سطر يا قلم … حكايات بني معروف…. لعيونك يا ميثاء الأطرش

معين العماطوري
معين العماطوري

حكاية شعبية من تراث بني معروف

سعيد نبواني

مدير جمعية بيت التراث الدرزي – جولس

على سفوح الجبل، حيث تتشبث الجذور بالأرض وتحتفظ الحجارة بصدى خطى الراحلين، ولدت حكايات لم تستطع السنون أن تطفئ نورها. كانت تروى في ليالي الشتاء حول المواقد، وبين ظلال الكروم في أمسيات الصيف، فتستيقظ في كلماتها وجوه غابت، ومواقف بقيت حية في ضمير الناس.

ومن تلك الحكايات حكاية ميثاء الأطرش؛ امرأة وجدت نفسها في مواجهة رجل ظن أن سلطانه يفتح له كل باب، وأن القوة تمنحه حق التصرف في مصائر الآخرين. لكن وراء هدوئها كان قلب يعرف قدره، ووراء وحدتها أهل يرون في نصرة المظلوم عهدا لا يجوز التفريط به.

تروي الحكاية أن ميثاء كانت أرملة جميلة شريفة، وأنها قصدت حاكما تركيا أرعن لتشكو إليه أخويها الكبيرين، وتطلب إنصافها وحفظ حق ابنها القاصر. دخلت عليه تحمل هم ولدها، وترجو أن تجد عنده عدلا يرد الحق إلى صاحبه.

غير أن الحاكم انشغل بجمالها عن شكواها، ثم طلب الزواج منها، معتقدا أن كلمته أمر لا يرد، وأنها لن تستطيع رفض طلبه.

كانت ميثاء تدرك أنها تقف أمام رجل اعتاد أن يطاع، فأجابته بحكمة، موضحة أن هذا الأمر لا يتم إلا بموافقة أهلها، وأن للأسر الكريمة مبادئ وتقاليد ينبغي احترامها.

وكان ذلك في السراي الحكومية بدمشق. أما الحاكم، وهو القائد مدوح باشا، فقد ازداد تعلقا بها، وألح في طلبه، وكأن إرادته وحدها تكفي لتقرير مصيرها.

عادت ميثاء إلى بلدتها صلخد، ولما لم تجد لدى أقارب زوجها الحماية الكافية، لجأت إلى والدها، الشيخ حسين الأطرش، شيخ بلدة عرمان. قصت عليه ما جرى، فاستثار الخبر نخوة أهله ورجاله وأقاربه، ونهضوا للدفاع عنها، عازمين على ألا يتركوها فريسة لظلم المتسلط.

وحين علم مدوح باشا بموقفهم، وأدرك أن مراده لن يتحقق، تحول تعلقه إلى غضب، وغضبه إلى رغبة في الانتقام. فأوعز إلى قبيلة الصيفان بالاعتداء على مزروعات عرمان، ليضغط على أهلها ويجبرهم على الخضوع.

ثم أرسل مفرزة من الجنود يقودها ضابطان، يريد أن يلقن البلدة درسا قاسيا.

وتروي الحكاية أن أحد سكان عرمان استقبل أفراد المفرزة، ودعاهم إلى الطعام قائلا:

«تفضلوا، تناولوا الطعام، وبعدها تأخذون زلما».

وكان يقصد أنهم يستطيعون بعد الطعام أخذ الرجال الذين جاؤوا لاعتقالهم. لكن أحد الضابطين حمل كلامه على السخرية، ورد عليه بفظاظة:

«سآخذ الزلم، وسآخذ رأسك»!.

ذهل المضيف من هذا التهديد، ثم انتفض دفاعا عن كرامته، غير أن الجنود عاجلوه بالرصاص فسقط قتيلا.

لم تكد أنباء مقتله تنتشر حتى هبت البلدة بأسرها. تحول البيت الذي فتح بابه للضيافة إلى موضع للفاجعة، واشتعل غضب الأهالي، فهاجموا المفرزة وقتلوا الجنود والضابطين.

بلغ الخبر مدوح باشا، فاشتد غضبه، وجهز أربع كتائب من المشاة وكتيبة من الخيالة، وأمرهم بالتوجه إلى عرمان وتدميرها، وإحضار ميثاء الأطرش عنوة، حية كانت أم ميتة.

وحين اقترب الجيش، خرج أهل البلدة لمواجهته. كان القتال شديدا، وكان المدافعون يعلمون أن الخطر يهدد بيوتهم وأهلهم جميعا.

وقفت نساء عرمان خلف الرجال، يقدمن المؤن، ويشدن العزائم، وترتفع زغاريدهن وسط أصوات المعركة. ومن بينهن برزت سعدة ملاعب، التي حفظت الحكاية اسمها لما أبدته من شجاعة وإقدام، إذ شاركت في القتال إلى جانب الرجال.

وتروي الحكاية أيضا أن رجلا مسيحيا يعرف بالصقلي امتطى جواده، وأسرع إلى صلخد والقرى المجاورة يستنجد بأهلها. لم يقف عند حدود بلدته، ولم يسأل عن اختلاف الناس في معتقداتهم؛ فقد رأى ظلما يستوجب النصرة، وأهلا يواجهون خطرا يستدعي النجدة.

لبى سكان القرى النداء، واجتمعوا لنصرة عرمان. اشتد الهجوم على الجنود، وضاقت أمامهم سبل التقدم والنجاة، حتى اضطربت صفوفهم واضطروا إلى الانسحاب أمام شجاعة المدافعين وإقدامهم.

وحمل أحد الفارين خبر الهزيمة إلى مدوح باشا، فازداد حقده، وأمر بإرسال قوة كبيرة بقيادة محمد الجارودي.

لكن القوة الجديدة لم تحقق ما عجزت عنه سابقتها. وتروي الحكاية أن قائدها أدار رأس فرسه وفر هاربا مع من بقي من جنوده، بينما تقدم المقاتلون، وغنموا السلاح والخيول، ورددوا نداء بقي يتردد على ألسنة الرواة:

«لعيونك يا ميثاء، لعيونك يا ميثاء،

عند الشرف والكرامة،

ترخص الأرواح، وما نسأل عن السلامة».

وهكذا بقي اسم ميثاء الأطرش في ذاكرة الناس، مقترنا بموقف امرأة رفضت أن تسلب إرادتها، وبوقفة أهل أبوا أن يتركوا مظلومة وحدها في مواجهة صاحب سلطان. وبقيت إلى جانب اسمها أسماء من قاتلوا، ومن حملوا المؤن، ومن أسرعوا يستنجدون بالجيران؛ إذ كانت لكل يد مخلصة حصتها في دفع الظلم.

ومضت الأعوام، وخفتت أصوات المعركة، لكن الحكاية ظلت تضيء معنى لا يشيخ: أن السلطة أمانة لإقامة العدل، وأنها حين تصبح أداة لإكراه الناس تفقد شرفها، مهما كثرت حولها الجنود. أما الكرامة، فتحفظها قلوب تعرف الحق، وأيد تتساند حين يشتد البلاء.

والعبرة من الحكاية: أن من يلجأ إليك طالبا الإنصاف يستحق الأمان والعدل، وأن إرادة المرأة وحقها في الاختيار لا يسقطهما نفوذ ولا تهديد. كما أن نصرة المظلوم تجمع أصحاب الضمائر على اختلافهم، والتكاتف يمنح الضعفاء قوة لا يجدونها وهم متفرقون.

شارك المقال
اترك تعليقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *