“رؤية قانونية في تطوير عمل أوقاف الموحّدين الدروز في سورية”

معين العماطوري
معين العماطوري

المحامي عامر الخطيب

نحو منظومةٍ وقفية متكاملة في ظلّ مشيخة العقل والواقع الراهن:

تعتبر أوقاف الموحدين الدروز في سورية رؤية إصلاحية في تطوير العمل الجمعي لتحقيق التكافل والتضامن والإصلاح الاجتماعي، إذ قبل أن تكون الأوقافُ أرقاماً في ميزانيةٍ أو عقاراتٍ في سجلات، هي في جوهرها أمانةٌ ائتمن عليها الأجدادُ الأحياءَ، وائتمن عليها الأحياءُ القادمين، وليس من أداةٍ أجدرَ يحمل هذه الأمانة من مؤسسةٍ تجمع في حضنها روحانيةَ الدين وحكمةَ التراث وشرعيةَ المجتمع … ألا وهي “مشيخةُ العقل” تلك المرجعيةُ الروحية والاجتماعية العليا التي يرى فيها الموحّدون مرآةَ ضميرهم الجماعي ومِقودَ سفينتهم عبر أمواج التاريخ.

من هذا المنطلق ( رغم الإنجازات الملحوظة لدار الطائفة) مازال المشروع يحتاج لأن تتشكّل هذه المقترحاتُ الشاملة عبر ثلاثة محاور كبرى متشابكة كخيوط النسيج – التشريعُ والحوكمة .. والإدارةُ والنزاهة… والاستثمارُ والرقمنة.

 أولاً – المقترحاتُ التشريعية … بناءُ الإطار القانوني المتين.

– تطويرُ القرار 101 لعام 2014 وسدُّ ثغراته، أو استبداله بقانون شامل.

صدر القرارُ رقم 101 لعام 2014 عن وزارة الأوقاف السورية ليشرع الشخصية الإعتبارية للطائفة الدرزية، غير أنه ظلّ إطاراً عاماً قاصراً يفتقر إلى التفصيل الإجرائي الكافي الذي تستحقّه خصوصيةُ هذا المجتمع وعمقُ تركيبته. لذا يُقتَرح إصدارُ قانون مع لائحةٍ تنفيذية مكمِّلة، تعالج ما أهمله القرارُ الأصلي، وتتضمّن:

تعريفاً قانونياً دقيقاً للوقف الدرزي بأنواعه الثلاثة – الوقفُ الديني المرتبط بالمزر والمقامات ودور العبادة، والوقفُ الخيري المتعلق بالتعليم والصحة والإغاثة الاجتماعية، والوقفُ الإنتاجي المرتبط بالأراضي الزراعية والعقارات التجارية،  ومنح “الشخصية الاعتبارية المستقلة” للهيئة الوقفية بما يُخوّلها التقاضيَ باسمها وإبرامَ العقود وفتحَ الحسابات دون وساطةٍ وزارية في كل معاملة، والنصَّ الصريح على ارتباط هذه الهيئة بمشيخة العقل ارتباطاً عضوياً يُرسّخ المرجعيةَ الروحية في الإشراف والتوجيه الاستراتيجي دون أن يُحوّل رجالَ الدين إلى موظفين إداريين.

– حمايةُ الوقفيات التاريخية غير الموثَّقة.

كثيرٌ من الوقفيات الدرزية تعود إلى حقبٍ سابقة للتوثيق الرسمي، موثَّقةٌ في وثائق عرفية أو متوارَثةٌ شفاهياً بين الأجيال، يُقتَرح إصدارُ “مرسومٍ استثنائي” يُتيح تسجيلَ هذه الوقفيات استناداً إلى بيّناتٍ بديلة كالشهادات والخرائط التاريخية (على كامل الأراضي السورية) والوثائق المحلية، مع إخضاعها لمراجعةٍ قانونية دقيقة ضمن مهلةٍ زمنية محددة، ويُقتَرح كذلك إنشاءُ “لجنةٍ تاريخية وقانونية مشتركة”  تضمّ متخصّصين من وزارة الأوقاف ومجلس الدولة وممثلين عن مشيخة العقل، تتولّى إعادةَ تصنيف الأملاك المتنازَع على طبيعتها الوقفية وفق معاييرٍ موضوعية شفّافة،  وتبقى “الحمايةُ الجزائية الرادعة” ركيزةً لا تكتمل المنظومةُ التشريعية بدونها، إذ لا قيمةَ للحقوق المكتوبة في غياب العقوبة المُطبَّقة، لا سيما في مرحلة إعادة الإعمار التي تجعل الأملاكَ المهملة لقيةً سائغة لأصحاب النفوذ والطامعين.

ثانياً – المقترحاتُ الإدارية … بناءُ المؤسسة النزيهة.

– هيكلُ الهيئة الوقفية … الشكلُ الذي يحمل الروح.

يُقتَرح  “هيئةٌ وقفية مركزية” مقرُّها السويداء عاصمةُ جبل العرب (دار الطائفة ) تقوم على ثلاثة مستويات متمايزة الأدوار:

– مجلسُ الأمناء الأعلى برئاسة مشيخة العقل أو من يُفوَّض بذلك، يضمّ نخبةً من رجال الدين ذوي المكانة والمعرفة، ويتولّى رسمَ التوجّهات الاستراتيجية الكبرى وإقرارَ الاستراتيجية العشرية ومراقبةَ الانسجام القيمي لكل القرارات مع مبادئ الطائفة وأخلاقياتها الراسخة، هذا المجلسُ ليس هيئةً تشغيلية، بل هو “ضميرُ المنظومة الوقفية ومرجعُها الأخلاقي” الذي لا يُستغنى عنه في لحظات الاختيار الصعب.

– “مجلسُ الإدارة التنفيذي” المُؤلَّف من تسعة أعضاءٍ بحدٍّ أقصى، يجمعون بين … متخصّصٍ في القانون الوقفي والمدني، ومتخصّصٍ في الاقتصاد والاستثمار، ومهندسٍ عقاري خبير، ومتخصّصٍ في الرقمنة وتقنية المعلومات، وممثلٍ للمجتمعات المحلية في المناطق الدرزية، وممثلٍ لأبناء الجالية في المهجر، وعضوَين من رجال الدين ذوي الاهتمام بالشأن التنموي، ويُشترط في المرشّحين .. السيرةُ النظيفة والخبرةُ الموثّقة … وانعدامُ تضارب المصالح مع أيٍّ من الأملاك الوقفية.

– “الجهازُ التنفيذي المهني” المُعيَّن بمعايير الكفاءة الصارمة، يضمّ مديراً تنفيذياً ومحاسبين قانونيين ومهندسين وقانونيين وتقنيين، يعملون بعقودٍ مهنية وخاضعون لتقييم أداءٍ نصف سنوي وفق مؤشراتٍ واضحة وقابلةٍ للقياس.

– منظومةُ النزاهة … لأن النهرَ الصافيَ لا يخاف المرايا.

النزاهةُ ليست فضيلةً تنتظر أن تُولَد في قلوب الأفراد، بل هي هيكلٌ مؤسسي يجعل الانحرافَ أمراً عسيراً حتى حين تزلّ النوايا، ومن أبرز الأدوات المقترحة لتحقيق هذه الغاية:

– “الفصلُ الصارم بين الصلاحيات” بحيث لا تجتمع في يد شخصٍ واحد صلاحيةُ الإنفاق وصلاحيةُ التوقيع وصلاحيةُ الرقابة، هذا المبدأُ البسيط في صياغته، العميقُ في أثره، هو الحاجزُ الأول بين الأمانة والاختلاس.

– “التدقيقُ الخارجي السنوي” من مكتب محاسبةٍ قانوني مستقل معتمَد، يُقدّم تقريرَه العلني أمام مجلس الأمناء وأمام تجمّعٍ سنوي مفتوح من ممثلي المجتمع، إذ لا رقابةَ أجدى من رقابة الناس على شؤون الناس.

– “التقريرُ السنوي الشفاف” الذي يُنشَر إلكترونياً ويُوزَّع في الإدارة والمجالس الدينية، يتضمّن … قائمةً كاملةً بكل الأصول الوقفية وحالتها وعوائدها، وكشفاً بكل المصروفات وجهاتها ومبرّراتها، وخطةَ السنة القادمة ومؤشرات قياسها.

– “نظامُ الإبلاغ عن المخالفات” عبر قناةٍ آمنة ومحميّة تُتيح لكل مواطنٍ الإبلاغَ عن أي تجاوزٍ دون خشية التبعات، مع التزامٍ مكتوب بمعالجة كل بلاغٍ جدياً وإطلاع صاحبه على نتيجته.

– “إفصاحُ المصالح الإلزامي” إذ يُلزَم كل عضوٍ في مجلس الإدارة بالإفصاح عن أي علاقةٍ أو مصلحةٍ شخصية أو عائلية تمسّ أي ملفٍّ مطروح للنقاش، والتنحّي التلقائي عن التصويت عليه، فالعضوُ الذي يُدير وقفاً تمسّه مصلحتُه الشخصية يُشبه القاضيَ الذي يحكم في قضيةٍ هو طرفٌ فيها.

– نموذجُ الارتباط بمشيخة العقل … الروحُ التي تُحرّك الجسد.

العلاقةُ المُثلى بين الهيئة الوقفية ومشيخة العقل هي علاقةُ “الوصايةِ الروحيةِ والإشرافِ الاستراتيجي” لا التدخّلِ اليومي في التفاصيل، ذلك أن الخلطَ بين الأدوار يُضعف الطرفين … رجلُ الدين الذي ينشغل بالعقود والإيجارات يخسر هيبتَه الروحية دون أن يكسب براعةً إدارية، والإداريُّ الذي يعمل بلا مرجعيةٍ قيمية راسخة يُحوّل الوقفَ من رسالةٍ إلى شركة.

لذا يُقتَرح نموذجٌ واضحٌ من ثلاثة مستويات:

– “الإقرارُ الاستراتيجي” حيث تُقرّ المشيخةُ الاستراتيجيةَ العشرية وتضمن انسجامَها مع قيم الطائفة.

–  “الرقابةُ الدورية” حيث تستقبل المشيخةُ التقريرَ السنوي وتناقشه وتُصدر توجيهاتها بشأنه.

–  “التعيينُ والمساءلة” حيث تحتفظ المشيخةُ بصلاحية تعيين رئيس مجلس الأمناء وإعفائه، وإقرار تعيين المدير التنفيذي وفق معايير الكفاءة المُحدَّدة، هذا النموذجُ يجعل المشيخةَ “ضميرَ المنظومة ومرجعَها”   ويُعفيها من أن تكون ورقةَ توتٍ لقراراتٍ إدارية يجب أن يتحمّل وزرَها آخرون.

ثالثاً – المقترحاتُ الاستثمارية والرقمية … حين يُصبح الوقفُ نهراً من البركة.

– محفظةٌ استثمارية وقفية متنوّعة.

التحوّلُ من نموذج “تأجير العقار وتوزيع الريع” إلى نموذج “المحفظة الاستثمارية المتنوّعة” هو جوهرُ الإصلاح الاقتصادي للوقف، وتتوزّع المحفظةُ المُقتَرحة على أربع قطاعات:

إ – القطاعُ الزراعي والغذائي: وجبلُ العرب بأرضه البازلتية الغنية، وشمسه الساطعة، وهوائه الريحي، وزيتونه العتيق، وكرومه المُورِقة يملك مقوّماتٍ استثنائية، توجيهُ الأراضي الوقفية الزراعية نحو مشاريع إنتاج الطاقة والزيت والعنب والتين والزراعات العضوية المعتمَدة، بالشراكة مع تعاونياتٍ استثمارية وزراعية محلية، يُحوّل الأرضَ الراقدة إلى مصدر ريعٍ مستدامٍ يُعيد توزيعَ عوائده على صحة المجتمع وتعليمه وثقافته.

ب – قطاعُ الإيواء والسياحة التراثية: تحويلُ بعض العقارات الوقفية في مراكز القرى والمدن إلى بيوت ضيافةٍ تراثية تُعبّر عن الهوية المعمارية الدرزية في أصالتها، مما يخدم السياحةَ الداخلية ويُدرّ دخلاً وقفياً متجدّداً ويُروّج لصورة جبل العرب حضارياً وثقافياً في الوقت ذاته.

ج – قطاعُ التعليم والصحة الوقفي: دعمُ إنشاء مدارسَ ومعاهد مهنية أو تطوير مراكز صحية في المناطق المحرومة، بنموذج الشراكة بين الوقف والقطاع الخاص، مما يُحقّق منفعةً مزدوجة … عائدٌ استثماري للوقف وخدمةٌ مباشرة لأبناء المجتمع.

د – صناديقُ الوقف التشاركي الصغير: إطلاقُ صناديق استثماريةٍ بحصصٍ رمزية تُتيح لأبناء الطائفة من محدودي الدخل المشاركةَ الفعلية في الوقف الإنتاجي، مُحوِّلةً ثقافةَ الوقف من امتياز الميسورين وحدَهم إلى حقٍّ يطالُ كلَّ من يريد أن يُودِع أثراً لا تمحوه الأيام.

– المنصّةُ الرقمية الوقفية (1)… جسرٌ بين الجبل والعالم.

في زمنٍ باتت فيه الجاليةُ الدرزية منتشرةً من سيدني إلى مونتريال ومن ساو باولو إلى برلين، وفي معظم بقاع الأرض، يغدو الفضاءُ الرقمي امتداداً طبيعياً لفضاء الجبل، ويُقتَرح إنشاءُ، “منصّةٍ رقمية متكاملة ” تعمل على ثلاثة مستويات:

_ “بوابةُ الوقف الإلكتروني”(2) التي تُتيح لكل شخصٍ … أينما كان على وجه الأرض … إنشاءَ وقفٍ نقدي أو الانضمامَ إلى وقفٍ قائم عبر معاملةٍ آمنة مُشفَّرة، مع نظام تتبّعٍ آني يُظهر له كيف يجري ماله وأين يصل أثره.

_ “الخريطةُ الوقفية الرقمية التفاعلية”(3) المدعومة بنظم المعلومات الجغرافية GIS، التي تُوضّح بصرياً كل الأصول الوقفية في المناطق الدرزية بمعلوماتها الكاملة … الموقعُ والمساحة والحالة والريع وخطط التطوير … هذه الخريطةُ ليست أداةً إدارية فحسب، بل هي شاهدٌ حيٌّ على صدق الإدارة وأمانتها أمام أعين الجميع.

_ “تقنيةُ البلوك تشين في توثيق الوقفيات”(4)  وهذا المقترح الأكثر استشرافاً والأهم عملياً، إذ تضمن هذه التقنيةُ ثباتَ السجلات الوقفية وعدمَ التلاعب بها أو تزويرها، وتُحصّن الحقوقَ الوقفية من الضياع في أزمنة الاضطراب والفراغ المؤسسي التي عرفتها سورية في سنواتٍ عجاف.

– برنامجُ الوقف الشبابي والتدريبي.

لا يكتمل الإصلاحُ الوقفي دون استثمارٍ في رأس المال البشري، فالمؤسسةُ النزيهة الذكية تحتاج إلى كوادرَ مُدرَّبة تفهم روحَ الوقف ومنطقَ العصر معاً، لذا يُقتَرح:

إطلاقُ “برامج تدريبية متخصّصة” لأبناء الطائفة في مجالات … الإدارة الوقفية، والقانون العقاري والوقفي، والاستثمار الإسلامي، والرقمنة المؤسسية …  بالتعاون مع جامعاتٍ وطنية وعربية ودولية. وإنشاءُ “برنامج زمالاتٍ وقفية” يُتيح للشباب المتميّز العملَ لمدةٍ محدودة في هيئاتٍ وقفية ناجحة في تركيا والكويت وماليزيا، ليعودوا حاملين نماذجَ ناجحة قابلةً للتكيّف مع الواقع المحلي والسوري الخاص.

– خاتمة … الوقفُ بين الجبل والأفق.

جبلُ العرب الذي رفع رايةَ الكرامة في وجه الاستعمار، والذي أنجب سلطانَ باشا الأطرش وأبطالَ الثورة وشعراءَ الأرض وفنانيها، لا يستحق أن تنامَ أوقافُه في أدراج الإهمال أو تتناثر في فراغات الفوضى، ويبقى عرضة للإستهداف والتهم (رغم الإنجازات الراسخة التي حققها وبوادر التطوير المقترحة) هو يستحق منظومةً وقفية ترقى إلى مستوى تاريخه وتُكافئ تضحياتِ أجداده ومجتمعه وتُلبّي حاجاتِ أبنائه وأحفاده.

ومشيخةُ العقل التي ظلّت عبر الأجيال صخرةً لا تتزعزع في مواجهة كل محاولات تذويب وصهر أوقاف الطائفة، وبمواجهة كل العواصف على مر التاريخ، هي اليوم أمام فرصةٍ تاريخية … أن تقودَ نهضةً وقفية تجعل من المال الموقوف سلاحاً حضارياً في معركة التعليم والصحة والطاقة والكرامة والمستقبل … لا أن تتركَه حجراً صامتاً يُفتّته الزمنُ في هدوءٍ لا يُسمع صوتُه إلا حين يفوت الأوان.

والأوقافُ في نهاية المطاف ليست عقارات ومبالغ وسجلات، هي ما يقوله الإنسان حين يقف أمام المرآة الكبرى ويسأل نفسَه …  ماذا أتركُ لمن يأتي بعدي؟ والجوابُ الأجملُ والأبقى … أترك نهراً يجري، لا بركةً تتعفّن.

دامت قيمنا ودام جمالنا ودام وعينا

______

(1)- المنصة الرقمية الوقفية: نظام رقمي متكامل أوسع من البوابة، تضم خدمات شاملة، هدفها تفعيل دور الوقف في التنمية المستدامة، عبر حلول تقنية حديثة.

(2) – بوابة الوقف الإلكتروني: موقع أو منصة رقمية على الإنترنت تقدم خدمات الأوقاف للواقفين والمستفيدين والجهات المعنية.

(3) – الخريطة المدعومة بنظم GIS: خريطة تفاعلية تعتمد على نظم المعلومات الجغرافية تتيح تحديد المواقع والحدود وإدارة الممتلكات والأراضي.

(4) – تقنية البلوك تشين: سلسلة كتل رقمية مشفرة تسجل فيها المعاملات في سجل موزع لا مركزي، مرتبطة ببعضها لا يمكن تعديلها أو حذفها، تضمن الشفافية والأمان والثقة.

شارك المقال
اترك تعليقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *