المحامي عامر الخطيب
يشهد المجتمع اليوم تحولات عميقة، تبرز خلالها الحاجة إلى آليات فعالة لفض النزاعات وتحقيق العدالة، لا سيما في المناطق التي تتشابك فيها الأبعاد الاجتماعية والثقافية والدينية مع الأطر القانونية الرسمية، خاصة في الجمهورية العربية السورية، حيث تتجلى فسيفساء التنوع المجتمعي، حيث يبرز نموذجاً فريداً في محافظة السويداء، يتمثل في إحداث مكتب “حلّ النزاعات” ضمن الهيكل الإداري لدار طائفة المسلمين الموحدين الدروز” هذا المكتب يعمل تحت إشراف ورعاية مشيخة العقل، يجسد التوازن والحفاظ على العادات والتقاليد الأصيلة، والسعي نحو تحقيق الأمن الذاتي والاستقرار المجتمعي، لتحقيق التكامل مع المنظومة القانونية للدولة.
إن الحديث عن هذا المكتب ليس مجرد سرد إجرائي لآلية فض نزاعات، بل هو قراءة متعمقة في فلسفة مجتمعية تسعى إلى استدامة السلم الأهلي، وتعزيز قيم التسامح والعدالة المستمدة من إرث السلف الصالح، ففي عالم يتسارع فيه إيقاع التغيير، وتتزايد فيه التحديات، يصبح دور مثل هذه المؤسسات العرفية أكثر أهمية، كونها تمثل صمام أمان يمتص الصدمات، ويقدم حلولاً تتسم بالسرعة والمرونة والقبول المجتمعي.
– تأسيس دار الموحدين الدروز وميلاد مكتب حل النزاعات … رؤية للاستقرار.
تأسست دار الموحدين الدروز في السويداء ككيان يهدف إلى رعاية شؤون الطائفة الروحية والاجتماعية، والحفاظ على هويتها الثقافية والدينية، ومن رحم هذه الدار، انبثقت فكرة إنشاء “مكتب حل النزاعات” كضرورة ملحة لمعالجة الخصومات والخلافات التي قد تنشأ بين أفراد الطائفة والمجتمع بشكل عام، لم يكن هذا التأسيس مجرد إجراء إداري، بل كان استجابة واعية لحاجة مجتمعية عميقة، تهدف إلى توفير منصة محايدة وموثوقة لفض النزاعات بعيداً عن تعقيدات الإجراءات القضائية الرسمية، وتواني السلطة التنفيذية في تنفيذ الأحكام، مع الاحتفاظ بخصوصية الطائفة وعاداتها وتقاليدها الموروثة.
يعمل هذا المكتب تحت إشراف مباشر من مشيخة العقل، التي تمثل المرجعية الروحية والدينية للطائفة، مما يضفي على قراراته وأحكامه قدسية وقبولاً واسعاً بين أفراد المجتمع بالكامل، وقد تولى رعاية هذا الجهد المبارك شيخا العقل يوسف جربوع وحمود الحناوي، اللذان يمثلان رمزاً للحكمة والقيادة الروحية، ويسعيان جاهدين لتعزيز دور الدار والمكتب في خدمة المجتمع.
– آلية عمل مكتب حل النزاعات … منهجية متكاملة لفض الخصومات.
يتبع أعضاء مكتب حل النزاعات منهجية عمل واضحة ومنظمة، تضمن الشفافية والعدالة في التعامل مع كافة القضايا المطروحة أمامه، تبدأ هذه المنهجية بـ الاستماع إلى الشكاوى وتسجيلها بدقة، حيث يتم توثيق كافة التفاصيل المتعلقة بنزاع الأطراف المعنية، هذه الخطوة الأساسية تضمن جمع المعلومات الكافية وتحديد طبيعة الخلاف بدقة.
بعد ذلك، يتم حضور أطراف النزاع وتسجيل أقوالهم بشكل مفصل، مع إتاحة الفرصة لكل طرف لعرض وجهة نظره وتقديم دفوعه وما لديه من أدلة أو شهادات، يتم هذا الإجراء في جو من الاحترام المتبادل، وتحت إدارة أعضاء المكتب الذين يتمتعون بالخبرة والحكمة في التعامل مع مثل هذه المواقف (ومنهم من اجتاز دورة تحكيم قانوني).
تأتي بعد ذلك مرحلة جوهرية تتمثل في محاولة تقريب وجهات النظر بين الخصوم، هنا، يلعب أعضاء المكتب دور الوسيط الحكيم، مستخدمين مهاراتهم في التفاوض والإقناع، ومستندين إلى الأعراف الشريفة الموروثة والقيم والمبادئ الأخلاقية والدينية للطائفة، بهدف الوصول إلى حلول توافقية ترضي جميع الأطراف، هذه المرحلة تتطلب صبراً وحنكة، وقدرة على فهم الدوافع الكامنة وراء النزاع، والبحث عن أرضية مشتركة يمكن البناء عليها لتحقيق الصلح.
إذا ما تم التوصل إلى اتفاق، يتم صدور الأحكام المكتوبة والمصدقة من قبل مقام السماحة (مشيخة العقل) هذه الأحكام، التي تحمل ختم وتوقيع المرجعية الروحية، تكتسب قوة معنوية كبيرة، وتصبح ملزمة لأطراف النزاع، (تحت وازع تطبيق الردع الديني والحرم الاجتماعي) ثم يتم توثيق هذه الأحكام بعناية فائقة، وحفظها في سجلات خاصة، لضمان مرجعيتها وحجيتها في المستقبل.
– تحقيق الأمن الذاتي والاستقرار المجتمعي … غاية المكتب الأسمى.
إن الهدف الأسمى لمكتب حل النزاعات لا يقتصر على فض الخصومات فحسب، بل يتعداه إلى العمل على تنفيذ هذه الأحكام وفق العادات والتقاليد الشريفة الموروثة عن السلف الصالح، هذا الالتزام بالعادات والتقاليد يضمن أن تكون الحلول المقدمة متجذرة في النسيج الاجتماعي للطائفة، ومقبولة من قبل أفرادها، مما يعزز من فرص تنفيذها طواعية ودون الحاجة إلى اللجوء للقوة فقط كما أسلفنا (التلويح بالحرم والبعد الديني، والمقاطعة الاجتماعية).
يسهم هذا النهج بشكل مباشر في استقرار المجتمع وتحقيق الأمن الذاتي والاطمئنان لأفراده، فعندما يدرك الأفراد أن هناك آلية فعالة وعادلة لفض نزاعاتهم، وأن حقوقهم ستُصان وفقاً لقيمهم ومبادئهم، وبالسرعة النوعية (قياساً بطول أمد التقاضي أمام المحاكم) فإن ذلك يولد شعوراً بالثقة والرضا والأمان، ويقلل من احتمالات تفاقم الخلافات وتحولها إلى صراعات أوسع، هذا الأمن الذاتي لا ينفصل عن الأمن العام، بل يغذيه ويعززه، ويخلق بيئة مواتية للتنمية والتقدم.
– بناء القدرات والتنسيق مع الجهات الرسمية … نحو تكامل فعال.
إدراكاً لأهمية تطوير الكفاءات وتعزيز الشراكة مع المؤسسات الرسمية، يحرص مكتب حل النزاعات على إقامة دورات تدريبية وتحكيم قانوني لأعضاء المكتب برعاية شيخي العقل يوسف جربوع وحمود الحناوي. هذه الدورات تهدف إلى صقل مهارات الأعضاء في مجالات الوساطة والتحكيم، وتزويدهم بالمعرفة القانونية اللازمة، مما يمكنهم من أداء مهامهم بكفاءة أعلى، ويضمن أن تكون الأحكام الصادرة عن المكتب مرتبطة بالأعراف ومتوافقة مع الأطر القانونية العامة للدولة.
كما يولي المكتب أهمية قصوى لـ مسك سجلات التوثيق وكافة اللوازم الخاصة بذلك، فالتوثيق الدقيق للأحكام والإجراءات يضمن الشفافية والمساءلة، ويوفر قاعدة بيانات يمكن الرجوع إليها في المستقبل، سواء لأغراض المتابعة أو للبحث والدراسة، هذا التوثيق يعكس احترافية أعضاء المكتب وجديتهم في أداء مهامهم.
ولتحقيق التكامل الفعال بين العرف والقانون، يعمل المكتب على متابعة سير عملية التوثيق والتواصل مع إدارة المحاكم المختصة بالقضايا المنظورة أمام المحكمة لتنسيق المعلومات بما يتوافق مع العرف والقوانين المرعية، هذه الخطوة حيوية لضمان عدم تعارض الأحكام العرفية مع القوانين الرسمية، ولتسهيل عملية الاعتراف المتبادل بين النظامين، إن هذا التنسيق يعكس فهماً عميقاً لضرورة العمل ضمن الإطار القانوني للدولة، مع الحفاظ على خصوصية الطائفة ومكانتها وأعرافها المحفوظة بالصدور (شفهياً ) كالدستور المكتوب.
– تحديات وآفاق مستقبلية.
لا يخلو عمل مكتب حل النزاعات من التحديات، لعل أبرزها يتمثل في تحقيق التوازن الدائم بين مرونة العرف وصرامة القانون، وضمان قبول الأحكام العرفية من قبل جميع الأطراف، لا سيما في القضايا التي قد تتجاوز حدود الطائفة (وما أكثرها) كما أن الحاجة إلى تطوير آليات التوثيق والأرشفة والتدريب المستمر لأعضاء المكتب تظل قائمة، لضمان مواكبة التغيرات الاجتماعية والقانونية.
ومع ذلك، فإن الآفاق المستقبلية لهذا المكتب تبدو واعدة، فمن خلال تعزيز دوره كوسيط فعال، وتطوير قدراته في التحكيم القانوني، وتعميق التنسيق مع المحاكم الرسمية، يمكن لمكتب حل النزاعات أن يصبح نموذجاً يحتذى به في إدارة التنوع المجتمعي، وتحقيق العدالة التصالحية على مستوى الساحة الوطنية. إن استمرارية هذا الجهد، بدعم من مشيخة العقل وأفراد الطائفة والمجتمع، سيسهم بلا شك في تعزيز مكانة السويداء كنموذج للاستقرار والتعايش، ويقدم دروساً قيّمة للمجتمعات الأخرى التي تسعى إلى بناء جسور الثقة والعدالة في بيئات معقدة.
ولا يفوتنا أن نشير الى حسن انتقاء واختيار المرجعية لأعضاء المكتب الذين حباهم الله الملاكات والكفاءات الشخصية بالإضافة للخبرة والمعرفة بالإدارة والإطلاع على الموروث من العادات والتقاليد والأعراف والإستلهام من حوادث الدهر القيم والعبر والحكمة والموعظة، إضافة إلى التزامهم بعمل المكتب متطوعين ومواضبين على فتح بابه أمام المراجعين في أحرج وأدق الظروف وأخطرها (جزاهم الله خيرا).
إن تجربة دار طائفة المسلمين الموحدين الدروز ضمنها مكتب حل النزاعات شهادة على أن الحكمة المستمدة من الموروث، والتقاليد تتلاقح مع الرؤية المعاصرة والتنسيق الفعال لعمل المؤسسات، وتخلق حلولاً مستدامة ورضائية لتحديات المجتمع، وآفاقاً جديدة نحو مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.
دام وعينا ودام جمالنا ودامت قيمنا
