإهمال والبيروقراطية والتحولات السياسية توقّفت به أحياناً عند سدودٍ لم يبنِها الفقهُ ولا القانون، بل بنتها الغفلةُ وضيقُ الرؤية وبُعدُ الإرادة.

 أولاً – الوقف … حين يتحوّل النص إلى رسالة.

في أعماق الفلسفة الإسلامية، يقومُ الوقفُ على مبدأٍ يُشبه في عمقه مبدأ اللوحة الفنية الكبرى، أن يُودِع الإنسانُ جزءاً من ذاته وثروته في خدمة الآخرين، لا بوصفه تبرّعاً عابراً، بل بوصفه تأسيساً حضارياً دائماً يتجاوز حياتَه ويمتدّ ليلمس أجيالاً لم تُولَد بعد، فهو إذن ليس مجرّد عقدٍ قانوني يحبس بموجبه عقار أو مال لغرضٍ معيّن، بل هو إعلانُ إيمانٍ بأن الثروة ليست ملكاً فردياً خالصاً، وأن الإنسان في أعلى درجاته الأخلاقية ليس سوى أمينٍ على ما بين يديه، مُوكَلٌ بتحويله من ذهبٍ يُكنَز إلى نورٍ يُبَثّ.

ولعلّ في قول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم … “إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة .. إلا من صدقةٍ جارية…” … ما يكشف أن الوقف في جوهره فلسفةٌ في مقاومة الفناء، الإنسان يموت، والحجرُ يبقى، والماءُ يجري، والكتابُ يُقرأ، والمدرسةُ تُعلِّم، وهذا ما جعل المتوكّل على الله والأيوبيين والمماليك والعثمانيين يُشيّدون بالوقف حضارةً بأسرها، من المساجد والمدارس والمستشفيات والخانات والبيمارستانات، حتى غدا الوقفُ عماد الدولة الرعائية قبل أن تخترع الدولةُ الحديثة هذا المصطلح.

ثانياً – الإطار التشريعي السوري … بين النص والتطبيق.

المشرّعُ السوري لم يكن غافلاً عن هذا الإرث، فقد نظّم الوقفَ ضمن منظومة قانونية متكاملة يأتي في مقدّمتها “قانون الوقف” الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 31 لعام 1947 وتعديلاته اللاحقة، إلى جانب “قانون تنظيم عمل وزارة الأوقاف” رقم 31 لعام 2018 وغيره من الأنظمة الداخلية لوزارة الأوقاف التي حاولت إرساء إطارٍ مؤسسي لإدارة الأموال الوقفية المنقولة وغير المنقولة.

وفق هذه التشريعات، يُقسَم الوقفُ إلى نوعين رئيسيّين:

“الوقف الخيري” الذي تذهب منافعه ابتداءً وانتهاءً إلى أوجه البرّ العامة، من تعليمٍ وصحةٍ وعبادة وإغاثة.

“الوقف الأهلي أو الذرّي” الذي يحبس المالُ فيه لمصلحة الذرية والأسرة، وقد أُلغيَ هذا النوع في سورية بموجب المرسوم التشريعي رقم 76 لعام 1949 فيما يبقى الجدلُ قائماً حول مآلاته وتداعياته التي أثّرت على قناعات بعض المجتمعات في الاستمرار في الوقف وتشجيعه.

أما الأموالُ الوقفية فتتضمن … العقارات والأراضي الزراعية والمباني السكنية والتجارية، وكذلك المنقولات من أموالٍ نقدية وأسهمٍ وسندات وحُليٍّ وكتب وأدوات، والحمايةُ القانونية لهذه الأموال مكفولةٌ نظرياً من خلال حظر التصرف فيها بالبيع أو الرهن أو الهبة إلا باستثناءات ضيّقة، كما يخضع الناظرُ عليها لرقابة القضاء الشرعي ووزارة الأوقاف معاً.

غير أن المسافة بين النصّ القانوني والواقع المُعاش تظلّ واسعة بما يُثير الحرقة إذ لا تزال كثيرٌ من الممتلكات الوقفية مهملةً أو مُنتَهَبة أو غائبة عن سجلات الدولة، فيما يرزح بعضُها تحت أعباء إدارية متجمّدة لم تواكب تحوّلات السوق ومتطلبات الاستثمار.

ثالثاً – الحفاظ على الأموال الوقفية … من الصون إلى التنمية.

الحفاظُ على الأموال الوقفية لا يعني تحنيطها، بل يعني صونها وتنميتها معاً، وهنا يتمايزُ الفقهُ الوقفي الحديث عن مفهوم الحراسة الجامدة، ليُقرّ بأن الوقفَ الصامت كالقصيدة المحبوسة في درجٍ لا تُقرأ،  وجودٌ بلا أثر.

وتتمحور أبرز آليات الحفاظ على الأموال الوقفية في التجربة السورية والتجارب المقارنة حول ثلاثة محاور:

أولاً – الحوكمة والشفافية، بإنشاء سجلاتٍ وقفية رقمية شاملة تحصي كل وحدة وقفية وتُسجّل حدودها وقيمتها الإيجارية وحالتها التشريحية، وتُقيم جسراً بين وزارة الأوقاف وهيئات التسجيل العقاري والقضاء الشرعي، فالوقفُ الذي لا يُعرَف لا يُحمى، والعقارُ الذي لا يُوثَّق تبتلعه الأيدي الجائعة والسنواتُ المتراكمة.

ثانياً – الصيانة والتأهيل، بإخضاع المباني الوقفية لبرامج صيانةٍ دوريّة ممنهجة، وعدم الاكتفاء بتأجير العقار كما هو بإيجاراتٍ رمزية لم تتغيّر منذ عقود، في حين تغيّر السوقُ من حوله كلّ موسم، واليوم تُتيح نماذجُ إعادة التأهيل والتأجير للجهات الوقفية استعادة قيمة أصولها دون الإخلال بطبيعتها الوقفية.

 الحماية القضائية والتوثيقية، بتفعيل دور النيابة الوقفية في الدعاوى التي تمسّ الأموال الوقفية، وتطوير آليات التقاضي بما يُيسّر استرداد الأملاك الوقفية المُغتصَبة أو المُتجاوَز عليها، لا سيما في ظل الفراغات القانونية التي خلّفتها سنواتُ الأزمة السورية المتطاولة.

رابعاً – استثمار المال الوقفي … حين تُصبح المرونة مصنعاً للنور.

في الفقه الإسلامي الكلاسيكي، كان الاستثمارُ الوقفي يعني في الغالب تأجيرَ العقار وتوزيع ريعه، أما في عالم اليوم، فقد تجاوزت آفاقُ الاستثمار الوقفي هذا الأفق البسيط لتستوعب منظومةً من الأدوات المالية والمؤسسية التي تحوّل الوقفَ من ثروةٍ نائمة إلى قاطرةٍ تنموية فاعلة.

ومن أبرز هذه الآليات المُجرَّبة عالمياً والقابلة للتطبيق في السياق السوري:

– الصكوك الوقفية: وهي أوراقٌ مالية إسلامية تصدر بضمانة الأصول الوقفية أو ريعها، تُتيح لصغار المدّخرين المشاركةَ في تمويل مشاريع وقفية كبرى، في انتقالٍ رائع من ثقافة “وقف المليونير” إلى ثقافة “وقف الجميع”.

– نظام البناء والتشغيل والتحويل: بموجبه تُمنَح قطعةُ أرضٍ وقفية لمستثمرٍ من القطاع الخاص يُقيم عليها مشروعاً ويُشغّله لمدةٍ محددة ثم يُعيده وقفاً قائماً ومُدرّاً للريع، وقد أنجح نظامُ الأوقاف في كلٍّ من الكويت وماليزيا وتركيا نماذجَ مضيئة في هذا الاتجاه.

– الشراكة مع صناديق التنمية: إذ يُمكن للوقف أن يدخل شريكاً في صناديق استثمارٍ مختلطة تضمّ رأسَ مال حكومياً وخاصاً وأهلياً، مع ضمانات بعدم المساس بأصل الوقف، مما يُضاعف العوائد دون تعريض الجوهر للخطر.

– الوقف العيني المُستأجَر: حيث تُستثمر الأصولُ العينية المنقولة … من مركباتٍ وآلياتٍ ومعداتٍ ومخزوناتٍ تجارية … في نشاطٍ اقتصادي منتِج، بدلاً من أن تتقادم وتُهمَل داخل المخازن الوقفية.

خامساً – الوقف الرقمي … النهر الذي يجري في عروق الزمن الجديد.

يفرضُ الاقتصاد الرقمي نفسَه على كل مؤسسة تريد أن تبقى حيّة وفاعلة، والوقفُ ليس استثناءً من هذا القانون الحضاري الكوني، وثمة جملةٌ من المقترحات الرقمية التي لا تبدو رفاهيةً استشرافية بل ضرورةً عملية ماسّة:

– منصاتُ الوقف الإلكتروني، التي تُتيح للمواطن أينما كان … في دمشق أو برلين أو أبوظبي أو ساو باولو … إنشاء وقفٍ نقدي عبر الإنترنت بعملياتٍ مُشفَّرة وشفافة تُسجَّل على الفور وتُتابَع آنياً.

– تقنية البلوك تشين في توثيق الأوقاف، التي تضمن ثباتَ السجلات الوقفية وعدم تزويرها أو التلاعب بها، وتُحصّن الحقوقَ الوقفية من الضياع في زمن الأزمات والحروب.

– الذكاءُ الاصطناعي في إدارة الريع وتوزيعه، بما يُلغي البيروقراطيةَ الورقية ويُسرّع وصولَ المنفعة إلى مستحقّيها بدقةٍ تفوق ما تُتيحه الأنظمة اليدوية.

– الخريطةُ الوقفية الرقمية، التي تُوضّح بصرياً وجغرافياً كل العقارات والأصول الوقفية في الجمهورية العربية السورية، مدعومةً بنظم المعلومات الجغرافية GIS، وهي أداةٌ لا غنى عنها في مرحلة إعادة الإعمار وتوزيع الأدوار التنموية.

سادساً – أوقافُ الموحّدين الدروز في سورية … تاريخٌ يستحق نهراً من البركة.

في المشهد الوقفي السوري، تحتلّ أوقافُ الطائفة الدرزية … أو كما يُفضّل أبناؤها تسميةَ أنفسهم “الموحّدين الدروز”  … مكانةً خاصةً تمزج بين العمق التاريخي والحساسية الروحية والتركيب المجتمعي الفريد، فمجتمعُ الموحّدين في جبل العرب بالسويداء وريف دمشق وريف إدلب والقنيطرة يمتلك إرثاً وقفياً متراكماً من مجالس ومواقف ومزر  ومقامات دينية وأراضٍ وعقارات، تعود بعضُها إلى ما قبل العهد العثماني، وتحمل في طيّاتها قصصَ الأجداد ودماءَ الثوار ودعاءَ العُبّاد.

غير أن إدارة هذا الإرث ظلّت تفتقر إلى الهيكلية المؤسسية المتكاملة، وقد تصادمت مع إشكالياتٍ عدة أبرزها … التداخلُ بين الوقف الأهلي غير الرسمي والممارسات التقليدية، وغيابُ الشخصية الاعتبارية الواضحة للإدارة الدينية الدرزية في بعض المراحل، وضعفُ التوثيق التاريخي للوقفيات القديمة.

سابعاً – القرار رقم 101 لعام 2014… باب جديد أم حاجزٌ مقنّع؟

أصدرت وزارةُ الأوقاف السورية القرارَ رقم 101 لعام 2014 الذي نظّم إدارة أوقاف الطائفة الدرزية، وقد منح هذا القرارُ مشروعيةً لمشيخة العقل بإدارة الوقف وفق خصوصيتها، مع بقائها خاضعةً لرقابة الوزارة وإطارها القانوني العام.

بيد أن الواقعَ العملي كشف أن هذا القرار بحاجةٍ إلى تفعيلٍ أعمق وآلياتٍ تطبيقية أكثر نضجاً ومرونة، ومن أبرز المقترحات لتطوير أداء الأوقاف الدرزية وفق هذا القرار وما بعده:

أولاً – تأسيسُ هيئة وقفية موحّدة للموحّدين بإشراف مشيخة العقل: يُمثّلها مجلسُ أمناءٍ يضمّ ممثلين عن مشايخ الدين والأعيان والمختصين القانونيين والاقتصاديين، تتولّى وضعَ استراتيجية وقفية شاملة تمتدّ لعشر سنوات، وتُحدّد الأولوياتٍ الاستثمارية والخدمية وفق احتياجات المجتمع الفعلية.

ثانياً – التسجيلُ الشامل والمسح الوقفي: إجراءُ مسحٍ ميداني شامل لكل الأصول الوقفية المسجَّلة وغير المسجَّلة في المحافظات ذات الوجود الدرزي، وإنشاء سجلٍّ وقفي إلكتروني موحّد يرتبط بدوائر السجل العقاري ووزارة الأوقاف، مع تحديثٍ دوري ربع سنوي.

ثالثاً – البرامجُ التعليمية والصحية الوقفية: توجيهُ عوائد الأوقاف نحو إنشاء مراكز تعليمية ومهنية وصحية تخدم المجتمع، لا سيما في ضوء الحاجات التنموية الماسّة التي فرضتها سنواتُ الأزمة السورية، مع إيلاء الأولوية لتأهيل الشباب وتشغيل خرّيجي الجامعات والمعاهد.

رابعاً – نموذجُ الوقف الإنتاجي الزراعي: وهو مقترحٌ خاصٌّ بطبيعة البيئة الجغرافية في جبل العرب، إذ تمتلك المنطقة مساحاتٍ زراعيةً وقفية كبرى يمكن توجيهُها نحو مشاريع الزيتون والعنب والزراعات الخضرية، في شراكةٍ مع التعاونيات الزراعية أو شركات الإنتاج الغذائي، بما يجعل الوقفَ مُنتِجاً لا مُستهلِكاً.

خامساً – الوقفُ الرقمي الدرزي العالمي: إنشاءُ منصةٍ إلكترونية بالعربية والإنجليزية والفرنسية تُتيح لأبناء الجالية الدرزية في المهجر … في أستراليا وكندا والولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية وغيرها من بقاع الأرض … المشاركةَ في دعم الأوقاف في مناطقهم الأصلية، عبر وقفٍ نقدي أو وقفٍ في خدمةٍ بعينها كترميم الدور الدينية ذات الموقع السياحي أو تمويل منح دراسية، مع ضماناتٍ شفافة حول مسار المال وأثره.

سادساً – ربطُ الوقف بمشاريع إعادة الإعمار: في المرحلة القادمة، ستكون الأوقافُ الدرزية مدعوّةً للعب دورٍ محوري في إعادة إعمار البنية التحتية الاجتماعية والثقافية في جبل العرب والمناطق ذات الصلة، وهذا يستوجبُ تأهيلَ الإدارة الوقفية لتتحوّل من إدارةٍ تحافظ على الموجود إلى إدارةٍ تبني المستقبل.

خاتمة … الوقفُ رسالةٌ … والرسالة لا تموت.

في عالمٍ يُغري بالاستهلاك ويُسوّق للفردية ويُمجّد التراكم الشخصي، يبقى الوقفُ الإسلامي فعلَ مقاومةٍ حضارية هادئة، مقاومةٌ لنسيان الآخرين، ومقاومةٌ لزوال الأثر، ومقاومةٌ للمدنيّة التي تنسى أن البُنيانَ الاجتماعي إنما يقوم على ما يَهَبُه الناسُ لا على ما يَحتجزونه.

وفي سورية الجريحة التي تُعيدُ اليوم بناءَ مؤسساتها، يغدو الوقفُ بكلّ صوره وأدواته أحدَ أعمدة النهضة الذاتية التي لا تنتظر منّة الغريب ولا إعانة من بعُدت داره وضاقت همّته، وأوقافُ الموحّدين الدروز تحديداً هي جزءٌ من هذا المشروع الحضاري الأشمل الذي يُعيد ربطَ الماضي بالحاضر ويفتحُ نافذةً نحو مستقبلٍ يستحق أجيالَنا القادمة.

حين يتحوّل الوقفُ من حجرٍ راسخٍ صامت إلى نهرٍ متجدّد الهدير، حين تُصبح الأوقافُ مدارسَ تُعلِّم ومستشفياتٍ تشفي ومشاريعَ تُشغِّل وثقافةً تُنير، عندها فقط يكون الإنسانُ قد أجاب عن سؤاله الكبير … ماذا أتركُ خلفي حين أمضي؟

والجواب ليس بالنُّصُب ولا بالرخام، بل هو في الأثر الذي يجري كالنهر، لا يتوقّف ولا يُسأل لمن يجري …

دامت قيمنا ودام جمالنا ودام وعينا

شارك المقال
اترك تعليقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *