المفكر الأستاذ الدكتور أحمد برقاوي
كنت قد كتبت نصاً طويلاً عن مشكلة الثقافة العربية المعاصرة، وتساءلت في حينها :
ترى ما الذي يجعل جماعة من البشر، تعد بمئات الملايين أن تطرح على نفسها منذ أزيد من قرن سؤال الهوُية؟
دعوني أعيد السؤال مرة أخري في صيغة مختلفة؟
ما الذي يحمل السوري على طرح السؤال عن هويته في علاقتها بالثقافة؟
سؤال الهوُية المطروح علينا، ليس سؤال منفصلاً عن مفهوم الهوُية فلسفياً، فضلاً إنه سؤال ثقافي بامتياز. فمن ذا الذي بإستطاعته أن يفصل الهوية عن الوعي بالهوية، وعن الثقافة بوصفها أهم عناصر بنية الهوية، ونحن لا نستطيع أن نحلل تلك العلاقات التي ينطوي عليها سؤال الهوُية الثقافية دون التحديد النظري لهذين المفهومين .
الهوُية مفهوماً: ما يتقوم به الشيء، ما يتقوم به الشيء صفة أو صفات أساسية ثابتة لا يكون الشيء المتعين شيئاً إلا بها. إنها الصفات الجوهرية الثابتة التي تقوم بعامل التميز. الهوُية_ إذاً _ بقدر ما هي تعبير عن الثابت، هي في الوقت نفسه تعبير عن الاختلاف، لأنها حقل تمييز، والتمييز هو تحديد الاختلاف.
ولسنا واجدين أية مشكلة ذات شأن عندما يتعلق الأمر بهوية الأشياء والحيوان، فمهما أختلف حول هوياتها يظل الاتفاق هو السائد، فمن ذا الذي ينكر أن النهر مجرى من الماء ينبع من مكان أو أمكنة ثم يصب في مكان آخر، إن صفات ثانوية للنهر قد تميز نهراً عن نهر دون فقدان ماهية النهر كالطول والعرض واتجاه المصب …الخ
بل وحتى لو حددنا الإنسان المجرد دون أصل وفصل من حيث هوُيته الكلية لا يكون هناك اختلاف حتى لو اغتنى بصفات متعددة، فالغنى لا ينفي الاتفاق على تحديد هوُية الإنسان المجردة، كالنطق والتفكير والضحك والإبداع والشعور بالجمال الخ …
يتعقد جوابنا عن الهوية ويغدو مشكلة بسبب ارتباطه بالوعي الهوياتي وبالثقافة. تتحول الهوُية الإنسانية، أقصد هوُية الإنسان إلى مشكلة بسبب وعي الإنسان لتعينه، ووعي تعينه ثقافي بالأصل.
ها هي الذات تحدد هوُيتها بوعيها لذاتها على نحو محدد. الذات هنا ليست مجرد فرد،إنها جماعة تنطوي بالضرورة على أفراد يعون ذاتهم بانتمائهم لهوية الجماعة.
يحول الوعي الذاتي بالهوُية إلى مشكلة حين يصل وعي جماعة من الناس إلى أشكال متعددة من الوعي بالهوُية ويكون هناك اختلاف ونفي متبادل بين الهوُيات الموعى بها، وقد تتحول إلى أساس لتناقضات عميقة تؤدي إلى صراع أيديولوجي سياسي عنفي…إلخ .
وتزداد المشكلة _ أقصد مشكلة الهوُية تعقيداً إذا انطوت الجماعة على عدَّة هوُيات في آن، وإذا انطوت على هوُيات مستيقظة وهوُيات نائمة قابلة للإستيقاظ في شروط محددة. وإذا انطوت على هوُيات سالبة لبعضها البعض.
ولما كان الوعي بالهوُية يتكون تاريخياً ثم يلبس لبوساً لا تاريخياً عند بعض الجماعات فإن أي تناقض بين التاريخ والهوُية، الهوُية التي صارت لا تاريخية فإنه يمهد للتعصب (الهوُياتي) والذي يجعل من كل هوُية متعينة بجماعة عرضة لحشد ما لا حصر له القيل الثقافي الأيديولوجي وغير الأيديولوجي والتعامل معه على أنها حقيقة مطلقة بامتياز.
إن تاريخية الهوُية البشرية، هوُية الجماعة الواحدة يحدد سيرورة التي تفعل الثقافة فهيها الدور الأرأس.
وآية ذلك، أن الكائن الإنساني هو في نهاية الأمر كائن ثقافي، بل إن الثقافة هي نمط الوجود الإنساني، سواءً كانت الثقافة جملة العادات والتقاليد والقيم والمعتقدات، أو كانت جملة المعارف التي يبدعها الإنسان، أو جملة أدوات الحياة التي يستعملها البشر بفضل العلم والتقنية.
ولأن الثقافة على هذا النحو من الشمول، فإنها لا تنفصل عن الهوية كصفة أساسية من صفات الهوية ومرتبطة بالسلوك، فالسلوك الإنساني هو الثقافة، وقد تحققت على الأرض.
الثقافة مرتبط بطريقة التفكير، حتى ليمكن القول دون تردد: إن عقل الفرد هو ثقافته. فالعقائد كلها طريقة تفكير وتظهر في السلوك، والأفكار ثقافة والعلم ثقافة، كل خطاب هو ثقافة، فالعقائد والأفكار والخطابات، تشكل الوعي البشري، فضلاً عما يتوارثه الإنسان من قيم. والثقافة بوصفها وعياً، هي التي تكون الذهنيات الحالة الأبرز على ظهور الهوية الثقافية.
وإذا أخذنا سورية مثالًا، لنطبق عليها أطاريحنا السابقة؛ فالذي نخلص إليه هو الآتي:
كانت سورية المستقلة حديثًا سائرة في طريق الرأسمالية، والرأسمالية تشكيلة اقتصادية – اجتماعية أهم ما ينتج عنها توحيد المجتمع عبر توحيد السوق، وقيام الدولة الرأسمالية بعملية تحطيم البنى ما قبل الرأسمالية، فالإنتاج الزراعي الرأسمالي يحطم العلاقات الفلاحية التقليدية، وما يرافقها من ثقافة قيم وعادات ووعي.
كانت الثقافة الروحية في حالة انفجار في كل مجالات الإبداع من الشعر إلى الرواية إلى الفنون التشكيلية إلى المسرح إلى الفكر.
لقد تحطم طريق التطور الطبيعي السوري في كل مجالات الحياة الإقتصادية والثقافيّة والسياسية. وبخاصة بعد الإستيلاء على السلطة عام 1970؛ لأن إنجاز التقدم التاريخي لم يكن ضمن استراتيجية حكمها، إذ كان هدفها الرئيس هو البقاء في السلطة عبر قوة مسلحة عنفية ذات عصبية ضيقة، وكانت تقيم علاقاتها مع بنى مجتمعية ما قبل الدولة؛ لأن بناء الدولة لا يستقيم مع سلطة ذات عصبية ضيقة تحكم بالقوة.
كان لا بدّ، من أجل تحقيق ذلك، من توفير مؤسسات القوة العنفية منذ السنوات الأولى، فكانت مؤسسة الجيش المعبّرَ الأبرز على استمرار البنية التقليدية الريفية من جهة، والمناطقية والطائفية من جهة ثانية، وداخل هذه المؤسسة نمَت أسوأ ظاهرة عسكرية في تاريخ بلدان العالم، وهي ظاهرة أجهزة الأمن و“سرايا الدفاع” وما شابهها والتي قامت على مبدأ الاستباحة خارج أي سلطة عليها، من استباحة القيم القيم الثقافية بشقيها المادي والروحي.
حين بدأت الثورة السلمية ذات الروح الشبابية غير الطائفية؛ سارع النظام إلى استخدام بنيته الطائفية فورًا بأدواتها العسكرية والأمنية، وانشق جزء من العاملين السنّة في الجيش، ضباطًا وصف ضباط وجنودًا، ولم يطل الوقت حتى انتقل استخدام العنف، كردة فعل طبيعية، إلى جزءٍ من الطائفة السنية. وراحت الحركات السنية وغير السنية تعلن عن سنّيتها في الصراع، عبر الثقافة الدالة عليها.
وكوّن الأكراد البنى المسلحة الكردية بأهداف كردية، ما وجد بعض المسيحيين في “الحزب السوري القومي” الذي هو الآخر صار طائفيًا، والعشائر هي الأخرى كونت ميليشياتها. وهكذا اجتمعت كل البنى بماهياتها الثقافية الدينية الطائفية والإثنية والعشائرية في صراع البنى، ولم تعد الجماعة الحاكمة إلا بنية من هذه البنى التي حافظت عليها، وحالت دون انتصار بنية المجتمع – الدولة، وحفرت قبرها بيدها في الوقت نفسه، بل إن صراع البنى الثقافية أعاد بعض المثقفين، الذين بدا أنهم متحررون من انتماءاتهم البنيوية، إلى بناهم الأصلية وتحولوا إلى مثقفي ثقافة بنى دينية وطائفية وإثنية لهذا كله لابد من تأسيس فهم صحيح لمسألة الثقافة السورية لجعلها عنصر مهم من عناصر الهوية السورية.
إذا انطلقنا من فهمنا السابق الثقافة كتعبير عن جملة علاقات موضوعية تحدد نمط الحياة أو السلوك، كالقيم والعادات والتقاليد والنظرة إلى العالم فإن العالم الرحب يصنع الفرد من طريقة الطهي وعادات الزواج والتعبير عن الأفراح وطريقة التعامل مع الأتراح، وعلاقات الجوار وفض الخصومات اجتماعياً وعادات الثأر وطرق التحية والمعتقدات الدينية إلخ…
ليس المجال الآن الدخول في الجانب الأنتروبولوجي للثقافة. حسبي القول إنه علينا أن لا ننطلق من زاوية رؤية تقدس الثقافة بهذا المعنى الذي أشرت إليه، لأننا في هذه الحالة ننفي عن الثقافة سيرورتها وتناقضاتها ونضفي عليها صفة الجواهر الثابتة التي لا تعرف السيرورة التاريخية، أما الحديث عن الثقافة ا فإننا ننتقل إلى صعيد آخر من الثقافة أنه ذلك النشاط الإنساني المبدع فردياً كان اجتماعياً المرتبط بحب الوطن والدفاع عنه ضد الأخطار الداخلية والخارجية، الدفاع عن تقدمه وازدهاره وحريته، ثقافة كهذه تعبر عن نفسها روحياً وعملياً، أي الثقافة هنا. تتجسد في القصيدة كما في الرواية في الفلسفة كما في العلم.
تتجسد في الطابع الرمزي لأولئك الذين ضحوا بأنفسهم أو عن طريق أفكارهم واكتسبوا صفة الفرادة والبطولة، تتجسد في عالم القيم الذي يخلق الارتباط الحميم بالوطن، وبمشكلاته الحقيقية، إنها ببساطة التعبير الروحي والعملي عن جانب من جوانب الوطن الأساسية.
فالهوية السورية في مرحلتنا الراهنة تعرضت وتتعرض لشتى أنواع السلب، الدولة مما يخلق عطالة وتشاؤماً كبيرين عسيرين من قيام الثقافة، كعنصر أساسي من عناصر تعين الهوية الوطنية مادياً .
بمعنى آخر إن العوامل النابذة للهوية الثقافية السورية حاضرة كممارسة أما العوامل الجاذبة لها فهي التي تحتاج إلى استراتيجيا ثقافة تشمل الثقافة بكل عناصرها.
والتي تسعى لإظهار العوامل الجاذبة عبر الخطاب السياسي والفني الجمالي الأدبي والفكري. إذ ذاك فإنها تساهم في خلق المناخ المشترك لفاعلية أبناء الوطن، وهنا نحدد الثقافة بوصفها عامل انتصار الهوية الوطنية..
إن الحاجة لثقافة وطنية في شروط كهذه، حتى ولو كان الواقع بهذه الصفة الكوميدية_ حاجة مستقبل، ثقافة تبقي على الإنشداد إلىقضية تنهيها مرحلة عرجاء كالتي نعيش، ذلك أن كل جيل قادم سيعاني من مشكلة الهوية
. وعلينا أن نورث الأجيال القادمة زاداً يساعدها على الفعل إن توافرت شروطه تماماً، ولعمري بأن أحد عناصر بناء الإستراتيجيات الثقافية خلق طقوساً سنوية لإحياء ذكرى رموزنا الوطنية السورية:
يجب أن لا ننسى أنه لا انفصال بين الحرية والكرامة والثقافة، والتناقض هو بين الكرامة والاضطهاد ولا يحصل الاغتراب بين الإنسان ووطنه إلا حين تصبح الحياة مستحيلة في وطن لا يؤمن الكرامة والأمن والحرية والخبز لبنيه. إن وطن يؤمن كل ما سبق هو فقط الذي يخلق الشرط الضروري لازدهار الهوية الثقافية.
من هنا فإن الثقافة الوطنية ذات جانب سياسي_ أخلاقي _ قيمي أنها لا تنطلق من الإنسان المجرد، بل من الإنسان بكل تعينه الثري. وطموحه الإنساني.
بقي أن أقول الثقافة الوطنية وهي تسعى إلى تغيير العالم فإنها بالضرورة ثقافة نقدية، نقدية تجاه نفسها من أجل تجديد نفسها دائماً ونقدية تجاه كل مظاهر الخراب والتخريب للمجتمع وللإنسان أي أنها لا تتحرر إلا في حقل الممارسة والتاريخ كصيرورة.
إن النقد هنا ليس مطلوباً لذاته وليس وسيلة عدمية تجاه العالم والأفكار، بل هو المساهمة الايجابية في صناعة العالم.
إذاً الثقافة الوطنية السورية في استراتيجيا خلق الثقافة ليست ثقافة أيديولوجية تقوم على المدح والذم والفن الهابط وأغاني تمجيد الدكتاتور والإحتفاظ بثقافة ماضوية لم تعد قادرة على أن تجيب عن أسئلة الحاجات الجديدة. الثقافة الوطنية هي التي تنتجها نخبة الوطن في كل مجالات الحياة بوصفها نخبة حرّة أولاً وثانياً وثالثاً. الثقافة التي تخلق الذهنية الجديدة والنظرة إلى العالم في سيرورته نحو الحرية.
