تمهيد
يُعدّ رولان بارت (Roland Barthes) من أبرز النقاد والمفكرين الذين أسهموا في إعادة تشكيل النقد الأدبي الحديث خلال القرن العشرين. وقد ارتبط اسمه خصوصًا بالتحول من قراءة العمل الأدبي باعتباره تعبيرًا عن قصد مؤلفه إلى النظر إليه بوصفه نسيجًا من العلامات واللغات والشفرات، تتفاعل داخله أصوات وخطابات متعددة.
وتتجسد إحدى أكثر أفكاره إثارة للجدل في مقالته الشهيرة «موت المؤلف» (La mort de l’auteur) المنشورة سنة 1967، حيث دعا إلى التخلي عن الامتياز النقدي الذي كان يُمنح للمؤلف باعتباره المصدر النهائي لمعنى النص. غير أن «قتل المؤلف» عند بارت لا يعني موت الكاتب بالمعنى الحرفي، وإنما يعني إزاحة سلطة المؤلف عن مركز عملية التأويل وإعادة الاعتبار إلى النص والقارئ.
أولًا: رولان بارت والنقد الأدبي الحديث
ولد رولان بارت سنة 1915 وتوفي سنة 1980، ويمثل فكره مرحلة مهمة من مراحل الانتقال من النقد الأدبي التقليدي إلى المناهج البنيوية والسيميائية وما بعدها.
اهتم بارت باللغة والأدب والأسطورة والصورة والإشهار والثقافة الشعبية، ولم يتعامل مع النص الأدبي باعتباره بنية مغلقة ذات معنى واحد، بل نظر إليه بوصفه مجالًا تتقاطع فيه أنظمة دلالية وخطابات متعددة.
ومن هنا ارتبط مشروعه النقدي بمجموعة من الاتجاهات الفكرية، ولا سيما:
البنيوية.
السيميائيات.
تحليل الخطاب.
الدراسات الثقافية.
النقد ما بعد البنيوي.
ولذلك فإن أهمية بارت لا تكمن في فكرة «موت المؤلف» وحدها، بل في مساهمته في إعادة تعريف طبيعة النص الأدبي ووظيفة القراءة.
ثانيًا: ماذا يعني «موت المؤلف»؟
كان النقد التقليدي يميل إلى البحث عن نية المؤلف وقصده من وراء النص. فإذا واجه الناقد عبارة غامضة أو رمزًا أو صورة أدبية، عاد إلى سيرة الكاتب وظروف حياته ورسائله ومواقفه، بحثًا عن المفتاح الذي يمكن أن يفسر النص.
يعترض بارت على جعل هذه النية معيارًا نهائيًا للمعنى.
فالنص، في تصوره، لا ينتمي بصورة مطلقة إلى الشخص الذي كتبه، لأن اللغة التي يستخدمها الكاتب سابقة عليه، ولأن الكلمات والتراكيب والصور والإشارات تحمل تاريخًا ثقافيًا واجتماعيًا يتجاوز الفرد.
ومن ثم فإن الكاتب لا يخلق اللغة من العدم، وإنما يدخل في شبكة لغوية وثقافية موجودة قبله.
وهنا تصبح عبارة «موت المؤلف» إعلانًا عن موت سلطة المؤلف التأويلية، لا عن اختفاء الشخص الذي كتب النص.
:ثالثًا: من «المؤلف» إلى «الكاتب»
يميز بارت ضمنيًا بين الشخص التاريخي الذي يكتب وبين الوظيفة التي أُسندت إلى «المؤلف» في الثقافة النقدية.
،فالمؤلف، في التصور التقليدي، يُقدَّم باعتباره: مصدر النص، ومالكه، والمرجع النهائي لمعناه.
أما بارت فينقل مركز الاهتمام إلى النص ذاته، وإلى علاقاته باللغة والنصوص الأخرى والقارئ. هذا التحول يؤدي إلى تغيير جوهري في السؤال النقدي.
بدل أن نسأل: «ماذا أراد المؤلف أن يقول؟»يمكن أن نسأل:
«كيف ينتج النص معناه؟ وما العلاقات النصية واللغوية والثقافية التي تتحكم في إنتاجه؟»
وهنا تنتقل القراءة من البحث عن قصد سابق على النص إلى تحليل آليات الدلالة داخل النص.
رابعًا: النص بوصفه «نسيجًا من الاقتباسات»
من أشهر التصورات المرتبطة بفكر بارت أن النص ليس كيانًا مستقلًا مغلقًا، وإنما هو نسيج من الاقتباسات والإحالات والأصداء الثقافية.
فالكاتب يستخدم كلمات وتعبيرات وصورًا وأساليب سبق أن استُعملت في خطابات أخرى. ولذلك فإن النص الأدبي يتقاطع مع نصوص سابقة ومعاصرة له، بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وهذا التصور يفتح الطريق أمام مفهوم التناص الذي أصبح من المفاهيم المركزية في النقد الحديث.
فالنص لا يعيش منفردًا، وإنما يدخل في شبكة من العلاقات مع نصوص أخرى.
ومن هنا يمكن القول إن:
النص ليس صوتًا فرديًا خالصًا، بل فضاء تتقاطع داخله أصوات وخطابات وذاكرات ثقافية متعددة.
خامسًا: القارئ في مواجهة المؤلف
إذا كانت سلطة المؤلف تتراجع، فمن الذي يحتل موقعًا مركزيًا في عملية إنتاج المعنى؟
هنا يظهر القارئ.
لا يعني ذلك أن بارت يضع القارئ أمام النص بحيث يصبح بإمكانه إنتاج أي معنى اعتباطي، وإنما يعني أن المعنى لا يُختزل في قصد المؤلف وحده.
القارئ يشارك في إنتاج الدلالة من خلال:
خبرته الثقافية.
معرفته باللغة.
توقعاته.
علاقته بالنصوص السابقة.
قدرته على فك الشفرات والعلامات.
وهكذا يصبح فعل القراءة عملية إنتاجية، لا مجرد استقبال سلبي لمعنى جاهز.
سادسًا: «ميلاد القارئ» نتيجة لموت المؤلف
تكتسب عبارة بارت شهرتها من المفارقة التي تقوم عليها:
موت المؤلف يقابله ميلاد القارئ.
فكلما أُعطي المؤلف سلطة مطلقة على النص، أصبح القارئ تابعًا لقصد مسبق ينبغي عليه اكتشافه. أما عندما تتراجع هذه السلطة، يصبح القارئ أكثر حضورًا في العملية التأويلية.
ومن هنا يرتبط «موت المؤلف» بتحول أوسع في النقد الحديث من:
المؤلف ← النص ← المعنى الواحد
إلى:
النص ← القراءة ← تعدد الدلالات.
ومع ذلك، فإن هذا لا يعني أن كل قراءة صحيحة بالضرورة؛ فالقراءة تظل مرتبطة ببنية النص ولغته وشفراته وسياقه الثقافي.
سابعًا: «موت المؤلف» والسيميائيات
يصعب فصل نظرية بارت عن مشروعه السيميائي. فقد نظر إلى الأدب والثقافة باعتبارهما مجالين لإنتاج العلامات والدلالات.
ومن هذا المنظور لا تكون مهمة الناقد مجرد معرفة حياة الكاتب، وإنما تفكيك الأنظمة الدلالية التي ينتظم وفقها النص.
فالنص الأدبي قد يستعمل:
الرموز.
الاستعارات.
الشفرات الثقافية.
الإحالات التاريخية.
التضمينات.
العلاقات مع نصوص أخرى.
وبالتالي يصبح النقد بحثًا في كيفية اشتغال الدلالة، وليس مجرد بحث عن نوايا الكاتب.
ثامنًا: «موت المؤلف» وعلاقته بالبنيوية وما بعد البنيوية
ظهرت فكرة بارت في سياق فكري كان يشهد تراجعًا تدريجيًا للنماذج التي تجعل الإنسان الفرد مركزًا ثابتًا لإنتاج المعنى.
وتتقاطع أطروحة «موت المؤلف» مع البنيوية في اهتمامها بالبنى والأنظمة التي تتجاوز الفرد، كما تمهد لبعض التحولات التي ستظهر بوضوح في الفكر ما بعد البنيوي.
غير أن بارت نفسه عرف تحولًا فكريًا؛ فقد انتقل من مرحلة يغلب عليها التحليل البنيوي والسيميائي إلى تصور أكثر انفتاحًا للنص والقراءة واللذة والتعدد الدلالي.
ولهذا ينبغي ألا تُفهم مقولة «موت المؤلف» باعتبارها نظرية مستقلة منفصلة عن المشروع النقدي العام لبارت.
تاسعًا: حدود الفكرة وإشكالاتها
أثارت أطروحة بارت نقاشات واسعة في النقد الأدبي، لأن إقصاء المؤلف من مركز التأويل يطرح أسئلة مهمة.
فإذا تجاهلنا المؤلف تمامًا، فهل يمكن أن نتجاهل السياق التاريخي والاجتماعي والسياسي الذي أنتج النص؟
وهل يمكن فصل النص عن الظروف التي تشكل فيها؟
ثم إن بعض الاتجاهات النقدية اللاحقة أعادت الاعتبار بدرجات مختلفة إلى المؤلف، ولكن ليس بالضرورة باعتباره المالك المطلق للمعنى، بل باعتباره عنصرًا من عناصر العملية الأدبية.
ومن ثم، فإن قيمة أطروحة بارت لا تكمن بالضرورة في إلغاء المؤلف نهائيًا، وإنما في تحرير النقد من اختزال النص في سيرة صاحبه ونواياه.
عاشرًا: من سلطة المؤلف إلى تعدد المعنى
تكمن الأهمية الكبرى لفكرة بارت في أنها أحدثت تحولًا في تصورنا لطبيعة النص الأدبي.
فالمعنى لم يعد شيئًا ثابتًا ينتظر الناقد كي يعثر عليه، وإنما أصبح نتيجة لتفاعل معقد بين:
النص + اللغة + الثقافة + النصوص الأخرى + القارئ.
وهذا التصور أسهم في الانتقال من نقد يبحث عن المعنى النهائي إلى نقد يهتم بآليات إنتاج المعنى وتعدده.
وبذلك يصبح النص فضاءً مفتوحًا للتأويل، لا وثيقةً مغلقة لا يمكن فهمها إلا من خلال معرفة صاحبها.
خاتمة
تمثل مقولة «موت المؤلف» إحدى أكثر الأطروحات تأثيرًا في النقد الأدبي الحديث؛ لأنها أعادت النظر في العلاقة بين الكاتب والنص والقارئ. فبارت لم يقصد إلغاء الكاتب بوصفه شخصًا تاريخيًا، وإنما رفض أن تكون نية المؤلف سلطة نهائية تحدد معنى النص.
لقد نقل مركز الاهتمام من المؤلف إلى النص، ومن النص بوصفه حاملًا لمعنى جاهز إلى النص بوصفه فضاءً لإنتاج الدلالة، ومن القارئ بوصفه مستهلكًا إلى القارئ بوصفه شريكًا في بناء المعنى.
ومن هنا يمكن اختزال التحول الذي أحدثه بارت في النقد الحديث في ثلاث كلمات:
تراجع سلطة المؤلف، انفتاح النص، حضور القارئ.
مراجع
Barthes, Roland, «The Death of the Author», 1967.
Barthes, Roland, S/Z, Paris: Seuil, 1970.
Barthes, Roland, Le Plaisir du texte, Paris: Seuil, 1973.
Barthes, Roland, Mythologies, Paris: Seuil, 1957.
Foucault, Michel, «What Is an Author?», 1969.
Eagleton, Terry, Literary Theory: An Introduction, Blackwell.
Culler, Jonathan, Structuralist Poetics, Cornell University Press.
