“عندما يكون شيخ العقل مثقفاً حليماً.. حمود الحناوي نموذجاً”

معين العماطوري
معين العماطوري

 بقلم: المحامي عامر الخطيب

في زمن باتت فيه الضوضاء فضيلةً والصراخ حكمةً والاستفزاز فكراً، يغدو المثقف الحليم ظاهرةً شبه معجزة، كمن يُضيء قنديله في عاصفة لا تهدأ، ويصمد ضوؤه في مواجهة الريح لا لأن الريح رحمته، بل لأن القنديل صُنع من معدن أصيل لا تعرف النيران كيف تأكله، وحين أتأمل الوجوه التي صنعت الثقافة الاجتماعية، وأسهمت في نسجها بخيوط الوعي والأناة والعطاء، ومن خلال صحبة الأخيار وأصحاب الشأن، يقفز إلى ذاكرتي وإلى ذهني اسم حمود الحناوي شيخ عقل الموحدين الدروز في الجمهورية العربية السورية، ذلك الرجل الذي جمع بين رجاحة العقل ورقة القلب ووقار الروح وهيبة الحضور، فكان مثالاً نادراً لما يمكن أن يكون عليه المثقف حين يتجاوز حدود المعرفة المجردة ليصل إلى أعماق مجتمعه والإنسانية جمعاء في بهائها الأخلاقي وصفائها الروحي الوجداني.

لقد ورد في الموروث الفلسفي العربي أن “الحلم سيد الأخلاق” وأن العلم والمقام الرفيع من غير حلم كالسيف في يد المجنون، يضرب يميناً وشمالاً دون أن يُميّز بين عدو وصديق، بين حق وباطل، بين ما يبني وما يهدم، وعلى هذه المعادلة الراسخة تقوم شخصية المثقف الحقيقي الذي لا يكتفي بتولي المنصب وامتلاك المعرفة بل يُروّضها ويُهذّبها ويُلبسها ثوب الحكمة التي تجعلها نافعةً لا ضارة، مُقربة لا مُفرِّقة، جاذبةً لا مُنفِّرة، وهذا بالضبط ما يُجسّده حمود الحناوي في كل حضور وكل كلمة وكل موقف تشكّل في مسيرته الروحية والفكرية والاجتماعية والإنسانية الثرية، منذ توليه مقام مشيخة العقل.

 أولاً – الوعي النقدي.. حين تكون المعرفة مسؤوليةً لا استعراضاً.

ثمة نوعان من المعرفة في هذا العالم، معرفة تنتهي عند حدود صاحبها فتُشبع غروره وتُضخّم أنانيته، وتروي نرجسيته، ومعرفة تتجاوز صاحبها لتصبح ملكاً لمجتمعه ورافداً لوعيه الجمعي، النوع الأول ينتج المتعالي الذي يُحوّل ثقافته إلى سلاح للإقصاء والاستعلاء، والنوع الثاني ينتج المثقف الحليم الذي يُحوّل معرفته إلى جسر يعبر عليه الناس من ضفة الجهل إلى ضفة الوعي، ومن ضفة التعصب إلى ضفة الإدراك، ومن ضفة الظلام إلى ضفة النور.

حمود الحناوي ينتمي بلا شك إلى النوع الثاني، فهو لم يجعل من ثقافته وموقعه قلعةً ينعزل فيها عن الناس ويُطل منها عليهم بنظرة الحكيم المترفع، بل جعلها “مضافة”  (مركزها السويداء … سهوة بلاطة) مفتوحة يلتقي فيها مع الجميع، العالم والمبتدئ، الكبير والصغير، الموافق والمخالف، وهذا ما يعنيه الوعي النقدي في أجمل تجلياته، ليس الوعي الذي يرى العيوب ويُشير إليها ويكتفي بذلك، بل الوعي الذي يرى العيوب ويبحث في جذورها ويُفكّر في علاجها ويُقدّم هذا العلاج في روح المسؤولية الحضارية لا في روح التشفي والادعاء.

