نبض الزيتون دلالة النص السردي للأديبة السورية ساميا عزام

معين العماطوري
معين العماطوري

معين حمد العماطوري

رئيس تحرير مجلة الشمعة  

صدر عن دار العوام للطباعة والنشر منجز أدبي حمل عنوان “نبض الزيتون” للأدبية ساميا عزام الواقع في أكثر من ثمانين صفحة من القطع الوسط، والذي نوه الناشر أنه، قصة استقت أحداثها من الواقع المملوء بالقهر والخذلان أحياناً والتحدي أحياناً أخرى مشيراً إن المرأة هي الملهمة وقد جمعت بين القوة والصلابة والضعف واللين، ابتلعت دموعها وكتمت غصصها فسارت إلى الأمام رغم عبء المتناقضات…

يعتبر العنوان دلالة على النص السردي، وهو المعروف بالعتبة النصية، لأهمية العتبة النصية أو العنوان في تحديد مفهوم السرد وطبيعته من جهة والدخول إلى متن النص برؤية محددة من جهة ثانية.

إذ يعتبر العنوان العتبة النصية الدالة على المتن بصورة غير مباشرة وهو يحمل دلالات متنوعة ومتعددة، فهو يمنح في الغالب الهوية الدلالية والمقاصد المضمرة، حيث يشير الناقد الدكتور محمد صابر عبيد في كتابه العنوان دالاً شعرياً وهو من منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب – وزارة الثقافة – دمشق 2022 إلى أهمية العنوان بقوله: ((تحظى عتبة العنونة بالموقع الأوّل في فضاء العتبات النصيّة لما تتمتّع به من حساسيّة كبيرة في تشييد معالم النصّ وإقامة بنيانه، وكان للعنونة منذ القديم أهمية على مستوى الحياة العامّة قبل الحياة الأدبيّة والنصيّة؛ إذ لا يمكن لأيّ شيء في الحياة بعامّة أن يحقّق هويّتَه من دون أن يكون له عنوان يحيل على فضائه ومعناه ودلالته ورمزيّته، والعنوان بداية الشيء وسبيله ومقصده ورأسه ودليله ومحطّته الأولى للانطلاق والشروع، ولا طريق إلى بلوغ فهمه وإدراك نيّـته ومعرفة مضمونه ومضمره من غير الاطلاع على عنوانه، ومن ثمّ تلقّي أطروحته على المستوى الدلاليّ والفنيّ والجماليّ)).

يتضح ما سبق أن العنوان هو الرؤية التي تحدد مسار النص السردي ومضمونه سواء في الدلالة النصية أم في السرد الحكائي الواقعي أو التُخيلي أو التراث الشعبي، يقيناً أن العنوان هو الباب لدخول إلى عوالم الكاتب…”نبض الزيتون” عنوان فيه من رجفان القلب وهمومه، وفيه من حكاية الواقع وشجونه، والدلالة في الزيتون الحامل التنوع في المقاصد المباشرة وغير المباشرة، وربما ما يجعل القارئ يكون تصوراً عن معاناة كاتب أو نقل لواقع أراده الكاتب أو الكاتبة الإشارة إليه دلالياً وسردياً…ويؤكد على ذلك المرجع السابق أي الناقد الدكتور محمد صابر عبيد بقوله: ((لذا كان العنوان النصيّ أداة فعّالة للدخول إلى عوالم العنوان وبلوغ مراميه والتوصّل إلى مقاصده المباشرة وغير المباشرة، فشجّعت الدراسات النقديّة الحديثة لأخذ عتبة العنونة –بمعيّة العتبات الأخرى طبعاً- ميداناً للقراءة والبحث والتحليل والتأويل، وصارت الآن ميداناً مستقلاً للدرس النقديّ الحديث يكشف عن منهجيّة المبدع في رسم خريطة نصّه الإبداعيّ وتضاريسه ومضمراته، ويمكن أن يكون جزءاً أساساً من دراسة خطاب النصّ بأكمله على نحو يجيب على أسئلته من النواحي كافّة)).

بالعودة إلى “نبض الزيتون” الذي أرادته الأدبية ساميا عزام أن يكون في دائرة القصة، رغم أنه يقع في سبعين صفحة عدا المقدمة والإهداء، ونحن اليوم نحتفي بهذا المنجز لأهمية ما ورد فيه من الناحية الاجتماعية فقد استأثرت الكاتبة ونقلت معاناة المرأة وطرحت إشكالية اجتماعية واقعية عبرت ما عانت وتعاني المرأة من بعض العادات والتقاليد المجتمعية، بينت بوضوح ظلمين معاً، ظلم الزوج الذي أراد من أم شيماء أن تنجب له طفل بعد أربع بنات، وكأن الطفل من خاصية المرأة وحدها وهي المسؤولة عن ذلك وهذا تقليد ساذج واقعياً، دون البحث في ماهية العلم وتفاصيله ومعرفة أن الرجل هو من يحدد ذلك وفق الدراسات العلمية الحديثة، وهذا الظلم الناتج عن الجهل والتجهيل لمعرفة التفاصيل، وجعلت الظلم الآخر يأخذ دوراً في التعقيد الأكثر إساءة إلى حياة وروح المرأة وما تعانيه، وبالتالي جاء المجتمع مسانداً للرأي المسمى “أم البنات” وهذا ظلم مجتمعي آخر، دون الاهتمام بالحياة والمصائر ومتطلبات العيش الكريم…بل قائم على الانتقاد والمحاسبة.

المفاجأة في القصة “نبض الزيتون” رغم أن تحديد التجنيس للنص قد اختلف مع الكاتبة فيه، فهو فصل من رواية ومشهد متنوع ومتعدد كون الأديبة عزام قسمته إلى ثلاث مشاهد …المفاجأة أن اللحظة التي أرادت أم شيماء أن تأخذ حقها من ذاك الرجل المستبد، كان حكمه أقوى برمي الطلاق عليها…لتبدأ حكاية جديدة وانطلاقة نحو الحياة والتأكيد على صراع البقاء وتجسيد معاناة المرأة الأصيلة المحافظة على نفسها وأسرتها وهي ميزة تميزت بها معظم النسوة في جبلنا الأغر.

لعل هاجس القص لا يقل إلحاحا عن الرغبة في تلقي القص، ولعل المتعة التي يعيشها السارد لا تقل أبداً عن المتعة التي يعيشها المتلقي، ذلك أن السارد والمتلقي معا يعيدان صياغة الحياة بالطريقة التي يشتهيانها، الأول من خلال امتلاك القدرة على خلق الحياة بما في الحياة من عناصر مختلفة. والثاني بتمثله لهذه الحياة، وإغنائها برؤية إضافية تتناسب مع قدرته على التخيل.

ولم يكن هاجس القص هذا ليولد عرضا في نزعات الإنسان الأولى. فلقد كان سبيل الإنسان للتواصل مع الآخرين من جهة، ووسيلة من وسائل فهم ما يحيط به، وتفسيره واتخاذه مثلا حينما يصلح أن يكون واقعاً من جهة ثانية.

والأكثر من هذا وذاك رغبة البوح التي تلح على صاحبها فتجعله أسيراً لها أحياناً، منساقاً إليها على الرغم من وجود معوقات البوح. ولئن كان بوح نوعٌ من الشكوى فإن أشكال البوح متعددة وفي مقدمتها القص، ومما يسعف الإنسان في عملية القص خياله الجامح ينزع إلى إراحة صاحبه في كشف الحقيقة أو ما يعتقد أنه حقيقة ” والحقيقة هنا كما يذهب إليها الدكتور عبد الملك مرتاض في كتابه نظرية الرواية ً ص 167، أدبية لا تاريخية، وإبداعية لا واقعية وذلك على الرغم من أنّها تجسد عصراً أو مجتمعاً أو أناساً كأنهم أحياء يرزقون”.

من كل ذلك نريد الوصول إلى نتيجة هامة وهي أن القصة جذرها حكايات، صاغها مبدعها في زمن لا نستطيع تقديره، ثم تناقلتها الألسن، فأصابها التطوير والإطالة، والحذف والزيادة، بما يتناسب مع طبيعة البيئة ومتلقي الحكاية، ومؤلف هذه القصص ليس واحداً، وإنما نشأت عبر الحكايات بتراكم أحداث الموروث الشعبي اجتماعي، إذ يرمي كل جيل خصائصه وفلسفته وقيمه، ليصبح إنتاجاً جمعياً يجمع الخصائص المشتركة لأجيال متعاقبة.

وإذا كان هذا الرأي يتحدث عن النصوص السردية المكتوبة فإن الأمر نفسه ينطبق على الحكايات المنقولة شفهيا، هذه الحكايات التي كانت الغاية من سردها أساسا تزجيه الوقت، والتسلية غالبا في ليالي الشتاء الطويلة، وما يأتي من دروس أخلاقية في ثنايا الحكايات، لكن في قصة “نبض الزيتون” هي إشكالية مجتمعية واقعية، وبالتالي ختمت الكاتبة قصتها تلك بقولها:

اليوم واليوم فقط نشعر أننا بلا مأوى بلا أرض بلا وطن…

تعانقت أشجار الزيتون لِتَنْشُر ظلها وفيئها على أم شيماء وتحميها من الحرارة والبرودة كما عاملت أشجار الزيتون عُومِلَت وقُدمت لهم الرعاية والمحبة ها هم اليوم يعاملونها بالمثل يقابلون الوفاء بالوفاء والحب بالحب…أعطوها الأمان والنوم باطمئنان دون ضجيج أو قلق…حموها من الحر والقر.. أم شيماء كانت.. ومازالت…فهل سيكونون…

 ولعل السؤال المركزي في هذا المجال: إلى أي حد يستطيع القاص أن يوظف هذا الموروث الشعبي السردي في أعمال قصصية فنية ويسهم في حل الإشكاليات الاجتماعية وظواهرها؟ كما فعلت الأديبة ساميا عزام في منجزها “نبض الزيتون” تاركة المتلقي في مسؤولية إيجاد الحل الناجع في نهاية مفتوحة للنص وبتساؤل فهل سيكونون؟

 وإلى أي حد يستطيع أن يؤهل هذا الخيال الجامح خلق عملا إبداعيا له نكهة الموروث، ولكن بثوب جديد، ولدى القراءة المتأنية للنصوص السردية الحكائية، وبالذات الحكايات الشعبية، فإن التحريك البسيط لمجريات السرد من جهة، والعمل على توظيف الشخصيات من جهة أخرى يخلق أمام القاص فرصاً هامة لإبداع مادة شائقة ومغرية، تقلب الحكاية من مجرد حكي غايته التسلية والترفيه إلى سرد فني له، بالإضافة إلى فنيته غاية بعيدة، يرمي القاص توصيلها للمتلقي شأن كل عمل إبداعي حامل للدلالة.

وهنا عملت القاصة على طرح معاناة المرأة وظلم المجتمع ولعمري هي رمت حجراً في مياه راكدة….

أما كيف يتم هذا التحريك للسرد، وهذا التوظيف للشخصيات فإن ذلك يدخل ضمن إمكانية كل مبدع وقدرته على تحطيم بنية الحكاية، وإعادة تركيبها من جديد بما يتلاءم مع تقنياتها المعاصرة…وأعتقد أن الكاتبة الأدبية والمربية الفاضلة ساميا عزام بذلت جهداً للوصول ما أرادت أن توصل ما ترغب من وراء عملها…

شارك المقال
اترك تعليقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *