بقلم: عامر الخطيب
“ع قد لحافك مد رجليك ” . “عرج الجمل من شفته” . “اللي ما بيعرف بقول كف عدس” .
” لسانك حصانك أن صنته صانك ” . “من شاور الناس شاركها بعقولها” . “إذا استشرت الجاهل اختار لك الباطل” . ” سوء التدبير سبب التدمير”. ” الأمثال عملة الناس” .[1]
أمثال شعبية طالما شنفت آذاننا، منذ نعومة أظفارنا، ولم نعرف حينها أن الأمثال الشعبية فاكهة الحديث وارتكاز الكلمات ، واختصار المعاني وموروث الأهل والاجداد، وجذوة تجاربهم و صدى خبراتهم المُجمع عليها، لندرك الغنى والتنوع والجمال بالامثال الشعبية، بما يشبه اللوحة في اختصار وتكثيف المعنى، وتقديمه للمتلقي كدهشة تُغني عاطفته ومشاعره، وتحاور عقله بومضة محبوكة بدقة، يستسيغها الجميع، لأنها ليست مجرد كلمات، بل هي تكوينات لغوية ووجدانية قصيرة ، تختزل حكمة الأجداد وتجاربهم في عبرة او حكمة لغوية، ليكون كل مثل بمثابة لوحة مصغرة، تحمل في طياتها ألواناً من الحياة، وظلالاً من التجارب، وخطوطاً تحكي قصصاً لا تُنسى.
عندما نتحدث عن اختفاء الأمثال وانسحابها من حياتنا اليومية، فإننا نتحدث عن تآكل وبهتان في ألوان ومفردات ذاكرتنا الجمعية، وتلاشٍ لملامح هويتنا التي صقلتها السنون . لقد كانت الأمثال الشعبية، ولا تزال بمثابة “بصمة روحية” لكل مجتمع، وكائنات حية تتنفس من روح الأرض والإنسان .
أذكر كيف كانت السويداء، ببيئتها الثقافية الغنية، تضج بهذه الأمثال، كل حجر، كل شجرة، كل وجه فلاح وامرأة كان يحمل في طياته حكمةً وموعظة شعبيةً تُقال في حينها ، وفي مكانها المناسب.
هذه الأمثال هي التي شكلت جزءاً من “النسيج السوري المزركش ” والتي أتمنى أن أرسمها كرسالة حضارية لا يجب أن تذوب او تُحبس في قواميس مهجورة، بل يجب أن تتجدد وتتفاعل مع روح العصر ، وإن اختفاء الأمثال الشعبية من أحاديثنا اليومية ليس مجرد فقدان لمفردات بعينها، بل هو بداية لقطيعة أعمق ، مع “المنهج الواقعي المتجدد” الذي يربط ماضينا بحاضرنا ومستقبلنا، ويحافظ على هويتنا، فعندما لا يفهم الجيل الجديد معنى “اللي ما بيعرف الصقر بيشويه”، أو “العين بصيرة والإيد قصيرة”، فإننا نفقد جسراً مهماً للتواصل، ليس فقط على مستوى اللغة، بل على مستوى القيم والتجارب والخبرات الاجتماعية.
هذه الأمثال ” بما تتضمنه من حكم ومواعظ ” هي التي كانت تُربي، تُوجه، وتُشكل الوعي الجمعي و “الصفة الشعبية والإنسانية” التي تمنح أعمالنا بعداً إنسانياً [2]. و تتجلى كمرآة تعكس روح المكان والإنسان فمثلاً، حين يقول أهل السويداء: “اللي ما بيعرف الصقر بيشويه” ، فإنهم لا يقصدون الطائر فحسب، بل يشيرون إلى قيمة الخبرة والمعرفة، وأن الجهل بقيمة الشيء قد يؤدي إلى إهداره ،ان هذا المثل، في جوهره، دعوة للتأمل والتبصر قبل الحكم أو الفعل، ومثل آخر يعكس روح التعاون والتكافل، وهو “يا حافر حفرة السوء لا تعمقها، بتقع فيها” هذا المثل ليس مجرد تحذير من عواقب السوء، بل هو دعوة لبناء مجتمع متراحم، حيث يتجنب الأفراد إيذاء بعضهم البعض، إنه يذكرني بفلسفة الفن الذي يجب أن يكون بنّاءً لا هدّاماً، يجمع ولا يفرق، ويضيء دروب الخير لا الشر، كما أن المثل “اللي ما إلو كبير، إلو تدبير” يعكس حكمة الاعتماد على الذات، والتدبير في غياب الموجه، وهي قيمة أساسية في مسيرة الفنان الذي يشق طريقه الخاص ، لذا أرى أن تدوين وتوثيق الأمثال الشعبية ليس واجباً فحسب، بل هو ضرورة ملحة ،هو بمثابة حفظ لأرشيفنا ولغتنا ولهجاتنا المحلية، يستحسن جمعها ، لا لتُحفظ في متاحف صامتة، بل لتُعرض في معارض حية، يتفاعل معها الجيل الجديد، ويفهم أبعادها الفلسفية والجمالية. ويمكن للإعلام وللفن بكل أشكاله، أن يلعب دوراً محورياً في إعادة إحياء هذه الأمثال، من خلال دمجها في أعمال فنية، أو تحويلها إلى قصص مصورة وأعمال درامية، أو حتى استخدامها في الموسيقى والمسرح، والبرامج المتنوعة.
فالفن رسالة اجتماعية أخلاقية وطنية وإنسانية، قادر على حماية الذاكرة والتراث في زمن تدفق شلالات العولمة، وقادر على تصدير الأمثال الشعبية كتأليف يجمع بين الحكمة والموعظة والبلاغة، بين الماضي والحاضر، كي تُعلمنا “العفوية المطلقة” في التعبير، وتُفجر “منطقة البركان” النفسي فينا، لأن فقدانها يعني فقدان جزء من روحنا، وتشويه لملامح لوحتنا الحضارية.
لنجعل من كل مثل شعبي لوحة فنية تُعرض في أذهاننا، تُضيء دروب أجيالنا، وتُعزز انتمائنا لهذا التراث الغني.
——————————————–
1.سهيل الشعار ” صفوة الصفوة ” تقديم سماحة شيخ العقل يوسف جربوع.
2.سلامة عبيد: “أمثال وتعابير شعبية من السويداء”، منشورات وزارة الثقافة السورية.