وقد قال إدوارد سعيد في كتابه “تمثيل المثقف” ما معناه أن المثقف ليس من يشرح الواقع ويُلطّف صورته، بل من يُواجهه ويُسمّي ما فيه ويحمل مسؤولية هذه التسمية، وحمود الحناوي يُدرك هذه المسؤولية ويحملها بكل ما تستلزمه من شجاعة وأمانة (وهذا إرث أهله … دار المصحف والسيف) ما أتذكره عن المرحوم والدي “الشيخ أبو مزيد سليم الخطيب”.  فحين يتناول قضيةً فكرية أو يُحلّل مسألةً اجتماعية، فإنه لا يقف عند سطح الأمور بل يغوص إلى أعماقها، لا يتملق الرأي السائد بل يُقدّم ما يراه حقاً ولو خالف ما يألفه الناس ويرتاحون إليه.

 ثانياً – الاستقلالية الفكرية.. حرية العقل في مواجهة قيود القطيع.

لا شيء أشد خطورةً على الثقافة من التبعية العمياء، تلك التبعية التي تجعل المثقف أداةً في يد توجهات مسبقة وأيديولوجيات جاهزة تُطوّق العقل وتُكبّل الفكر وتُحوّل صاحبها من مبدع مستقل إلى صدى يُردد ما يقوله الآخرون بأصوات أعلى وزخارف أكثر، وقد رأينا في تاريخنا الثقافي العربي كيف أن كثيراً من الشخصيات والأقلام التي بدأت حرة وانتهت أسيرة، وكيف أن عقولاً بدأت نقيةً تحوّلت بالتدريج إلى أدوات خدمة لأجندات لا علاقة لها بالحقيقة ولا بالإنسان.

حمود الحناوي يمثل النموذج المضاد لهذه الظاهرة المؤلمة، فهو من المثقفين الذين صانوا استقلاليتهم الفكرية ولم يساوموا عليها مهما كانت ثمن المساومة مغرياً والضغط عليها شديداً، لا يعني ذلك أنه يعيش في برج عاجي معزول عن التيارات والمؤثرات الفكرية المحيطة به، بل يعني أنه يتعامل مع هذه التيارات من موقع الندّ الواعي لا من موقع التابع المأخوذ، يأخذ ما يراه صالحاً ونافعاً ويترك ما يراه زائفاً أو ضاراً، ويحتفظ في كل الأحوال بقدرته على قول “لا” متى استدعى الموقف ذلك.

وحين نتحدث عن الانفتاح على الثقافات الأخرى كما يُجسّده حمود الحناوي، فنحن نتحدث عن انفتاح بوابة لا اختراقاً لجدار ولا انبهاراً ساذجاً، فهو يستقبل المؤثرات الثقافية الإنسانية المتنوعة ويُثري بها تفكيره وإبداعه دون أن يفقد جذوره الأصيلة في التربة الثقافية العربية الاجتماعية والإنسانية التي شكّلته ومنحته هوية الانتماء، وهذا توازن دقيق يتقنه القلة فقط ممن وهبهم الله بصيرةً نافذة وحسّاً حضارياً راسخاً.

ثالثاً – التواضع المعرفي.. حين يُدرك الواعي المثقف أنه لا يزال في بداية الطريق.

قيل في الحكمة العربية القديمة “علامة العالم أن يقول لا أعلم” وهذه المقولة الجوهرية تحمل في طياتها حقيقة من أعمق ما أنتجه الفكر الإنساني، إذ إن من أدرك سعة المعرفة وعمق البحر الذي تُمثله أيقن أن ما بلغه ليس إلا قطرةً في هذا البحر، وأن ما لم يبلغه أعظم وأوسع مما بلغ، وهذا الإدراك هو ما يُسمّى بالتواضع المعرفي، ذلك الموقف العقلي الإنساني الذي يجعل صاحبه مستعداً دائماً للتعلم والإضافة والمراجعة والتصحيح.

شيخ العقل حمود الحناوي يعيش هذا التواضع المعرفي بعمق وأصالة ووقار، لا تجده يُسدل الستار على الحوار بادعاء اليقين المطلق، ولا يُغلق باب السؤال بمقتضى ما يعرفه، بل تجده في مجالسه ونقاشاته يستمع بانتباه حقيقي لمن هو أصغر منه سناً وأقل منه خبرةً، لأنه يعلم أن الحقيقة قد تخرج من فم طفل وأن الحكمة لا تعرف عمراً ولا لقباً ولا شهرة.

وهذا التواضع لا يُضعف مكانته بل يُعزّزها ويُضاعفها، لأن الناس فطروا على احترام من لا يتظاهر بما ليس فيه ومحبة من يُقرّ بحدوده ويعترف بأنه في طور التعلم المستمر، وقد لاحظ الفيلسوف اليوناني سقراط هذه الحقيقة منذ آلاف السنين حين قال إنه يعلم فقط أنه لا يعلم، فكانت هذه المقولة أعمق الحكمة وأعلاها لأنها جاءت من مكان الأمانة الفكرية الخالصة.

رابعاً – ضبط النفس.. أن تملك عواصفك قبل أن تملكك.

لو أردنا أن نُصوّر ضبط النفس بلغة اللون التشكيلية، لرسمنا بحراً هادئاً على سطحه، لكن في أعماقه تجري تيارات عملاقة لا يعلمها إلا من غاص، فالهدوء الخارجي لا يعني الفراغ الداخلي، بل يعني السيطرة، السيطرة على العاطفة الجارفة وتحويلها من قوة مدمِّرة إلى قوة بنّاءة، من انفجار يُحرق إلى اتقاد يُضيء.

وحمود الحناوي يمتلك هذه السيطرة بما يجعله نموذجاً استثنائياً في زمن بات فيه الانفعال موضةً والغضب شجاعةً والصراخ حكمة، حين تُستفزّ ثوابته الفكرية ومواقفه الراجحة أو تُطعن قناعاته أو يُواجَه برأي مخالف حاد، لا تجد فيه ذلك التشنج الذي يُعمي البصيرة ويُشوّه الحكم، بل تجد ذلك الهدوء الرصين الذي يُتيح للعقل أن يُفكّر والقلب أن يُنصف والكلام أن يبلغ غايته دون أن يحرق الجسور التي بناها الحوار بصبر وأناة.

وهذا ما أشار إليه أنطونيو غرامشي حين تحدث عن الدور المزدوج للمثقف العضوي، أن يكون ناقداً شجاعاً ووسيطاً حكيماً في آن، أن يمتلك حرارة الشهادة للحق وبرودة العقل في تقديمها، وهذا الجمع النادر هو ما يُميّز المثقف الحليم عن سائر أصناف الحضور الثقافي في مجتمعاتنا.

خامساً – الأناة والتروي.. جمال التأمل في مواجهة استعجال الحكم.

قال الشاعر المتنبي في حكمة شعرية لا تشيخ عبر الأجيال.

“رأي الجهول وما يلقى هو الهَوَسُ

والحزمُ أن تمهلَ النفسَ التي وثبتْ”

ففي هذا البيت الجليل تلتقي الشعرية بالحكمة، إذ إن الأناة والتروي ليسا ضعفاً ولا ترددّاً بل هما شكل من أشكال القوة الداخلية التي تُمكّن صاحبها من أن يرى الصورة كاملةً قبل أن يحكم عليها، وأن يفهم السياق الكامل قبل أن يُفتي فيه.

حمود الحناوي يُمثّل هذا الجانب من الشخصية الروحية الاجتماعية الإنسانية الناضجة بأجمل صوره، فهو لا يُسارع إلى الحكم قبل أن يستكمل التأمل، ولا يُطلق الكلمة قبل أن يتأكد من وزنها وموضعها ومآلاتها (رغم استفاظته بالحديث) وهذا البطء المتعمد في الحكم ليس قصوراً في الرأي بل هو احترام للمحيط وللمقام وللحقيقة التي تستحق أن تُعطى من الوقت والتفكير ما يُمكّن من الإمساك بها من جميع جوانبها لا من زاوية واحدة تضيء وتظلم في الوقت ذاته.

وهذه الأناة هي ما تجعل كلامه حين يخرج ثقيلاً بالمعنى، راسخاً في الأذهان، لأن الكلام الذي يُصنع بتؤدة ويُقال في وقته ومكانه المناسبين يترك أثراً لا يمحوه الزمن، بينما الكلام المتسرع يتبخر كما يتبخر رذاذ الماء في وهج الشمس.

سادساً – العفو والتسامح.. عظمة القلب الذي يتسع لما يؤلمه،

في الموروث الصوفي الإسلامي قولٌ جميل مفاده أن أعظم الجهاد هو جهاد النفس حين تميل إلى الانتقام فتُمسك عنانها وتختار العفو، وهذا النوع من الجهاد لا يقدر عليه إلا من امتلك من الروح سعةً ومن القلب اتساعاً يتجاوزان حجم الجرح ومرارة الإساءة، والعفو هنا ليس ضعفاً بل هو أعلى درجات القوة، لأن الضعيف هو من يستسلم للغضب بينما القوي هو من يملك الغضب ويختار بدلاً عنه شيئاً أكبر منه وأبقى أثراً.

حمود الحناوي يحمل في تركيبته الروحية الإنسانية هذه السعة التي تجعله قادراً على الترفع عن الإساءات الشخصية، وتجاوزها ليبقى بصره ممتداً نحو قضايا مجتمعه، القضايا الكبرى التي لا ينفع فيها الاشتغال بصغائر الأمور، وهذا الترفع لا يعني اللامبالاة بل يعني بعد النظر والاختيار الواعي، اختيار ما يستحق الجهد والوقت والطاقة مما لا يستحق، فأن تعفو عن مُسيء لا يعني أنك قبلت الإساءة بل يعني أنك قررت أن تُثمّن وقتك وجهدك بما هو أعلى من البقاء أسيراً لمرارة المواجهة وعقم الجدل الهامشي.

وكم من مثقف كبير أضاع جهداً هائلاً في معارك الهيبة الشخصية وردود الفعل الانفعالية، فأضاع معها ما كان يمكن أن يكتبه ويُقدّمه لمجتمعه من إضافة حقيقية، وحمود الحناوي بوعيه وحلمه يُحرر نفسه من هذا المصير ليبقي طاقته الفكرية والإنسانية محفوظةً لما يستحقها من عطاء وإبداع.

سابعاً – الرزانة والوقار.. هيبة لا تُكتسب بالسلطة بل بالسيرة.

ثمة هيبة تُمنح بالمنصب وتذهب بذهابه، وثمة هيبة تُكتسب بالسيرة وتبقى بعد صاحبها وتمتد حتى تصبح ميراثاً إجتماعياً وإنسانياً يتناقله الأجيال، الهيبة الأولى خادعة زائلة كأنها ثوب مستعار، والهيبة الثانية حقيقية راسخة كأنها جزء من روح صاحبها لا يمكن فصله عنها.

الشيخ حمود يمتلك من هذا النوع الثاني من الهيبة ما يجعل حضوره في أي مجلس ثقلاً محسوساً وهيبة راجحة دون أن يرفع صوته أو يفرض وجوده، تلك الرزانة الطبيعية التي لا تتصنعها ولا تستعيرها من أحد بل تنبع من الداخل كما ينبع الماء من باطن الأرض نقياً دافئاً، وحين يتكلم فإن كلامه يأخذ طريقه إلى أذهان السامعين وقلوبهم لا لأنه صاخب بل لأنه صادق، لا لأنه قوي بل لأنه عميق، لا لأنه مفروض بل لأنه مُقنع.

وهذا الوقار الذي يُلازم شخصية المثقف الحليم هو أثمن الجواهر في تاجه، إذ إنه يجعل كلامه مسموعاً حتى من خصومه، ويجعل حضوره مؤثراً حتى في المواقف التي تكون الحرارة العاطفية فيها في ذروتها، وقد قيل قديماً من يريد أن يكون مؤثراً فليكن هادئاً راسخاً، ومن يريد أن يُحترم فليحترم نفسه أولاً.

 ثامناً – القدرة على الحوار البناء.. تحويل الاختلاف إلى ثروة.

إن من أعظم ما يُميّز المثقف الحليم عن غيره من المثقفين قدرتُه على تحويل الخلاف من حرب كلامية إلى مسيرة مشتركة نحو الحقيقة، فهو لا يرى في المخالف عدواً يجب هزيمته بل يرى فيه إنساناً يحمل زاويةً مختلفة من زوايا الرؤية قد تُضيف إلى مشهده الفكري ما لم يكن يراه من موقعه، وهذا التحوّل في النظرة إلى الاختلاف هو ما يصنع الفارق بين الحوار الذي يُغني والجدل الذي يُفقر.

حمود الحناوي حين يدخل في نقاش يُدار في فضاء اجتماعي أو ثقافي مشحون بالآراء المتنافسة والحساسيات المتعددة، فإنه لا يُحوّل جوهره إلى ميدان معركة بل إلى قاعة تشاور، يستمع ليفهم لا ليردّ، ويسأل ليتعمق لا ليُربك، ويُقدّم رأيه بوضوح لكن في هدوء الواثق لا في ضجيج المنتصر، وهذه الطريقة في الحوار هي ما تجعل الآخرين يخرجون من مجالسته وإن اختلفوا معه وهم يحملون احتراماً وتقديراً لشخصه ومودةً لروحه وإجلالاً لمكانته وإرثه التليد، حتى حين يبقى الاختلاف قائماً في أعماق تفكيرهم.

وقد لاحظ علم النفس الاجتماعي الحديث أن التأثير الحقيقي في الآخرين لا يأتي من قوة الحجة وحدها بل من المزيج العجيب بين قوة الحجة وجمال الأسلوب وصدق النية، وهذا المزيج يُقدّمه حمود الحناوي في كل حوار كأنه صدقة يُخرجها من كنزه الروحي الإجتماعي والإنساني دون أن يشعر المتلقي بالمنّة أو يشعر السامع بالثقل.

 تاسعاً – التأثير الرمزي.. حين يُصبح المثقف مرجعاً لا مجرد صوت.

في كل مجتمع قليل من الأصوات التي تتجاوز أصحابها لتصبح رموزاً يُستند إليها ويُرجع إليها في لحظات الشك والتردد والسؤال، وهذه الرمزية لا تُصنع بالإعلان ولا تُكتسب بالادعاء بل تنبت ببطء في أرض السيرة الحسنة والموروث المعتدل كما تنبت الشجرة الباسقة في أرض خصبة ترويها الأمطار عاماً بعد عام حتى تمدّ ظلالها وتمتد جذورها.

حمود الحناوي بلغ هذه المرتبة الرفيعة من التأثير الرمزي بما يجعله مرجعاً روحياً واجتماعياً أخلاقياً ومعرفياً للمحيطين به، يثق الناس في رأيه لا لأنه يملك شهادات أو منابر (رغم امتلاكه لها) بل لأنه ثبت عبر السنين أن رأيه يصدر من مكان أجمعت عليه الناس، مكان الأمانة والعقل والحكمة الإنسانية الصافية، وهذا النوع من الثقة هو أعمق ما يمكن أن يكسبه مثقف في مسيرته، ثقة لا تُشترى بالمجاملة ولا تُستحضر بالسلطة بل تُنسج ببطء وصبر ومواقف وإخلاص عبر سنوات من العطاء والحضور الصادق.

وكما قال نزار قباني في قصيدته الخالدة بأن الكلمة الحقيقية هي التي تبقى بعد صاحبها وتظل تُخصب الأرض وتُروي العطاش وتُضيء الدروب، فإن تأثير حمود الحناوي من هذا النوع الذي لا يُقاس بمرحلة زمنية محددة بل يمتد عبر الأجيال ويبقى ما بقي المجتمع يبحث عن قدوة ومرجع وصوت يُعلّمه كيف يجمع بين العلم والحلم والتقوى في

عقد واحد متناسق البهاء.

عاشراً – الإبداع المستقر.. ثمرة الروح التي لا تُزعزعها العواصف.

إن الإبداع الحقيقي لا يُولد في الفوضى بل يُولد في الطمأنينة، تلك الطمأنينة الداخلية التي تمنح المبدع مساحةً آمنةً يُفكر فيها ويتأمل ويُنتج دون أن يصرف طاقته الكبرى في معارك الدفاع عن النفس وردود الأفعال المتشنجة، والمثقف الحليم يمتلك هذه الطمأنينة الداخلية كميزة جوهرية تُمكّنه من الاستمرار في عطائه الفكري والإبداعي حتى وسط الأعاصير والتقلبات.

حمود الحناوي يحمل في أعماقه هذا الاستقرار الروحي الذي لا تُزعزعه موجات الإثارة ولا تُقلقه تقلبات المزاج الثقافي العام وعوارض الواقع المعاش، يُنتج ببطء ورسوخ، يُضيف دون أن يُلغي، يتطور دون أن يخسر هويته، يتفاعل مع متغيرات الزمن دون أن يجرفه تيارها، وهذا الاستقرار هو ما يجعل خبرته وحضوره الروحي والفكري متراكماً ومتماسكاً بنيان لبنة على لبنة لا انفجاراً عشوائياً.

وقد أشار الروائي الروسي العظيم دوستويفسكي في كثير من أعماله إلى أن الجمال الحقيقي لا يُولد من الاضطراب بل يُولد رغمه وفوقه وبتجاوزه، وهذا ما يُعلّمنا إياه حمود الحناوي بسيرته الإبداعية الواعية التي تُثبت أن الحلم ليس خمول العقل بل هو القوة التي تُتيح للعقل أن يعمل في أفضل ظروفه وأكثر أحواله إنتاجاً وعطاءً.

خلاصة القول.. شيخ العقل الحليم في مواجهة زمن الإنفلات والضجيج.

في ختام هذه الجولة الفكرية مع ملامح المثقف الحليم ممثلاً في شخصية شيخ عقل الموحدين الدروز حمود الحناوي، يجد المرء نفسه أمام صورة إنسانية مميزة لا تُعبّر عن فرد بل عن رسالة، رسالة مفادها أن الإنسان حين يجمع بين الثقافة والحلم والحكمة والمقام الرفيع، يُصبح أقدر خلق الله على صنع الفارق الحقيقي في مجتمعه، لا بالصراخ ولا باستعراض القوة ولا باحتكار الحقيقة، بل بذلك الحضور الهادئ العميق الذي يُشبه حضور الجبل، ثابت لا يتزعزع، محيط لا يضيق، شامخ لا يتعالى.

إن المثقف الحليم كحمود الحناوي هو صمام الأمان الحقيقي في المجتمعات التي تعيش تحولات حادة وتقلبات متسارعة، وجوده يُذكّر الناس أن ثمة قيماً لا تتغير وأن ثمة أسلوباً في الحياة الإجتماعية والفكرية والإنسانية يعلو فوق ضجيج المرحلة ومتغيراتها. وهو بهذا يُجسّد المقولة التي أحبّها وأتشرّف بترديدها … إن العلم بلا حلم كالشجر بلا ثمر … فالشجر الذي لا يُثمر قد يُوفر الظل لفترة ثم يغدو حطباً، أما الشجر المُثمر فهو الذي يبقى محبوباً ومقصوداً ومحتاجاً في كل موسم وكل جيل.

دامت قيمنا ودام جمالنا ودام وعينا.

شارك المقال
اترك تعليقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *