منير عكاشة
الفيلسوف المتمرد
نتداول لفظَي «الحداثة» و«المعاصرة» كأنهما شيء واحد، ونمرّ عليهما مرور من لا يرى فيهما إشكالًا. فالحديث في الاستعمال الجاري ما كان جديدًا، والمعاصر ما كان من أهل زماننا. لكنّ تاريخ الأفكار يفرّق بينهما. الحداثة مشروع وعصرٌ نظر إلى نفسه فرأى فيها عصرًا، وطريقة في التفكير يمكن أن تُؤرَّخ وتُناقَش وربما تُتجاوَز. أما المعاصرة فصلةٌ بالزمن لا تقبل التأريخ، لأنها الحاضر نفسه، والحاضر لا تاريخ له: إنه يمضي. و«بين» التي تجمع اللفظين ليست جسرًا نعبره وحسب. هي تقول إن كلًّا منهما لا يُفهم إلا بصاحبه: ورثنا عن الحداثة مطلبًا لم نعد نحسن صياغته كما صاغته، وجاءت المعاصرة تمتحن هذا الإرث، وكثيرًا ما يكون امتحانًا قاسيًا. وغاية هذا النص أن يبيّن أن الحداثة ليست حقبة بقدر ما هي طريقة في النظر إلى الزمن: أن يجعل المرء حاضره مهمّة، وأن يُلزم نفسه بالدليل على ما يعتقد فلا يستند إلى سلطة من خارجه. فإذا جاءت المعاصرة انقلب هذا المطلب على أسبابه، فإذا هو لا يملكها: أسباب تقنية وطبيعية وتاريخية وسياسية. وحينئذٍ لا يعود «البَيْن» فاصلًا من الزمن، بل مقامًا للتفكير والمسؤولية، وهو الفجوة التي لا تلتئم بين ما ورثناه من مطالب وما يعرضه العالم علينا لنفكّر فيه. ولإثبات ذلك نعيد بناء منطق الحداثة، ثم نتتبّع الشكوك والكوارث التي زعزعتها، ثم نسأل ما المعاصر وكيف يُعاش، وماذا يطلب منا.
في الألفاظ نفسها ما يستحق الوقوف. «الحديث» من حدث الشيء إذا وقع بعد أن لم يكن، ولا معنى له إلا بمقابله «القديم»: يقيس الأقرب بالأبعد، ويمدّ خطًّا فيه قبلٌ وبعد. وهذا ما في اللفظ اللاتيني modernus المشتق من modo أي «الآن»، وقد استُعمل في أواخر العصور القديمة ليميّز الحاضر المسيحي من العالم الوثني. أما «المعاصر» فاسم فاعل من عاصَر على صيغة المفاعلة، أي من شارك غيره عصره. هو لا يقول «أحدث من» بل يقول «مع»، ولا يمدّ خطًّا بل يبسط رقعة: رقعة زمن مشترك. وليس هذا الفرق ترفًا صرفيًّا. الحديث يفكّر بالتعاقب والتجاوز، والمعاصر يفكّر بالتجاور والاشتراك. ولعلّ عُسر زماننا كلّه أننا ورثنا معجم التعاقب لنصف به تجربة التجاور: أزمنة متباينة تزدحم في حاضر واحد، وعوالم لم يعد يتلو بعضها بعضًا بل يصطدم بعضها ببعض. ومن قال إننا «بعد» الحداثة فقد ظلّ يتكلم لغتها.
تبدأ الحداثة الفلسفية من مأزق: أن يفقد الإنسان القدوة التي يحتذيها. كانت النهضة ترجع إلى القدماء، أما أنصار الحداثة في القرن السابع عشر، بعد المساجلة التي وقف فيها بيرو وفونتنيل في وجه بوالو، فقد ذهبوا إلى أن الحاضر قد يفضل الماضي لأن المعرفة تتراكم. وهم أقزام على أكتاف عمالقة يبصرون أبعد مما يبصر العمالقة، على قولٍ مأثور من القرون الوسطى أخذوه وردّوه لصالحهم. ورأى هيغل في هذا التحوّل مبدأ العصر كله: فالأزمنة الحديثة هي التي صارت فيها الحرية الذاتية أصل العالم. لم يعد الإنسان يتلقى الحقيقة من تقليد أو وحي؛ صار يمتحنها ويؤسسها ويقيم عليها الدليل. والشك الديكارتي أول أفعال هذا العهد، إذ لا يُبقي من الحق إلا ما ثبت أمام عقل الفرد. ثم جاء كانط فجعل ذلك برنامجًا للحياة المشتركة كلها. ففي جوابه سنة 1784 عن سؤال «ما التنوير؟» قال إنه خروج الإنسان من القصور الذي جنى هو على نفسه به، وأخذ عن هوراس الأمر القائل: «تجرّأ على أن تعلم». والنص لافت لأنه لا يعرّف العصر بمضمون بل بمهمّة. فلمن يسأل: أنحن في عصر مستنير؟ يجيب كانط: لا، بل في عصر تنوير، أي عصر لا يزال يستنير. فالحداثة منذ ولادتها تفهم نفسها سيرورة لم تكتمل.
ولهذا المطلب نتيجة لا ننتبه إليها دائمًا. فالعصر الذي لا يستعير معاييره من عصر آخر، كما يلاحظ هابرماس تابعًا هيغل، لا بدّ أن يستخرجها من نفسه. فهو مضطر إلى أن يؤسس نفسه بنفسه، ومضطر لذلك إلى نقد نفسه بلا نهاية، إذ ليس خارجه من يشهد بأن التأسيس نجح. وقد سمّى هانس بلومنبرغ هذا الوضع أصدق أسمائه: «التوكيد الذاتي». فليست الحداثة عنده لاهوتًا انتقل إلى الدنيا وبقيت بنيته، كما ظنّ كارل لوفيت حين رأى في فكرة التقدم خلاصًا غيّر اسمه. هي جواب مشروع عن مأزق صنعه اللاهوت المتأخر نفسه: إله بلغت قدرته من الإطلاق وسرّه من العمق أن لم يعد العالم يجد فيه مبرّره. وسواء أخذنا برأي لوفيت أم برأي بلومنبرغ، فما يفرّق بينهما هو سؤال الحداثة ذاته: أتقوم بقوتها، أم تعيش على رأسمال لا تملكه وتبدّده؟ الحديث لا يقنع بنفسه، لأنه لا ضامن له سواها.
ويتفرّع هذا المشروع إلى ثلاثة فروع يشدّ بعضها بعضًا. الأول عقلنة العالم، وهو ما سمّاه ماكس فيبر «نزع السحر عن العالم»: لم تعد الطبيعة تعجّ بالقوى والمعاني، وصارت شيئًا يُحصى ويُحسب. قرأ فيها غاليليو كتابًا مكتوبًا بلغة الرياضيات، وطلب بيكون علمًا هو قوة، وانتظر ديكارت أن يصير الإنسان به سيّدًا على الطبيعة ومالكًا لها.
فلم يعد العالم كونًا مرتّبًا لكل ما فيه مقامه، بل حقلًا من الأشياء مبذولًا للمعرفة والتحويل. وقد لمح فيبر الوجه الآخر لهذا التقدم: فالعقلنة تحرّر من قيود التقليد ثم تحبس الناس في «قفص من حديد» من الإجراءات التي لا وجه لها، والعقل الذي أُريد له أن يمنح العالم معنى يوشك ألا ينتج إلا الوسائل. والفرع الثاني تحرير الفرد في السياسة: انتقلت السيادة من الله أو الأمير إلى الشعب، وصارت شرعية الحكم تُستمدّ من عقد، وصارت الحقوق طبيعية لا يجوز التنازل عنها، وصارت الدولة تبرّر وجودها بأنها ضامنتها. والفرع الثالث، وهو أهشّها، فلسفة التاريخ، ولا بدّ من التوقف عنده.
فالحداثة لم تأتِ بأفكار جديدة فحسب، بل أتت بزمن جديد. بيّن راينهارت كوزيليك أنه منذ أواخر القرن الثامن عشر انفصل «مجال التجربة»، وهو ما عشناه وحفظته الذاكرة، عن «أفق الانتظار»، وهو ما نرجوه أو نخشاه. كان المستقبل قرونًا يشبه الماضي في جوهره: تُنتظر الفصول نفسها والنُّظم نفسها والخواتيم نفسها. أما الآن فقد صار المستقبل شيئًا غير التكرار، موعدًا مع ما لم يكن، لا يدلّ عليه الماضي بشيء. وحينئذٍ ظهر «التاريخ» بصيغة المفرد، كأنه شخص كبير يسير بالبشرية كلها، وتصوّره كوندورسيه وهيغل وكونت وماركس، كلٌّ على طريقته، سيرًا له معنى، بمعنيَي الدلالة والاتجاه. وأسرع الزمن، وصارت الجِدّة قيمة. لكنّ من أعلى شأن الجديد حُكم عليه بأن يراه يشيخ باستمرار: فما قام على القطيعة مع سابقه كُتب عليه أن يجد من يقطع معه بدوره. ففي الحداثة قانون يُنهي صلاحيتها؛ لا تثبت نفسها إلا بتجاوز نفسها، ومن تجاوز نفسه لم يعد ما كان.
وهذا القلق تجعله الحداثة الجمالية مادّتها. يعرّف بودلير الحداثة في «رسّام الحياة الحديثة» بأنها العابر والزائل والطارئ، وهو نصف الفن، ونصفه الآخر الأبدي الثابت. فحيث طلب التنوير حقائق راسخة، قبل بودلير الزائل مادةً للجمال: صارت المدينة والحشد والموضة وصدمة الشارع مواضع تجربة جديدة، وصار المطلوب أن يُستخرج الأبدي من العابر. وسيرى فوكو في هذا الموقف بطولةً للحاضر: أن تكون حديثًا ليس أن ترضى بنفسك كما تجري في سيل اللحظات، بل أن تجعل نفسك موضوع عمل شاق. وقد قال ماركس الشيء نفسه على طريقته: في المجتمع البرجوازي «كل ما هو صلب يتبخر». وسمّى أوكتافيو باث المفارقة: الحداثة «تقليد القطيعة»، أي تقليد لا يدوم إلا بأن يقطع مع نفسه. وقد أنهكت الطلائع حركاتها، فلم تعد فكرة أن على الفن أن يمضي قدمًا ويطّرح ما قبله معيارًا يُعتمد. ووصف آرثر دانتو تلك اللحظة، في منتصف الستينيات، بصناديق «بريلو» لوارهول: إذا جاز لشيء مبتذل أن يكون عملًا فنيًّا ولا يفصله عن أصله فرق يُرى، فلا حكاية بعد ذلك تقول ما ينبغي أن يكون الفن. ومن فقدان الاتجاه هذا وُلد الفن المسمّى «معاصرًا». فهو ليس أسلوبًا يخلف الأساليب، بل حال الفن حين لا يملي عليه شيء معناه.
ولا غرابة أن يرى القرن الذي انتصرت فيه المُثل الحديثة ميلاد الارتياب فيها. نيتشه وماركس وفرويد، وسيسمّيهم بول ريكور «أساتذة الارتياب»، هدموا بداهة الذات الشفافة لنفسها: فالوعي الذي حُسب أساسًا صار أثرًا، أثرًا لعلاقات الإنتاج أو لإرادة القوة أو للاشعور. والذات الديكارتية التي أُريد لها أن تكون نقطة ارتكاز كل معرفة تجد في داخلها ما لا تملكه. ويمضي نيتشه أبعد، وفعله يمسّ سؤالنا مباشرة. ففي المقطع المشهور من «العلم المرح» لا يظفر المجنون الذي يعلن موت الإله، بل يقول إنه جاء قبل أوانه، فالحدث ما زال في الطريق ولم يبلغ آذان الناس. كفّ الحديثون عن الإيمان ولم يستخرجوا النتائج. فإذا جفّ منبع القيم، فقدت القيم الحديثة نفسها، من مساواة وتقدّم وحقيقة، سندها، وصارت تعيش على اعتقاد هدمت أساسه. وليست العدمية خطرًا يأتي من خارج الحداثة، بل هي منتهاها من داخلها. وقد أعطى نيتشه موقفه اسمًا من الزمن: أراد أن يكون «غير راهن»، لا في أوانه، يعمل ضد زمنه فيعمل فيه، «لصالح زمن قادم». ومن هنا فكرة أن التفكير في الزمن يقتضي ألّا يكون المرء مطابقًا له كل المطابقة، وسنلقاها ثانية.
وأعطت كوارث القرن العشرين هذا الارتياب وجهًا مأساويًّا. فمنذ سنة 1919 كتب بول فاليري أن الحضارات صارت تعلم أنها فانية: عرفت أوروبا، وقد ظنّت نفسها ذروة التاريخ ومقياسه، أن علومها ومؤسساتها لم تحمها من مذبحة صناعية. وذهب أدورنو وهوركهايمر في «جدلية التنوير» إلى أن التنوير أراد أن يحرّر الإنسان من الخوف بالسيطرة على الطبيعة، فأنتج عقلًا أداتيًّا ينقلب عليه: فالعقلانية الحسابية التي وعدت بالتحرر صارت أداة لإدارة الموت. وبيّنت حنة أرندت كيف أن المجتمع الحديث اقتلع الأفراد من انتماءاتهم ولم يعطهم عالمًا مشتركًا، فصنع جموعًا من البشر الزائدين عن الحاجة، مهيَّئين للإرهاب. ولعلّ إيمي سيزير مضى في التحليل أبعد من هؤلاء حين ذكّر، منذ سنة 1950، بأن الأساليب التي شهدتها أوروبا عام 1933 جُرّبت قبل ذلك قرونًا على الشعوب المستعمَرة.
فالنازية ارتدادٌ: همجية عادت إلى قلب الحضارة التي صدّرتها. وما يسقط بذلك هو الظن بأن العنف حادث عارض خارج الحداثة؛ فهو من تاريخها، أما هل هو من مبدئها فما زال موضع أشدّ الخلاف.
ورأى والتر بنيامين، منذ سنة 1940، ما تفرضه هذه الكوارث على التفكير في الزمن. ففي الأطروحة التاسعة من «أطروحاته في مفهوم التاريخ» يقف عند لوحة لكلي اسمها «الملاك الجديد» فيجعلها ملاك التاريخ. وجهه إلى الماضي، لا يرى فيه سلسلة أحداث بل كارثة واحدة تكوّم الأنقاض على الأنقاض وتلقيها عند قدميه. يريد أن يبقى فيوقظ الموتى ويلمّ شمل المحطَّمين، لكن عاصفة تهبّ من الفردوس تدفعه نحو المستقبل الذي يدير له ظهره، ولا يقوى على مقاومتها، وهذه العاصفة، يقول بنيامين، هي ما نسمّيه التقدم. وقد ذاعت الصورة لأنها قلبت النظرة الحديثة: لم يعد التقدم ما يرفعنا بل ما يجرفنا، ولم يعد التاريخ طريقًا بل ركام خراب. وفيها كذلك بذرة الصورة الفكرية التي يحاول هذا النص وصفها، فالملاك واقف بين بين، عالق في الفجوة التي تحفرها العاصفة بين ماضٍ يريد جبره ومستقبل لا يراه. ولا ينتهي بنيامين إلى العجز. يطلب من المؤرخ أن يمسك بذكرى حين تلمع في ساعة خطر، ويقول إننا أُعطينا قوة مسيحانية ضعيفة، وإن للماضي علينا حقًّا. فما عاد الحاضر منتهى التاريخ؛ بل هو الموضع الذي قد يُسلَّم فيه الماضي، إن لم يُسمع، مرة ثانية إلى النسيان وإلى العدو.
وفي هذا السياق عرّف ليوتار سنة 1979 الوضع ما بعد الحداثي بأنه عدم التصديق بالسرديات الكبرى. فالحكايات الكبرى التي كانت تُقيم للمعرفة والفعل شرعيتهما، من تحرير الجنس البشري إلى تحقّق الروح إلى المجتمع بلا طبقات، فقدت رصيدها، ولم تبقَ إلا ألعاب لغوية متباينة لا مرجع مشتركًا بينها يشهد لها. غير أن المصطلح فخّ. فإن دلّ على حقبة تأتي بعد الحداثة أعاد خطّتها نفسها: تعاقبًا وقطيعة، وكان «ما بعد» ناقضًا لنفسه، إذ يكرّر الفعل الذي يزعم نبذه. وقد فطن ليوتار لذلك، فقال إن ما بعد الحداثة ليس الحداثة في آخرها بل في أولها، في طور الولادة، وإن هذا الطور دائم. فلا يصير العمل حديثًا إلا إن كان أولًا ما بعد حداثي، لأنه يبدأ بزعزعة القواعد قبل أن تتجمّد قانونًا. ويعارض هابرماس من يعلنون نهاية الحداثة، ويقول إنها مشروع لم يكتمل: فنقد جذري للعقل يزعم أنه يقف خارجه يناقض فعله نفسه، لأنه يحتاج إلى الحجج ليقول إن الحجج لا قيمة لها. وأما لاتور فينقلنا نقلة أبعد: «لم نكن حديثين قط». فالحداثة روت عن نفسها أنها عمل فصل بين الطبيعة والثقافة وبين الأشياء والذوات، وهي في الوقت نفسه تكثّر الهجائن التي تنقض هذا الفصل. فإن صحّ ذلك لم يكن تجاوز الحداثة حدثًا في التاريخ، بل كشفًا عن فجوة دائمة بين ما نقوله عن أنفسنا وما نفعله.
فماذا يبقى بعد هذه المساجلات؟ يبقى عُسرٌ في التسمية. سمّت العصور السالفة نفسها بعد انقضائها، أو سُمّيت بمضمونها: العصور الوسطى، النهضة، التنوير. أما نحن فنكدّس السوابق واللواحق: ما بعد الحداثة، فرط الحداثة، الحداثة المتأخرة، الثانية، السائلة، الانعكاسية. وهذا التكاثر عَرَض، ولعلّ «المعاصر» هو الاسم الذي يتخذه العجز عن التسمية. فهو لا يقول شيئًا عن مضمون زماننا؛ يقول فقط إننا فيه، وإننا نتقاسمه، وإنه لم ينتهِ. وفي هذا مشكلة فلسفية حقيقية. كتب هيغل أن الفلسفة عصرها مُدرَكًا بالفكر، ثم أضاف أن بومة مينرفا لا تبسط جناحيها إلا عند الغسق: يفهم الفكر صورةً من الحياة بعد أن شاخت، ولا يستطيع أن يردّ إليها شبابها. فإن كانت الفلسفة لا تفهم إلا بعد فوات الأوان، فكيف نفكّر فيما لم ينتهِ؟ وكيف نعاصر ما نفكّر فيه من غير أن يصير الفكر صدى لما يُقال؟ ليست فلسفة المعاصر فلسفةً للحاضر كما تكون فلسفات أخرى للماضي. عليها أن تفكّر في زمن لم يقع آخره، وأن تقبل ما في ذلك من خطر الخطأ وخطر الاطمئنان.
ومن هنا نصل إلى ما كتبه جورجيو أغامبين عن المعاصر، وهو يمدّ فكرة «غير الراهن» عند نيتشه، وقد استعادها رولان بارت من قبله. وأطروحته مفارِقة: ليس معاصرًا من ينطبق على زمانه تمام الانطباق. فمن يوافقونه في كل شيء، في مطالبه وبداهاته، لا يرونه لأنهم لا يبعدون عنه؛ هم أبناء زمانهم كالسمك في الماء. والمعاصرة صلة فريدة بالزمن، تلتصق به عبر انزياح وتفاوت زمني. والمعاصر هو من يثبّت بصره على عصره لا ليرى أنواره بل ظلمته. ويقترح أغامبين لذلك صورة من علم الفلك: السماء مظلمة في الليل لأن الكون يتمدّد، ولأن ضوء مجرّات تبتعد عنا أسرع من ضوئها لا يصل إلينا أبدًا. فرؤية هذه العتمة ليست رؤية غياب، بل رؤية ضوء يسافر إلينا ولا يقدر أن يبلغنا، أي رؤية ما يسعى في الحاضر إلى الظهور ولا يظفر به. ويتبع ذلك أمر عجيب: تقتضي المعاصرة رجوعًا إلى العتيق. فمن أراد أن يبلغ ما يخفى في الحاضر فعليه أن يسأله من أصوله، لا بوصفها ماضيًا مضى بل بوصفها ما لا يزال يعمل فيه. والمعاصر هو النقطة التي يلتقي فيها ماضٍ لم يمضِ ومستقبل لم يأتِ.
وقد صاغ جاك دريدا هذا التفكّك في أوجز عبارة حين شرح قول هاملت: «الزمن خرج من مفاصله». ففي «أطياف ماركس» يجعل هذا شرط كل تفكير أخلاقي وسياسي. فلو طابق الحاضرُ نفسه، ولو كان كتلة بلا شقّ، لما كان هناك عدلٌ يُنتظر ولا إرثٌ يُتلقّى ولا مستقبل يُفتح، ولما بقي إلا واقع الحال. الحاضر الحيّ لا يعاصر نفسه تمامًا؛ تسكنه الأطياف: ما مات ويعود، وما لم يولد بعدُ ويطالب. ويستخلص دريدا من ذلك تصورًا للإرث يكسر صورة الوديعة التي تُستلم بلا عمل. أن ترث ليس أن تتلقى، بل أن تختار وتنتقي وتؤكّد من جديد، وما نتلقاه يأمرنا أن نفعل ذلك. لا نختار أن نكون ورثة، لكننا نختار ما نصنع بالإرث. والحداثة هي هذا الإرث عندنا: ليست عبئًا نلقيه ولا كنزًا نحفظه على حاله، بل وصية متناقضة علينا أن نؤوّلها.
وقد جعلت حنة أرندت لهذه الفجوة شكل مكان. ففي مقدمة «بين الماضي والمستقبل» تبدأ من عبارة للشاعر رينيه شار: «إرثنا لم تسبقه وصية»، لتقول إن التقليد انقطع ولم يحلّ محله شيء، فما نرثه لم يعد يأتي ومعه ما يبيّن كيف نتصرف فيه. ثم تقف عند مَثَل لكافكا: رجل بين خصمين، ماضٍ يدفعه إلى الأمام ومستقبل يسدّ عليه الطريق، وهو يحلم بأن يقفز خارج ساحة القتال فيصير حكَمًا. وتصحّح أرندت الحلم: ليس هناك موضع للحكَم خارج الزمن، ولكن الفجوة بين الماضي والمستقبل هي نفسها مكان، «حيّز صغير لا زمني في قلب الزمن»، يستطيع الفكر أن يقف فيه وأن يحكم منه. وليست ملجأً، بل هي ما يفتحه صراع القوى الزمنية فينا إذا رضينا بألا يجرفنا الماضي ولا يخطفنا المستقبل. فـ«البَيْن» إذن هو، على وجه التحديد، موضع الفكر من حيث هو فكر. ليس موقعًا وسطًا بين معسكرين، بل شرط كل تفكير لا يكتفي بمصاحبة ما يجري. وفي العربية ما يعين على وصف هذا المقام: فالبَيْن من الأضداد، يكون فراقًا ويكون وصلًا.
غير أن «البَيْن» لا يعني فجوة الحاضر مع نفسه فحسب، بل يعني أيضًا الفجوة بين حاضرات كثيرة. فـ«المعاصر» معناه «مع»، وللمرء أن يسأل: مع من؟ لقد بيّن الأنثروبولوجي يوهانس فابيان في كتابه «الزمن والآخرون» أن علمه أنكر طويلًا معاصرة من يدرسهم: كان يبحث عند أناس يعيشون في زمنه، ثم يصفهم بقايا لطور تجاوزه الغرب. وأعطى ديبيش تشاكرابارتي في «أوروبا إقليمًا بين الأقاليم» هذا المنطق صورته الأبلغ: ألقت التاريخانية الحديثة ببقية العالم في «غرفة انتظار التاريخ»، وقالت لأهلها كلمة واحدة: «ليس بعد». وهكذا أتاح الزمن الخطّي المتقدّم للحديث أن يكون كونيًّا بشرط أن يضع غيره في الماضي. فصار لفظ «المعاصر» محمّلًا برهان سياسي: أن يُعترف بك معاصرًا يعني أن يُعترف بك حاضرًا مشاركًا ومحاورًا وشريكًا في صنع العالم. ومضى مفكرو «الاستعمارية» في أمريكا اللاتينية، من دوسِل إلى مينيولو، أبعد من ذلك، فرأوا في الاستعمار الوجه الخفيّ للحداثة لا انحرافًا عنها. واستخلص بيتر أوزبورن من ذلك تعريفًا للمعاصرة بأنها وحدة متفارقة لأزمنة حاضرة معًا: أزمنة متباينة تتقاسم اللحظة نفسها ولا تذوب في زمن واحد. فالمعاصر ليس عصر «ما بعد»، بل هو الطلب أن نفكّر معًا في أزمنة طال تجاهل بعضها بعضًا.
وهذا التجاور ليس هادئًا. ففي «ميراث هذا العصر»، وقد صدر سنة 1935 والنازية تتمكّن، لاحظ إرنست بلوخ أن الذين يعيشون في تاريخ واحد لا يعيشون بالضرورة في «الآن» نفسه. فإلى جانب الطبقات التي تنتمي بكليتها إلى الحاضر الصناعي، هناك من سمّاهم غير المعاصرين: فلاحون وحِرفيون وصغار موظفين يخافون الانحدار الاجتماعي، يحملون في داخلهم بقايا ماضٍ انقضى، ولا يجد غضبهم مكانًا في الحكاية التقدمية. وقد لام اليسار على أنه ترك هذا الغضب بلا صوت، ولام النازية على أنها اصطادته. وعبارة «تزامن غير المتزامن»، التي سيعيدها كوزيليك، تصف بنية كل عصر، وهي تعنينا مباشرة: فالحاضر الذي تخترقه أزمنة متنافرة لا يكفّ عن سماع النداء نفسه إلى العودة والنقاء الأول والعالم القديم. والاكتفاء بالتنديد بهذه النداءات رجعيةً تكرارٌ لفعل إنكار المعاصرة الحديث؛ وأخذها على ما تقوله عن نفسها استسلام. فالتفكير في «البَيْن» هنا أن نفهم ما ينطق في الحنين دون أن نترك له المستقبل.
وإذا كان المعاصر هو الزمن المشترك، عاد سؤال الكوني بحدّة جديدة. لا نستطيع التخلي عنه، وإلا فقد كل نقد للهيمنة أساسه: فباسم الكوني ندّد المستعمَرون بالاستعمار، ويطالب المقهورون بالمساواة. لكننا لا نستطيع أيضًا أن نعدّه مسلَّمة، كما فعل النموذج الذي مدّه من مركز إلى الأطراف. وقد تحدث شموئيل أيزنشتات عن «الحداثات المتعددة» ليقول إن مجتمعات أخرى مرّت بوعود الحداثة، وأعادت تأويلها أو رفضتها أو حوّلتها بحسب مواردها، من غير أن يكون الغرب أصلًا لا تكون هي إلا نسخًا متأخرة عنه.
وأعطى إدوار غليسان هذا الفكر لغته: الكوني لا يُبنى بالتعميم الذي يردّ المتنوع إلى الواحد، بل بـ«العلاقة» التي تصل التنوعات بعضها ببعض دون أن تذيبها، وتعترف لكل منها بحق «العتامة»، أي حقها في ألّا تنكشف كلها لفهم الآخر. فيصير الكوني مهمّة لا نقطة بدء. ولافت أن هذا المطلب، وقد جاء من هوامش الحداثة، يلتقي أعلى طموحاتها، وهو ما سمّاه كانط في «نقد ملكة الحكم» طريقة التفكير الموسَّعة: أن تفكّر واضعًا نفسك مكان كل إنسان.
على أن المعاصرة لا تُعاش أولًا على أنها هذا التمرين العسير، بل تُعاش حاضرًا يتمدّد. وقد سمّى فرانسوا هارتوغ «الحاضرية» النظام الذي صار إليه إدراكنا للتاريخ: كانت الأزمنة القديمة تستمد من الماضي نماذجها، واستمدّت الأزمنة الحديثة من المستقبل أفقها، ولم يبقَ لنا غير الحاضر أفقًا. صار المستقبل تهديدًا أو امتدادًا، والماضي موضوع ذاكرة وتراث، والحاضر طاغيًا بلا عمق. ولاحظ هيغل أن قراءة الجريدة هي صلاة الصباح الواقعية للإنسان الحديث، يتّجه بها في العالم؛ وشاشاتنا تجدّدها بإيقاع لم يخطر له، في سيل لا بداية له ولا خاتمة. ووصف هارتموت روزا التسارع الاجتماعي ومفارقته: كل شيء يمضي أسرع، ومع ذلك نحسّ أننا لا نتقدم، نركض لنبقى في مكاننا، كالملكة الحمراء عند لويس كارول، لأن المرجعيات والمهن والمؤسسات تتبدّل أسرع مما تقدر الأجيال أن تجاريه. واقترح زيغمونت باومان صورة «الحداثة السائلة»: البنى الصلبة، من دولة قومية ومصنع وأسرة ومهنة، سالت ولم تزل، ويحمل الأفراد وحدهم المخاطر التي كانت تمتصّها. ويتحدث أولريش بك عن «مجتمع المخاطر» حيث تنتج الحداثة نفسها تهديداتها، ويتحدث أنتوني غيدنز عن الحداثة الانعكاسية. وكل هذه الألفاظ تقول شيئًا واحدًا: المعاصر ليس ما بعد الحداثة، بل هو بلوغها أقصاها، النقطة التي تنقلب فيها على نفسها.
ويترتّب على ذلك مفارقة. لم نكن يومًا متزامنين كما نحن اليوم، بالمعنى التقني: كل حدث يُعرف في كل مكان لحظة وقوعه، وتجوب الصور نفسها العالم وهي تُصنع. ومع ذلك لم يبدُ إمكان العالم المشترك بهذه الهشاشة. كانت أرندت تسمّي «العالم» ما يقوم بين من يسكنونه كما تقوم المائدة بين المتحلّقين حولها: يجمعهم ويفصل بينهم معًا، ولا يوجد إلا حيث تتجه منظورات مختلفة إلى واقع واحد. أما التدفقات المفصّلة على قدر كل شخص، فتنسج لكل امرئ خيط أخباره، فتصنع حاضرًا على الطلب، نتعرّض فيه للحظة نفسها دون أن نتقاسم العالم نفسه: متزامنين لا معاصرين. فالتزامن التقني للوقت يعيش جنبًا إلى جنب مع تفككه في السياسة. والمعاصرة بمعناها القوي، وهي الزمن المشترك، ليست الراهنية. إنها مكسب يُنتزع، ويحتاج إلى مؤسسات وأماكن وعادات في الكلام لا تنشأ من تلقاء نفسها.
والتقنية من الميادين التي يظهر فيها هذا التوتر أوضح ما يكون. كانت الحداثة تجعلها وسيلة في خدمة التحرر، ونحن نعيشها بيئةً نحيا فيها. رأى هايدغر في ماهية التقنية الحديثة «تأطيرًا» يكشف كل موجود مخزونًا جاهزًا، ومادةً يُحسَّن استعمالها، وكأن التقنيات الرقمية حققت هذا الحدس: الأجساد والعلاقات والانتباه تصير معطيات وسيولًا تُحسب. لكن الصورة ليست على وجه واحد. فقد ذكّر برنار ستيغلر، بعد لوروا غوران، بأن التقنية ليست زيادة على الإنسان بل هي ما تكوّن به: الذاكرة واللغة والكتابة دعائم من خارجه لا فكر من دونها، وكل تقنية، كالـ«فارماكون» عند اليونان، دواءٌ وسمٌّ في آن. وكانت الذات المستقلة في الحداثة، من هذا الوجه، وهمًا نسي فيه الإنسان أدواته. فيعود سؤال كانط، لكن في موضع آخر. لاحظ كانط أنه من الهيّن أن يبقى المرء قاصرًا: عندي كتاب يفهم عني، ومرشد يحمل ضميري عني، وطبيب يقرّر حميتي، فلا حاجة بي إلى أن أتعب في التفكير. ويكفي أن نضيف إلى القائمة الأنظمة التي تقترح وتفرز وتصوغ وتقرّر حتى نفهم أن القصور لا يزول بالتقدم التقني، بل يصير مريحًا. أن تفكّر بنفسك اليوم لا يعني أن تفكّر بلا أدوات، فهذا لم يكن ممكنًا قط، بل أن تعرف ما تفكّر فيه أدواتك مكانك، وأن تختار ما تُفوّضه إليها.
وتهدم الأزمة البيئية الإطار الحديث من أساسه، لأنها تنقض الفصل الذي قام عليه بين الطبيعة، وهي موضوع المعرفة، والتاريخ الإنساني، وهو ذاتها. وقد رأى تشاكرابارتي أن دخول «الأنثروبوسين» يُلزمنا بأن نعترف بأن الإنسانية صارت جميعًا قوة جيولوجية، وأن الحدّ القديم بين التاريخ الطبيعي والتاريخ الإنساني ينهار: فمقاييس زمنية كانت العلوم الإنسانية تحسبها غريبة عنها، من دورات الكربون إلى الانقراضات إلى العصور الجليدية، تدخل في تاريخ المجتمعات. ولم يعد التقدم أمرًا بسيطًا، فتطوّر يُفسد شروطه المادية ينخر نفسه. ويجب أن نعيد التفكير في الحرية: فالذات السيّدة التي تملك الطبيعة لا تصمد أمام اكتشاف أننا نعتمد على بيئات حيّة، يدعونا لاتور إلى ألّا نراها ديكورًا بل فاعلة، وإلى أن نتعلّم «الهبوط» إلى الأرض.
وينفجر الزمن أخيرًا: علينا أن نفكّر معًا في عجلة العقد وآماد الجيولوجيا، وفي المسؤولية تجاه الأجيال القادمة وإرث الانبعاثات الماضية. وفي هذا الامتحان درس في المفاهيم أيضًا. فقد عرّف كورنيليوس كاستورياديس الاستقلال بمعناه القوي بأنه حدٌّ يضعه المرء لنفسه: ليس مستقلًّا من يفعل ما يشاء، بل من يسنّ لنفسه قانونه، ومنه ألّا يفعل كل ما يقدر عليه. والمعاصر البيئي يلزمنا بأن نقرأ الوعد الحديث من جديد بهذا المعنى: ليس الاستقلال غيابًا للحدود، بل هو القدرة على الاعتراف بها وإقامتها.
فماذا يعني أن نقف بين الحداثة والمعاصرة؟ أمام الإرث الحديث أربعة مواقف. الأول الوفاء، وهو أن يواصل المرء مشروع التنوير دون أن يمسّ مقدماته. وله وجاهة المطلب النقدي، فالتخلي عن العقل تخلٍّ عن السلاح الوحيد في وجه التعسف؛ لكنه يخاطر بالعمى عمّا حمله المشروع من عنف، وبالصمم عن انتقادات من أراد تحريرهم. والثاني القطيعة، وهي أن تعلن نهاية السرديات الكبرى وتستطيب التشظي. وفيها صدق في رؤية إخفاق الوعود؛ لكنها تعيد فعل القطيعة الحديث الذي تندّد به، وتنزع بتخليها عن كل مطالبة بالتبرير سلاح النقد: فالنسبية المعمَّمة أيسر صور القبول بما هو قائم. والثالث الارتداد، وهو يرى الحداثة خطأً ويحلم بالعودة إلى نظام سابق، من دين أو أمة أو جماعة. وله حدسٌ صائب فيما خرّبه الاقتلاع من تضامنات وانتماءات ومعنى؛ لكنه يخترع ماضيًا لم يكن كما يصوّره، ولا يدعو إلى هذه العودة إلا بأشدّ الوسائل حداثة: الدعاية والتقنية والعنف المنظَّم. إنه نفسه نتاج للحداثة، تكره نفسها وهي تحلم بغيرها. والموقف الرابع، ونسمّيه الاستئناف النقدي، هو ما يوحي به مفهوم «البَيْن».
وأجود صياغة لهذا الموقف عند فوكو، في تعليقه المتأخر على نص كانط. فهو يقترح ألّا نعدّ الحداثة حقبة نرغب في إغلاقها أو في مدّها، بل موقفًا: طبعًا وخُلُقًا (ethos)، أي طريقة في النظر إلى الراهن تجعله مهمّة. وهذا الوفاء لا يتجه إلى عقائد بل إلى مساءلة. فانطلاقًا من سؤال «من نحن اليوم؟»، وهو في رأيه سؤال كانط الأول، يكون المطلوب نقدًا لما نقوله ونفكّر فيه ونفعله، في صورة بحث تاريخي في الأحداث التي جعلتنا ذواتًا على ما نحن عليه، وفي صورة امتحان عملي للحدود التي نقدر على تجاوزها. فالنقد هنا ليس بحثًا في شروط إمكان كل معرفة، بل هو بحث، فيما يُقدَّم لنا على أنه كوني وضروري وملزم، عن الجزء الذي هو فريد وطارئ وعائد إلى قيود اعتباطية، ومن ثم عمّا يمكن تغييره. ويرفض فوكو الابتزاز الذي يلزم المرء بأن يكون مع التنوير أو ضدّه، كأنه لا خيار إلا بين الدفاع عن عقلانية والتخلّي عن كل عقلانية. يمكن أن نمضي في أثمن ما فيه، وهو النقد، فنطبّقه عليه نفسه. وهذا الاستئناف حديث بمطلبه، معاصر بشروطه: يعلم أن مقولاته تاريخية، وأنها صُنعت، وأنه لا يمكن رفضها جملة ولا قبولها كما هي.
ويواجه هذا الموقف ثلاثة اعتراضات لا يليق إهمالها. الأول اعتراض الحكمة الزائفة: أن تقول «بين» هو الطريقة المهذّبة لئلا تنحاز، فتجلس على حافة الجبل وتترك غيرك يقرّر. والثاني من الفكر ما بعد الاستعماري: الكلام على إرث واستئناف يفترض أن بوسعنا الوقوف بعيدًا عن الحداثة لنزنها، وهي عند كثيرين ليست إرثًا بل بنية هيمنة قائمة الآن، فيكون «البَيْن» ترفَ من تحميهم. والثالث الاستعجال: فالانهيار البيئي لا يتسع وقته لفروقنا الدقيقة، وما يطلبه قرار. وهذه الاعتراضات وجيهة، لكنها تخلط البَيْن بالحياد الواقف على مسافة واحدة. فالوقوف بين لا يعني أن نبعد عن كل شيء بقدر واحد، بل أن نأبى الاختيار بين مواقف لا يمسك كلٌّ منها إلا بنصف الوضع، وأن نُقدم على الحكم داخل هذا الوضع بما فيه من مخاطرة. ويُلزمنا الاعتراض الثاني أن نوضح أن الاستئناف النقدي ليس موقف تعالٍ بل ممارسة لها موضعها، تبدأ بأن تسأل: لمن يعود نفع الإرث ومن يدفع ثمنه؟ وفي وجه الثالث نذكّر بأن الاستعجال يزيد الحاجة إلى حكم واضح، فهو الأرض التي يفضّلها من يريدون أن يحسموا بدل الآخرين. لا يُبطل زمنُ الاستعجال الفكر، بل يحدّد ما يُراهَن عليه.
أما القوة التي تسكن هذا البَيْن فاسمها عند كانط معروف، وليست العقل النظري. ففي «نقد ملكة الحكم» يفرّق كانط بين الحكم المحدِّد، وهو أن تُدرج حالة تحت قاعدة معطاة، والحكم التأمّلي، وهو أن تواجه جزئيًّا لا قاعدة له، فتضطر إلى أن تجد المبدأ الذي يلائمه، ولا تقدر على ذلك إلا بأن تتوجه، بالخيال، إلى موافقة الآخرين. وكانت الحداثة الظافرة تفكّر في الغالب بالحكم المحدِّد: هناك قوانين للتاريخ ومبادئ للحق ومناهج للعلم تتيح تصنيف الحالات. أما المعاصر فيضعنا في الغالب أمام حالات لا قاعدة لها: تقنية لم يُعهد مثلها، ومناخ مختلّ، وعوالم تلتقي بلا لغة مشتركة. فهو يطلب الحكم التأمّلي، وهو ما سمّاه ليوتار الحكم من غير مقاييس جاهزة، وعدّته أرندت، وهي تقرأ كانط، القدرة على الحكم على الحدث دون أن نلويه إلى إطار مُعدّ سلفًا.
وهذا الحكم ليس اعتباطيًّا ولا انفراديًّا: إنه يستلزم طريقة التفكير الموسَّعة التي تُلزمنا أن نتمثّل وجهات نظر الآخرين، أولئك الذين نشاركهم الزمن، وبعضهم لم يُدعَ قط إلى المائدة. فمعاصرة فابيان المشتركة، وعلاقة غليسان، وطريقة كانط الموسَّعة، ثلاث عبارات عن مطلب واحد: ألّا نفكّر وحدنا، ولا من علوّ، ولا من دون الآخرين.
وهذه الملكة لا تعمل في المجرّد، بل تعمل على الزمن، وأخلاق البَيْن هي أولًا أخلاق الزمن. فهمت الحداثة الزمن تقدّمًا، ويعيشه المعاصر حاضرًا معلّقًا؛ والتفكير بين الاثنين أن نبني صلةً بالزمن لا تكون غائيةً ساذجة ولا آنيّة. ففي جهة الماضي نعترف بدَين. فالماضي ليس مجرد ما انقضى: إنه يواصل عمله فينا، إرثًا يُستأنف، وظلمًا يُجبر، ووعدًا لم يُوفَّ. وقد بيّن بول ريكور أن الذاكرة ليست واجب حفظ فحسب بل عمل، وهو يقتضي أن نعرف النسيان أيضًا، وأن الصفح لا يمحو الدَّين بل يفكّ الفاعل عن فعله ليقدر أن يبدأ من جديد. ورأت أرندت في الصفح الدواء الوحيد لما في الفعل من عدم الرجعة: من دونه نبقى أسرى ما فعلنا إلى الأبد. لكن لا صفح إلا إن اعتُرف بالظلم وسُمّي وجُبر ما أمكن جبره. والجدالات المعاصرة حول ردّ الممتلكات المنهوبة والاعتراف بجرائم الاستعمار والتعويضات من هذا الباب: هي الطريقة، المتعثّرة المتنازَع عليها، التي يتحمّل بها حاضرٌ ما يرثه.
وفي جهة المستقبل، المطلوب أن نفتحه من غير يقين. سمّت أرندت «الوعد» القدرة التي تجيب عن كون الفعل لا يمكن التنبؤ بعواقبه: لا نعلم ما سينتج عن أفعالنا، لكننا نستطيع أن نربط أنفسنا بالتزامات متبادلة، فنقيم جزرًا من الأمان في بحر من الشك. والدساتير والمعاهدات والحقوق وعود من هذا الجنس، وهي ما يُطلب منا أن نوسّعه. وأمام القدرات الهائلة التي منحتها التقنية للإنسانية صاغ هانس يوناس أمرًا جديدًا: «تصرّف بحيث تظل آثار فعلك متوافقة مع بقاء حياة إنسانية حقيقية على الأرض». وهو، بخلاف أمر كانط الذي كان يمتحن اتساق القاعدة، يرتّب مسؤولية تجاه من لم يأتوا بعد ولا يقدرون أن يطلبوا منا شيئًا. ويجعل يوناس الخوفَ هاديًا إلى الخير، في مقابل أمل إرنست بلوخ: ليس الرهان أن يكون المستقبل أفضل كما وعد التاريخ، بل أن يبقى ممكنًا أن يكون هناك مستقبل أصلًا. ولعله يجب الجمع بين الأمرين كما دعا بنيامين: أمل بلا ضمان، يعرف هشاشته، لا يعوّل على عاصفة التقدم لتحمله ولا يستقيل مع ذلك. وهذه الأخلاق تواصل مطلب الاستقلال الحديث وتصحّحه بوعي الهشاشة: لسنا أسياد التاريخ، نحن المسؤولون عنه.
ومن هنا نفهم لماذا ينبغي أن تُقرأ عبارة هيغل، «الفلسفة هي عصرها مدركًا بالفكر»، وفيها توترها كله. فإدراك العصر يقتضي أن يفارقه المرء. والفلسفة التي لا تريد إلا أن تعبّر عن روح العصر عَرَض، والتي تدّعي الانسلاخ عنه حُلم. وبين بومة تحلّق عند الغروب وضوء لم يبلغ أعيننا بعد، وبين ذاكرة المقهورين ومسؤولية تجاه القادمين، يبقى الفكر المعاصر مشدودًا إلى وفاءين لن يُلغي أحدَهما تأليفٌ بينهما. نحن ورثة وعدٍ لم نعد نقدر على تصديقه كما هو، ومعاصرون لعالم لا نقدر بعدُ على التفكير فيه كله. ومن هذا القصور المزدوج لا يولد اليأس بل المهمّة: أن نحتفظ من الحداثة بجرأة الحكم بأنفسنا، وأن نترك غطرسة من ظنوا أنهم يملكون معنى التاريخ، وأن نستقبل في المعاصر ما يستحق أن نفكّر فيه: تناهي بيئاتنا، وتعدّد عوالمنا، وهشاشة ما نشترك فيه.
كتب رامبو أنه لا بدّ أن نكون حديثين تمامًا، وأضاف في الحال: «لا ترانيم؛ احفظ الخطوة التي كسبتَها». والجملة الثانية أبلغ. فهي لا تأمر بأن نتقدم أسرع، بل بأن نثبت، وألّا نفرّط فيما تحقق من نقد ومساواة في الحقوق ومطلب التبرير، مع العلم أن هذه المكاسب لا تبقى إلا إذا استأنفناها وصحّحناها ومددناها إلى من أُقصوا عنها. ولعلنا نقولها اليوم على وجه آخر: أن تكون حديثًا هو أن تحفظ الخطوة التي كسبتَها؛ وأن تكون معاصرًا هو أن تقبل أنك لا تحفظها إلا مع الآخرين، في زمن ليس لك وحدك. وسُكنى البَيْن قبولٌ بهذه المهمة المزدوجة، وإدراك بأن الفكر، كالفعل، لا يبدأ إلا حيث ينتهي اليقين بأننا وصلنا.
