معين حمد العماطوري
رئيس تحرير مجلة الشمعة
يعمل المجتمع منذ القديم على إيجاد روابط وضوابط اجتماعية تحمل القانون الاجتماعي في مضامينه، لذلك نجد في النظام العشائري أو الفئة الواحدة روابط اجتماعية قوية ومتينة، تتمحور في تنفيذ والتقيد بمنظومة العادات والتقاليد والأعراف، وتتعلق في نظام الحياة اليومية والمعيش المستمر…
لذلك نجد أن فرز المرجع الثابت جاء من المجتمع نتيجة حتمية قائمة على الحاجة تنظيمية له، فهو وأن بدا متميزاً في سلوكه ومسلكه كونه يحمل مقومات الشخصية القيادية في عقله وموقفه، ومتوافق مع طبيعة المجتمع لتأهيل قيادته وفق معايير تتلاءم مع البيئة الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدينية السائدة يوم توافق عليه المجتمع، وارتبط هذا التوافق بالتواتر الزمني الذي بات عرفاً يصعب تجاوزه وتعديله، لأنه يحتاج إلى ثورة مجتمعية لذلك، إلا أن هذا الاتفاق والتوافق، ثبت أن المرجع الثابت له خصوصية في المكانة التاريخية والمجتمعية، وبالتالي هو يتحمل القسط الأكبر في حل النزاعات والخلافات واصلاح ذات البين بين افراد المجتمع او في الخلل التنظيمي المجتمعي، وهذا يدفعنا إلى عدة اسئلة اولها:
بين الأمس واليوم التسلسل المرجعي واحد، يختلف نتيجة الظروف الزمان والمكان والطبيعة السياسية والاقتصادية عما كان سائداً سابقاً، ولكن أين يقف المرجع الثابت اليوم؟
هناك تضارب في التعاطي بين قرارات الأمس واليوم وتباين في الاسلوب والنتائج، ونحن إلى أين ذاهبون؟
الواقع وعلى أصعدة مختلفة ومتعددة يشوبه أفكار ورؤى متباينة وجميعها تحمل الجزء من الحقيقة الغائبة، هل تباين الرؤى يجعلنا في تعدد لا محدود من الاصطفاف؟
جغرافية المكان تميز بالتنوع واختلاف طبيعة التنوع يشكل وحدة متكاملة، كيف يمكن المحافظة على هذه الوحدة النوعية المتكاملة؟
بلا شك أن المرجع على اختلاف تنوعه هو ثابت يحمل قيم، وهذه القيم مستمدة من الواقع، ولابد من المحافظة على تلك الثوابت لأنها الجزء الأهم من الامتداد للثوابت الوطنية والأخلاقية والقيمية المجتمعية، والضامنة للانتماء بهويته وتاريخه وفكره …
لكن ما لعبته مواقع التواصل الاجتماعي وما حملته من أهداف وأغراض وأساليب متباينة فيما بينهما بالهدف والاسلوب والغرض، تعمل وفق رؤية تتبع كل منها إلى جهات مختلفة في التفكير والغاية والهدف، بأجندة بعضها خارجية وأخرى داخلية، ساهمت في تشويه الحقائق الواقعية واسقطت منظومات ووسعت نطاق الخلافات وصعبت الحلول العقلية…وارست على قواعد التفتيت البنيوي الاجتماعي، وضخت معلومات وبيانات منها تاريخية ومنها واقعية وقاربت الأحداث ماضياً وحاضراً بتوظيف محكم لخلق النزاع وتوسيع رقعته الى مدى يصعب الدخول العقل التنويري في ايجاد حلول فيه، إلا بالتغيير المفروض، وهذا المفروض من التغيير هو العامل الرئيس في إضعاف الدور الشامل، بل اقتصر على الجزء المتغير، وبدل ان تكون وحدة التنوع بإدارة التنوع نفسها، باتت وحدة شكلية بمضمون خلافي لا يعرف البداية والنهاية منه، والدافع لتلك الضريبة جيل من الشباب الطامح لترسيخ قيم الانتماء والتغني بالماضي العريق…
والمكون الاجتماعي القائم على المرجعية الثابتة، شغلت تلك الوسائل على خلق مرجعيات متغيرة لا تاريخ لها ولا حضور إلا نتيجة الواقع المعيش المظلم، وهي اليوم تشكل مكاناً في الرأي، إذ كثير من الناس تؤكد أن اتباع الثابت من المرجعيات وتعزيز دورها هو ضرورة ملحة وربط دورها مع المؤسسات والجهات الحكومية لعمري هي إحدى الدوافع الضامنة لحل العديد من المشاكل والمعوقات، لأن القانون الوضعي الاجتماعي جاء نتيجة حاجة وافرزته عقول ملاءمة للبيئة، والقانون الإداري الأميري هو ملزم للتنفيذ في حال توفرت إرادة التنفيذ، فلو ارتبط اثنان معاً بإرادة مشتركة عندها يمكن القول ان الروابط المجتمعية هي الروابط الفاعلة القادرة على تجاوز المحن مهما بلغت أشدها…
