الطب علم وأخلاق، انتماء ونماء… د. إمارة غزالي نموذجًا

معين العماطوري
معين العماطوري

‏بقلم رئيس التحرير- معين حمد العماطوري

‏لم تكن الدكتورة إمارة زيد غزالي، ابنة قرية “ملح” الواقعة في الجنوب الشرقي من محافظة السويداء والمولودة فيها عام 1981، بعيدة عن ارتباطها الانتمائي والإنساني والقيمي والاجتماعي. فقد تربت كغيرها من بنات الريف على مجموعة من القيم الاجتماعية، ضمن أسرة ذات تاريخ وجداني. فجدها (شهاب غزالي) كان حامل بيرق “ملح” في معركة الكفر، وقد قال سلطان باشا الأطرش، القائد العام للثورة السورية الكبرى، عند وصوله إلى المعركة: “النصر بوجه بيرق ملح”.

‏ولم تبخل العائلة في التاريخ المعاصر بتقديم رجالها الأبطال، فها هو (نواف غزالي) يدخل التاريخ بإرادته وانتمائه، بعد أن ثأر لأهل الجبل من الطاغية في خمسينيات القرن الماضي. وجاءت الدكتورة إمارة غزالي لتكون امتدادًا لفعل الأبطال في ميدان العمل الإنساني والطبي، بعد أن ارتوت من عاداتها وتقاليدها بحداثة الفكر وجمال التعبير الوصفي، وارتبطت بمنظومة متكاملة بين الماضي والحاضر.

‏تمكنت من مزج ما اكتسبته في قاعات جامعة دمشق أثناء دراستها للطب البشري (اختصاص جراحة نسائية وتوليد، وحصولها على البورد السوري) مع سلوكها الاجتماعي الأخلاقي. لتقف وقفة عز وفخار في برهة زمنية كانت تذرف فيها دموع الحزن والألم على شقيقتها (فاديا) التي استشهدت أثناء عملها (شهيدة لقمة العيش) جراء عمل إرهابي. لكنها أثبتت رباطة جأش تنم عن ثقافة العقل الحصين والموقف الثابت المتين، فمسحت بيد السلوان آلامها، وانطلقت نحو العمل الإنساني في عيادتها بمدينة صلخد وبلدتها ملح، مقدمة خدمات صحية مجانية، محاولة ترك بصمة مميزة وقيمة مضافة في مسيرتها المهنية ضمن جغرافية المكان الذي تنتمي إليه.

‏لم يكن الطب في عرفها مجرد علم الأحياء الدقيقة ودراسة البنية التشريحية لأعضاء جسم الإنسان وتركيبه ومعرفة أمراضه ووسائل الوقاية والعلاج فحسب. بل إنها، منذ أن أقسمت قسم أبقراط، جعلت من نفسها نموذجًا أخلاقيًا يقدم الخدمات الصحية بوجدانية عالية، في زمن الجشع والطمع والتهافت على المال من قبل أطباء لا حدود لأطماعهم وغاياتهم المادية الرخيصة.

‏برهنت الدكتورة إمارة غزالي عن ثقافة خاصة في ممارسة الطب البشري، جاعلة إياه جزءًا من المعاملة والسلوك، فتفحص وتعالج يوميًا عشرات المرضى، وتسهم في تأمين العلاج ومستلزماته، رغم صعوبة توفير الدواء اليوم في السويداء عامة ومشافيها، واستغلال بعض ضعاف النفوس لحاجة المرضى للدواء المناسب. وآثرت أن تجعل من خدمة مجتمعها وانتمائها هدفًا ساميًا يرقى بمهنة الطب.

‏يذكر أبناء المريض (س. خ) من بلدتها ملح أنها ساهمت في إنقاذ والدهم من مضاعفات مرضية خطيرة كادت تودي بحياته لولا تدخلها الإسعافي وتأمين الأدوية ومستلزمات العلاج المناسب.

‏هذا وتعمل ضمن فريق SAS السويداء المستدامة، وفريق أطباء بلا حدود، إضافة إلى عيادتها في بلدة ملح. ويوم الخميس، تخصّص عيادة في منطقة صلخد، إلى جانب العمليات التي تجريها في مشفى صلخد والمشافي الخاصة.

‏يشيد الدكتور عدنان مقلد، رئيس مجلس إدارة جمعية أصدقاء مرضى السرطان، بالدكتورة إمارة غزالي، قائلًا: “إنها تعمل بروح الفريق الطبي، وتسهم في تخفيف معاناة كثير من أفراد المجتمع، خاصة على الصعيد المادي. لقد اتخذت طريقًا مميزًا بتقديم الخدمات بالمجان بشكل كامل، سواء في العيادة أو في المنزل عبر الفريق الذي تعمل معه”.
‏ونوه الدكتور مقلد أن الزميلة الدكتورة إمارة أثبتت وجودها خلال فترة وجيزة باختصاصها العلمي ومهنية عالية، وتسعى دائمًا لخدمة المريض بمتابعة وحرص على تطور العلاج والتوصل إلى الشفاء، الذي ترغب به لجميع مرضاها كأي طبيب يؤمن بما أقسم به أمام نفسه وخالقه.

‏الجدير بالذكر أن الدكتورة إمارة غزالي تخرجت من جامعة دمشق عام 2016، وحصلت على البورد السوري باختصاص التوليد والجراحة النسائية. وهي اليوم تعمل بصمت متين، حاملة في قلبها ما يحمله المجتمع المكلوم من معاناة جراء الأحداث الدامية.

‏ختامًا، الدكتورة إمارة هي واحدة من الأطباء الذين يمثلون نموذجًا للقيم والعمل الإنساني، مجسدين أن الطب علم وأخلاق، انتماء ونماء.

شارك المقال
اترك تعليقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *