حكاية من المرويات الشعبية عن حكمة سلطان باشا الأطرش
سعيد نبواني
مدير جمعية بيت التراث الدرزي – جولس
في ذاكرة الجبل حكايات بقيت حية بعدما سكت دوي المدافع وانقشع غبار المعارك. تناقلها الناس في مجالسهم، فحفظوا بها شجاعة رجال وقفوا في وجه الخطر، وحكمة قادة عرفوا كيف يجمعون القلوب حين يفرقها الخلاف. ومن تلك المرويات حكاية خمسة ثوار، تساندت أكتافهم في ساعة الشدة، ثم اختلفت حججهم بعدما تحقق النصر.
تروي الحكاية أنه خلال معركة المزرعة، في يومي الثاني والثالث من آب سنة 1925، كان رشاش فرنسي منصوبا فوق سطح بيت مرتفع من طابقين، قريب من ساحة القتال. وكانت نيرانه تنهمر على جموع الثوار المتقدمين إلى أرض المعركة، فتعرقل زحفهم وتهدد حياتهم.
وأمام ذلك الخطر، عزم خمسة من الثوار على إسكات الرشاش. تسللوا إلى الجهة الخلفية من البيت، مستفيدين من الجدار الذي يحجبهم عن عين الجندي، ثم اتفقوا على خطة جريئة: يصعد الواحد منهم على كتفي رفيقه، مستندين إلى الحائط الحجري، حتى يبلغ خامسهم السطح.
وقف الأول ملاصقا للجدار، وثبت قدميه في الأرض، ثم اعتلى الثاني كتفيه، وصعد الثالث فوق الثاني، وتبعه الرابع، حتى ارتقى الخامس أكتاف رفاقه، فصاروا كأنهم سلم من أجساد الرجال وإرادتهم.
كان الحمل ثقيلا، والتوازن عسيرا، وكل حركة تنذر بسقوطهم. ومع ذلك، تماسكت أقدامهم وصبرت أكتافهم، حتى تمكن رفيقهم الأخير من بلوغ السطح. وهناك قتل الجندي الفرنسي، وألقى الرشاش إلى رفاقه، فانقطعت النيران التي كانت تعترض سبيل الثوار، وكللت مهمتهم بالنجاح.
لكنهم، بعد انتهاء المعركة، اختلفوا على الرشاش: لمن يكون؟ ومن أحق بحيازته غنيمة؟
رأى كل واحد منهم أن له الفضل الأكبر في الحصول عليه. ولما عجزوا عن حسم خلافهم، قرروا الاحتكام إلى قائد الثورة، سلطان باشا الأطرش.
وقف الرجال الخمسة بين يديه، وعرضوا عليه أمرهم. فأصغى إليهم، ثم قال:
كل واحد منكم يقول ما لديه من حجة”
تقدم الأول وقال:
أنا كنت في الأسفل، وصعد على كتفي أربعة رجال. حملت ثقلهم جميعا، ولولا ثباتي لما استطاع أحد منهم الوصول إلى السطح».
وقال الثاني:
أما أنا، فقد حملت ثلاثة رجال، وأنا واقف على كتفي رفيقي. كان يتمايل تحتي من شدة الحمل، ومع ذلك تماسكت وبقيت ثابتا حتى تمت المهمة.
ثم قال الثالث:
وأنا حملت رجلين فوق كتفي، وكان تحتي رجلان يجدان مشقة في حفظ توازنهما. صبرت على الثقل والتمايل، ولم أتخل عن مكاني.
وقال الرابع:
أنا حملت رفيقنا الخامس، وكنت فوق ثلاثة رجال يتمايلون تحت ذلك الوزن. ولو فقدت توازني لما بلغ السطح، ولذهبت جهودنا جميعا سدى.
أما الخامس فقال:
أنا صعدت إلى ارتفاع أربعة رجال، وخاطرت بحياتي حين واجهت الجندي الفرنسي. وأنا الذي قتلته وألقى الرشاش إلى رفاقه».
استمع سلطان باشا إلى حججهم حتى انتهوا، ثم ابتسم وقال بلهجته الشعبية:
نحنا بالمعركة طول عمرنا ذباحة للعدى، ويلي ذبح بياخذ الرشاش”
وهكذا حسم الخلاف بكلمة موجزة، وجعل الرشاش من نصيب الرجل الذي بلغ السطح وواجه الجندي وأسكت نيرانه.
وبقيت الحكاية تحمل، إلى جانب طرافة الخلاف وحكمة الفصل فيه، صورة لا تنسى: خمسة رجال ينهض بعضهم ببعض حتى يبلغوا غايتهم. فالذي وصل إلى السطح حمل شجاعة قلبه، وحمل معه أيضا تعب الأكتاف التي رفعته وثبات الأقدام التي أسندته.
مغزى الحكاية قد تكون الغنيمة من نصيب رجل واحد، لكن فضل العمل يبقى مشتركا بين كل من أسهم فيه. ومن الوفاء أن يتذكر صاحب الخطوة الأخيرة من مهدوا له الطريق؛ فالنجاح يعلو بالتعاون، وتبقى قيمته محفوظة بالتواضع والاعتراف بفضل ا
