المحامي عامر الخطيب
تعتبر الثقافة الركن الذي يستند عليه المجتمع لنشر تراثه ومورثه وابداعاته المعاصرة المواكبة للحظة، سواء عبر الاجناس الأدبية بأنواعها وانماطها، أو من خلال الدراسات والبحوث والفن بأنواعه ومن خلالهم يعمل على تدوين وتوثيق تاريخه وتراثه.
حين يقف المرءُ أمام لوحةٍ فنية كبيرة، لا يكفيه أن يُدرك جمالَها الأول ذلك الذي يخطف البصر في الوهلة الأولى ويُذهل الحواس بريقاً وألواناً، بل عليه أن يتقدم خطوةً خطوة، أن يُدنيَ نظره من التفاصيل، أن يسأل عن البنية التي أقام عليها الفنانُ صرحَه اللوني، وعن التوازن بين ما هو مرئيٌّ وما هو مُضمَر، وعن العلاقات الخفية التي تربط الضوءَ بالظل والبارد بالحار والهادئ بالمتوثّب، وهكذا بالضبط ينبغي أن يكون تناولُنا للعمل الثقافي في مؤسساتنا … ليس بالإطراء المجاني الذي يُسدل ستارَ الرضا على مواضع النقص، ولا بالنقد العدمي الذي يهدم دون أن يبني، بل بتلك العين الواعية التي ترى بوضوح ما تحقق وما لم يتحقق، وتسعى إلى صياغة رؤية تجمع بين احترام الجهد المبذول وجدوى تشخيص ما يحتاج إلى إصلاح.
من هذا المنطلق تأتي هذه الوقفةُ مع “اللجنة الثقافية في دار الموحدين الدروز بالسويداء” التي تأسست بقرار من “مشيخة العقل” وقفةُ من يُقدّر الأمانةَ الثقيلة الملقاةَ على عاتق هذه اللجنة، ويفهم أن الثقافة ليست رفاهيةً تُزيَّن بها المناسباتُ وتُستدعى في المهرجانات وأيام الرخاء، ثم تُوضع في صناديق الذاكرة حتى الموسم القادم، بل هي “نَفَسُ الجماعة وبوصلتها وسلاحها” في مواجهة كل ما يُهدد هويتها ويُضعف انتماءها ويُفقدها الإحساس بعمق جذورها.
جذور الثقافة التي تيمّن بها سماحة الشيخ يوسف جربوع وسماحة الشيخ حمود الحناوي إقتداءاً وتأسيّاً بعهد التنوير عند أهل التوحيد العالق في الأذهان والنابض بالضمير والوجدان، عهد الخليفة الفاطمي “الحاكم بأمر الله” وتأسيسه “دار العلم” المعروفة (بدار الحكمة) عام 395 هجري/1004م التي تعد بإجماع المؤرخين من أعظم المؤسسات العلمية بالتاريخ السابقة لعصرها والفريدة في العالم، لأنها “أول مكتبة عامة مفتوحة مجاناً في التاريخ” والتي تجمع بين المكتبة والمرصد والتعليم المجاني في آن واحد، وهذا ما لم تعرفه الحضارة الغربية إلا بعد قرون طويلة، الحاكم الذي أتاح للعلماء “رواتب شهرية منتظمة” فكان بذلك أول من أسس لمفهوم “رعاية الدولة للمثقف” وآمن بأن “العقل أعلى تاجٍ تضعه السلطة على رأسها”.
أولاً – اللجنة الثقافية … الأمانة والمعنى.
لفهم دور اللجنة الثقافية في دار الموحدين فهماً حقيقياً، لا بد من استحضار السياق الذي تعمل فيه، السويداءُ ليست مجرد جغرافيا جبلية جنوبية، بل هي “نسيجُ حضاري متجذّر” يمتد في أعماق التاريخ ويتشابك فيه الأثرُ والدم والذاكرة والحكمة. وقد أنجبت هذه الأرض من الشعراء والأدباء والمفكرين والفنانين ما يجعل المسؤوليةَ الثقافية فيها عبئاً جسيماً لا تُوفَّق في حمله إلا الأيدي الواعية والعقول المستنيرة.
اللجنة الثقافية في هذا السياق ليست لجنةً تنظيمية إدارية كغيرها من اللجان، بل هي بالمعنى العميق “حارسةُ الهوية ومُفعِّلةُ الوعي ومُصوِّنةُ الإرث” في مواجهة أمواج تسطيحٍ وتبسيطٍ وابتذالٍ ثقافي تتكالب على مجتمعاتنا من كل جهة، وهذه المهمة تستدعي من أعضائها أكثر من الحضور في الاجتماعات الدورية وتنظيم الأمسيات الموسمية، تستدعي “رؤيةً استراتيجية” تمتد أفقياً لتشمل جميع فئات المجتمع وعمودياً لتتصل بالجذور وتمتد نحو الأجيال القادمة.
إن الأممَ التي فقدت ثقافتها أو أهملتها أو أوكلتها إلى من لا يُحسن رعايتها، تُشبه في نظري تلك الأشجار التي قُطعت جذورها من أسفلها فبدت في النظرة الأولى قائمةً سليمةً يانعةً، ثم لم يلبث أن جاء نسيمٌ خفيفٌ لا يُقلقل الصخر، فأطاحها من أسفلها لأن ما كان يبدو حياةً كان في حقيقته وقوفاً بلا سندٍ ولاجذور وصمودَ خشبٍ منخور.
ثانياً – ما أنجزه الأعضاء … قراءةٌ في ضوء المنجز الحقيقي.
وفاءً للأمانة النقدية الموضوعية، يجب الإقرارُ بأن أعضاء اللجنة الثقافية قدّموا على امتداد مسيرتهم جهوداً جديرة بالتأمل والتقدير، فقد اضطلعوا بتنظيم أنشطةٍ ثقافية متنوعة جمعت الأدباء والشعراء والمفكرين على منصةٍ واحدة، وسعوا إلى إقامة جسورٍ بين الأجيال الثقافية المختلفة في المنطقة، وكان للأمسيات الشعرية والمحاضرات الفكرية التي احتضنتها قاعة “نور التوحيد” في دار الموحدين فضلٌ في إبقاء الجمر الثقافي متّقداً في حدّه الأدنى لسنواتٍ كانت فيها البلاد تمرّ بأقسى اختباراتها التاريخية.
كذلك أسهمت اللجنة في “دعم المبدعين المحليين” ومنحهم منابرَ للتعبير والتواصل، وهو ما يمثّل في منطقةٍ تفتقر إلى البنية التحتية الثقافية المتكاملة إنجازاً لا يُستهان به، وفي هذا الجانب تحديداً، أدركت اللجنة أن المواهب الكامنة في أبناء هذه الجبال تحتاج إلى بيئةٍ محتضِنة قبل أن تحتاج إلى أضواء المنابر الكبيرة.
بيد أن التقدير الحق لهذه الجهود لا يعني التغاضي عن الفجوات والثغرات التي لا يزال كثيرٌ منها قائماً ينتظر من يتصدى له بشجاعة المراجعة وعزم التجديد.
ثالثاً – تشخيص التحديات … لا تُعالج البرامج بالصمت.
يعيش العملُ الثقافي المؤسسي في منطقتنا جملةً من الإشكاليات الهيكلية التي يُمكن استجلاؤها بعين ناقدة منصفة:
– إشكالية الدورية والاستمرارية: كثيراً ما يسقط العمل الثقافي في فخّ الموسمية والمناسباتية، نشاطٌ يُحيي ذكرى، وأمسيةٌ تُصادف محطةً وطنية، وندوةٌ تُنظَّم حين يزور المنطقةَ ضيفٌ بارز، ثم يعود الصمتُ ليُخيّم حتى الموسم القادم، والثقافةُ الحقيقية لا تُبنى في مناسبات، بل تُصنع في الأيام العادية الهادئة التي لا يُضيئها سوى صدق الالتزام واستمرارية العطاء.
– إشكالية الفجوة مع الشباب: لعلّ أخطر ما يُهدد أي مؤسسة ثقافية هو أن تجد نفسها تتحدث لجيلٍ لا يسمعها بلغةٍ لا يفهمها عبر قنواتٍ لا يرتادها، الجيلُ الشاب اليوم لا يقرأ الإعلان المُلصق على جدار النادي، ولا يُتابع البيان الرسمي المُحرَّر بأسلوب إداري جاف، هو يعيش في الفضاء الرقمي، ويتفاعل مع المحتوى القصير الجذاب، ويُشارك ما يُحرّك مشاعره وأسئلته، وما لم تُدرك اللجنة الثقافية هذه الحقيقة وتُعيد على أساسها رسمَ أدواتها وأساليبها، ستظل تعزف لقاعةٍ شبه فارغة من الشباب بينما الحفلةُ الحقيقية تجري في مكانٍ آخر.
– إشكالية العلاقة مع أصحاب الاختصاص: ثمة ثروةٌ بشرية هائلة من الأكاديميين والمتخصصين والباحثين من أبناء المنطقة المنتشرين في الجامعات والمراكز البحثية داخل سورية وخارجها، كثيرٌ من هؤلاء يتوقون إلى الإسهام في التنمية الثقافية لمجتمعهم الأصل، لكنهم لا يجدون الجسرَ الذي يصلهم بالمكان المطلوب، وهذا الغياب يُشبه أن تمتلك مؤسسةٌ صناعية خزّاناً ضخماً من المواد الخام الثمينة دون أن تعرف كيف تستثمره أو حتى أين تجده.
رابعاً – المقترحات … رؤية للتجديد والارتقاء.
استناداً إلى هذه القراءة التشخيصية الواعية، يمكن اقتراح جملةٍ من الرؤى والمقترحات التطويرية التي من شأنها … حين تُعتمد بعزمٍ وتُنفَّذ بمنهجية … أن تُحوّل اللجنة الثقافية من هيئةٍ تنظيمية تقليدية إلى “محرّكٍ حقيقي للنهضة الثقافية” في المنطقة:
أ – إعداد خطة ثقافية استراتيجية سنوية.
لا يمكن للعمل الثقافي أن يُحقق أثراً متراكماً دون “رؤية استراتيجية” تمتد لثلاث أو خمس سنوات، تُحدد فيها المحاور الكبرى التي يُراد تأصيلها، والفئات التي يُراد الوصول إليها، والمخرجات التي يُقاس بها الأداء، هذه الخطة لا تعني تقييد الإبداع أو تأطير العفوية المُنتجة، بل تعني توجيهَ الطاقات في مجاريها الصحيحة بدلاً من تبديدها في اتجاهاتٍ متفرقة لا تكوّن في مجموعها صورةً متماسكة.
وتشمل هذه الخطة محاورَ ثابتة كالتراث الشعري والأدبي لأبناء الجبل، والتاريخ الحضاري للمنطقة، وقضايا الهوية والانتماء، فضلاً عن محاور متجددة تواكب الأسئلة الكبرى التي يطرحها الواقع المُتحوّل.
ب – برنامج “مثقفو الجبل” لاستعادة الكفاءات المغتربة.
من أجمل المشاريع الثقافية التي يمكن إطلاقها إنشاءُ برنامجٍ يستدعي بانتظام أبناءَ المنطقة المتخصصين في مختلف الحقول المعرفية … الفلسفة والأدب والتاريخ والاجتماع والاقتصاد والعلوم والفنون … ليُقدّموا محاضراتٍ وورشَ عملٍ وحلقاتٍ نقاشية لأبناء مجتمعهم، هذا البرنامج يحقق هدفين في آنٍ واحد … يُشبع حاجةَ هؤلاء المتخصصين للتواصل مع جذورهم والإسهام في تنميتها، ويُغني المجتمعَ المحلي بأرقى ما أنتجه من عقول.
ج – إضافة مكتبة رقمية وثقافية متكاملة.
العصر الذي نعيشه يُوجب توافرَ “مستودعٍ رقمي” يجمع منتجاتِ الذاكرة الثقافية لمنطقة السويداء وأبنائها … الدواوين الشعرية والروايات والأبحاث والدراسات والمقالات والتسجيلات الصوتية والمرئية للأمسيات والمحاضرات التي مضت دون أن يُحفظ منها شيء يُعتدّ به.
هذه المكتبة الرقمية بالإضافة للمكتبة القائمة “نور التوحيد” التي تم إحداثها من قبل مقام “مشيخة العقل” ستكون “ذاكرةً حيّة” يرجع إليها الباحثون والطلاب والمهتمون في كل زمانٍ ومكان، وهي في الوقت ذاته سلاحٌ ثقافي فعّال في مواجهة كل محاولةٍ لتزوير التاريخ أو طمس الهوية، لأن الحقيقةَ الموثَّقة والمنشورة يصعب إسكاتها أو إنكارها.
خاصة عندما ندرك أن المكتبة ليست خزانة كتب تنام على رفوفها أسفار الحكمة في سبات هاديء، بل هي “روح حيّة” تنتظر من يوقظها ويعيد إليها دفء التواصل مع عقول القراء وأرواحهم ، ومكتبة “نور التوحيد” في دار الموحدين الدروز بالسويداء تحمل في رفوفها أمانة حضارية تستحق أن تعاش لا أن تحفظ فحسب.
يبدأ التطوير الحقيقي ب”الفهرسة الرقمية الكاملة” التي تتيح للقارئ البحث عن أي مرجع عبر هاتفه قبل أن يغادر بيته، ثم “تخصيص ركن للطفل والناشئة” يُحبب اليهم عشق الكتاب منذ الصغر، وركن للمرأة المثقفة وقضاياها، وركن للتراث الجبلي الخاص بأبناء السويداء وشعرائها ومفكريها وفنانيها.
ولا يكتمل التطوير دون “برنامج إعارة منظم” يفتح ابواب المكتبة على مصراعيها للقارئ الباحث والطالب المجتهد والمثقف المتأمل، كي تتحول من مكان إلى “فضاء روحي” يصنع الوعي ويغذي الهوية ويضيء الدرب.
د – ملتقى ثقافي سنوي دوري يحمل اسم المنطقة.
من أعمق الأفكار التي يمكن اقتراحها إطلاقُ “ملتقى ثقافي سنوي” يحمل اسم السويداء أو الجبل أو أحد رموزه الحضارية الكبيرة، يُدعى إليه مثقفون وأدباء ومفكرون من مختلف المحافظات السورية والعالم العربي، ويتناول في كل دورة محوراً ثقافياً وفكرياً جامعاً، مثلُ هذا الملتقى يضع السويداء على خارطة الحراك الثقافي العربي، ويُعيد إليها مكانتها اللائقة كمنطقةٍ مانحةٍ للثقافة لا متلقيةً لها فحسب.
فضلاً عن ذلك، يُوفر هذا الملتقى للمبدعين المحليين فرصةَ احتكاكٍ حقيقية بأقرانهم من خارج المنطقة، مما يُخصّب تجربتهم ويُنمّي أدواتهم ويُوسّع آفاق رؤيتهم، فالتلاقح الثقافي يعمل كما يعمل التلاقح في عالم الطبيعة تماماً … يُقوّي البذور ويُنتج ثماراً أكثر غنىً وأشد مقاومةً لعوامل الجفاف والانحسار.
ه – دعم الكتاب المحلي ونشره وتوزيعه.
يُعاني كثيرٌ من المبدعين في منطقتنا من معضلة النشر، يكتبون ويُبدعون لكنهم يجدون أنفسهم أمام جدارٍ صلد حين يحاولون إيصال منتجهم إلى القارئ، واللجنة الثقافية قادرةٌ على أن تُمثّل “جسرَ النشر والتوزيع” بالتعاون مع دور النشر المحلية والعربية، وبالعمل على إصدار سلاسل ثقافية تحت مظلة دار الموحدين تضم إصداراتٍ للمبدعين الناشئين والمكرَّسين على حدٍّ سواء.
هذا الدعم للكتاب المحلي ليس ترفاً ثقافياً بل هو “استثمارٌ في الذاكرة الجماعية” يُعادل في قيمته الحضارية أي استثمارٍ مادي آخر، بل يتفوق عليه في الأثر الممتد عبر الزمن، فالكتابُ يبقى حين تزول المنشآت، ويتحدث حين تصمت الأفواه، ويشهد على حقبةٍ حين لا يبقى من شاهدٍ آخر سواه.
و – منح الشباب مساحة القيادة الثقافية.
لعلّ أجرأ مقترحٍ يمكن تقديمه هو أن تُخصّص اللجنة الثقافية “هيئةً شبابية موازية” تضم الشباب المهتمين بالشأن الثقافي ممن تتراوح أعمارهم بين العشرين والخامسة والثلاثين، وتُمنح هذه الهيئة صلاحياتٍ حقيقية في اقتراح البرامج والإشراف على تنفيذها واستقطاب جمهورها، ليس بوصفهم معاونين أو مُنفّذين، بل بوصفهم “قادةً ثقافيين” حقيقيين يتعلمون المسؤولية بالممارسة لا بالتلقي.
هذه الهيئة الشبابية ستكون بمثابة حضانة القيادات الثقافية القادمة، وستضمن الاستمرارية التي هي أكبر رهانات العمل المؤسسي، فالمؤسسةُ التي تُربّي خلفاءها من الداخل لا تخشى الانقطاع، وتُشبه تلك الأشجار التي تُلقح تربتها بذاتها فلا يُوقف نموَّها غيابُ المطر.
خامساً – الثقافة ودعم التنمية … الأثرُ الذي يتجاوز الجمال.
ثمة بُعدٌ أعمق في مهمة اللجنة الثقافية يتجاوز الأمسياتِ والمحاضرات والإصدارات، هو البعدُ التنموي الشامل، الثقافةُ الواعية لا تُزيّن الحياة فحسب، بل “تُعيد تشكيل العقول” وتصنع الرؤى وتُحوّل المجتمعات، فالمجتمعُ الذي يعيش ثقافةً حيّة يُفكّر بشكلٍ أعمق ويُدير خلافاته بشكلٍ أكثر نضجاً ويستجيب للتحديات بشكلٍ أكثر إبداعاً.
ولهذا، فإن دعم اللجنة الثقافية للمثقفين وأصحاب الاختصاص والمهتمين بالتنمية ليس دعماً لأفرادٍ بأعينهم بل هو “دعمٌ للمجتمع بأسره” بما يُطوّر من نسيجه الفكري وبنيته القيمية وقدرته على الفهم والتأقلم والإبداع في مواجهة تحديات العصر.
يقول المفكر الإيطالي غرامشي إن كل مجتمعٍ يحمل في داخله مثقفيه العضويين الذين يُترجمون تجربتَه الحياتية إلى وعيٍ نظري وهذا الوعي حين يعود إلى المجتمع في صورة ثقافةٍ حيّة يُغذّي نهضتَه ويُصلب عوده، وليس من مؤسسةٍ أقدر على احتضان هؤلاء المثقفين العضويين وتوفير بيئة نموّهم وتأثيرهم من مؤسسةٍ كدار الموحدين التي تحمل بين جناحيها تاريخَ جماعةٍ عريقة وطموحَ مستقبلٍ يستحق البناء.
سادساً – الثقافة في العصر الرقمي … الفرصة التي لا تنتظر.
يبقى الحديثُ عن العصر الرقمي وتحولاته ناقصاً إذا أغفل ما يمثّله من “فرصةٍ استثنائية” لا مجرد تحدٍّ يُهدد، فالمنصات الرقمية اليوم تمنح الفعلَ الثقافي المحلي قدرةً على الوصول إلى جمهورٍ عالمي لم يكن متاحاً في أي حقبة مضت، أمسيةٌ شعرية تُبثّ مباشرةً عبر الإنترنت تصل إلى أبناء السويداء المنتشرين في القارات الخمس وإلى المهتمين بالثقافة العربية في كل مكان، ومحاضرةٌ فكرية تُحفظ وتُنشر تبقى في متناول الباحثين لعقودٍ قادمة.
لعل المطلوب من اللجنة الثقافية أن تتعامل مع الرقمي لا بوصفه “وسيلةً إضافية” تُستخدم حين تسمح الظروف، بل بوصفه “بيئةً ثقافية جديدة” لها منطقُها الخاص وجمهورها المختلف وأدواتها المتجددة، وهذا يعني توظيفَ بودكاستات ثقافية تحمل صوت السويداء، ومنصاتٍ مرئية تُقدّم تجاربَ المبدعين المحليين، وأرشيفاتٍ رقمية تُحوّل الذاكرة الثقافية إلى رصيدٍ حضاري حيٍّ ومُتاح.
وكما أن الفنانَ الذكي لا يرفض الأدواتِ الجديدة خشيةَ أن تُغيّر أسلوبه، بل يُحسن توظيفها لإغناء تجربته وتوسيع دائرة من يُخاطبهم، كذلك اللجنةُ الثقافية الواعية تُحسن استثمارَ الرقمي دون أن تتخلى عن عمق الرسالة وأصالة المضمون.
ختاماً … الثقافةُ ليست وظيفة بل دعوة.
في مآل الأمور، حين نتأمل ما ينبغي أن تكون عليه اللجنة الثقافية في دار الموحدين الدروز بالسويداء، نُدرك أننا لا نتحدث عن هيئةٍ تُدير نشاطاً موسمياً أو تُنظّم فعالياتٍ اجتماعية راقية، نحن نتحدث عن “دعوةٍ حضارية” في زمنٍ تشتد فيه الحاجة إليها وتعظم فيه المسؤولية الملقاة على عاتق كل من يحمل أمانة الكلمة والمعرفة والجمال.
دعوةٌ إلى بناء إنسانٍ يعرف من أين جاء ويفهم أين هو ويُحسن تصوّر إلى أين يسير، إنسانٌ ينتمي إلى تاريخٍ يفخر به دون أن يُسجن فيه، ويتعامل مع العصر بأدواته دون أن يَذوب فيه ويفقد لونه ورائحته وصوته الخاص.
وللجنة الثقافية في دار الموحدين من الإمكانات العلمية والروحية والإنسانية والحضارية ما يجعلها قادرةً على أن تكون هذا الصوتَ الخاص، صوتَ الجبل الذي لم يُحسن الصمتَ أمام الظلم ولم يُجد التراجعَ أمام التحديات، وعرف دائماً أن أعلى القمم هي تلك التي تستحق الصعودَ إليها لأنها تكشف أوسع الآفاق.
دامت قيمنا ودام جمالنا ودام وعينا
