هل يستطيع الأدب أن يكون شاهداً على زمنه من دون أن يتحول إلى خطاب سياسي؟

معين العماطوري
معين العماطوري

استطاع الأديب الناقد والشاعر المترجم الدكتور ثائر زين الدين عضو اتحاد الكتاب العرب، أن يقتحم عالمين معاً الأدب والسياسة في رؤية فكرية طرح إشكاليتهما في كيفية إمكانية الثقافة أن تشكل عاملا في استعادة الحياة، وأجاب على مجموعة من الأسئلة وضعها لإيضاح الدلالات المنطقية في عالم الأدب وكيف يمكن التمييز في أن يدخلَ التاريخُ إلى الأدب، وأن يدخلَ الخطابُ السياسيُّ إلى الأدب وما الفاصل بينهما، دون المساس كل منهما في جوهره آخر وتطلعاته، فقدم الباحث بانوراما فكرية استعرض فيها أعمال روائية لكتاب عالميين ومحليين ووضع شواهد مميزة تدعم رؤيته وأفكاره، مشيراً للأحداث التي جرت في السويداء وعن تجربة الأديب الروائي ممدوح عزام وعمله الأدبي من الشمال إلى الجنوب.    

وأوضح في ورشة العمل فكرية التي اقامتها مديرية الثقافة بالسويداء تحت عنوان “حين تحرس الثقافة الحياة” من خلال محور “الثقافة واستعادة الحياة”، هل يستطيع الأدب أن يكون شاهداً على زمنه من دون أن يتحول إلى خطاب سياسي؟

بدأ د. زين الدين بحثه بقوله: حين نتحدثُ عن علاقةِ الأدبِ بزمنِهِ، سرعان ما تَفْرِضُ أسئلة شائكة نفسَها علينا: هل ينبغي للأديب أن يكون شاهداً على عصره؟ وهل يستطيع أن يتناول الحرب والاستبداد والفقر والاحتلال والتحولات الاجتماعية من دون أن يتحول إلى صاحب بيان سياسي؟ وهل يمكن للأدب أن يكون وثيقةً تاريخية من غير أن يفقد استقلالَه الجمالي؟

ولعلَّ الجوابَ هنا يبدأ من التمييز بين أمرين مختلفين تماماً: أن يدخلَ التاريخُ إلى الأدب، وأن يدخلَ الخطابُ السياسيُّ إلى الأدب.

التاريخ يستطيع أن يكون مادةً للرواية، والسياسة تستطيع أن تكون جزءاً من عالمها، بل إن أعظم الروايات كثيراً ما نشأت في قلب العواصف السياسية والاجتماعية. لكن الأدب لا يصبح عظيماً لأنه يقول لنا “ماذا حدث”، وإنما لأنه يكشف لنا ما الذي فعلَه “ما حدثَ” بالإنسان…وهذه، في رأيي، هي المسافة التي تفصلُ الأدبَ عن الخطاب السياسي.

الخطابُ السياسيُّ يريدُ أن يقنعَنا بموقف، وأن يحدد لنا معنى الحدث، وأن يقودنا غالباً إلى نتيجة واضحة. أما الأدب العظيم فيفعل شيئاً أكثرَ تعقيداً بكثير: إنَّهُ يضعنا داخل الحدث، يجعلنا نرى تناقضاتِه، ونسمع أصوات أطرافه، ونعيش خوفَ الإنسان ورغبَتَه وضعفَه ووهمَه، ثم يترك لنا مهمة اكتشاف المعنى.

ولذلك فإن الرواية التي تقول لنا إن الحرب شرّ قد تكون صادقة، لكنها لا تصبحُ عظيمةً بهذه الحقيقة وحدَها. أما الرواية التي تجعلنا نعيشُ الحربَ إلى الحد الذي يصبحُ فيه الشرُّ تجربةً محسوسةً في مصائر البشر، فهذه رواية تستطيع أن تتجاوز زمنها.

ونوه د. ثائر زين الدين لعل من أشهر الأمثلة على ذلك هو رواية “الحرب والسلام” لتولستوي. لو أراد تولستوي أن يكتب كتاباً سياسيّاً عن الحروب النابليونيّة، لانتهت قيمةُ الكتاب بانتهاء القضيّة السياسيّة التي يناقشها. لكنه لم يفعل ذلك. لقد أخذ الحرب، وهي حدث سياسي وتاريخي ضخم، وأعادها إلى حجم الإنسان: الأمير أندريه، وبيير بيزوخوف، وناتاشا، والجنود والعائلات والحب والخوف والموت، والأسئلة التي تنشأ في قلب الإنسان حين يواجه التاريخ.

واللافت أن نابليون نفسه، بكل حضوره التاريخي، لا يحتل في الرواية الموقع الذي يمنحه له التاريخ الرسمي. فالرواية تنزع شيئاً من سطوة “الرجل العظيم”، وتعيدُ حركةَ التاريخ إلى شبكة هائلة من القوى والأفراد والظروف. وهنا يتحولُ التاريخ من سردية عن القادة إلى تجربة بشريّة جماعيّة. هذه هي إحدى وظائف الأدب الكبرى: أن يعيدَ التاريخَ من مستوى التجريد إلى مستوى الحياة.

وفي “الدون الهادئ” لميخائيل شولوخوف فنرى الأمر بصورة أخرى. الحرب والثورة والتحولات العنيفة التي عصفت بروسيا ليست خلفيّة بعيدة للأحداث، بل تدخل في نسيج حياة الشخصيات نفسها. غريغوري ميليخوف لا يعيش التاريخ من خارجه؛ التاريخ يدخل إلى بيته وعائلته وحبه وانتمائه ووعيه، ويضعه أمام اختيارات لا يستطيع أن يخرج منها سليماً.

وأشار د. زين الدين بقوله: هنا تكمن قيمة العمل الأدبي: إنه لا يحوّل الإنسان إلى مثال سياسي.

غريغوري ليس مجرد “ممثل” لفئة اجتماعيّة أو موقف أيديولوجي. إنه إنسان ممزق، يتقدم ويتراجع، يحب ويخطئ، يختار ثم يدفع ثمن اختياره. ولذلك فإن الرواية لا تمنحنا تاريخ الثورة والحرب بوصفه مجموعةً من المواقف السياسيّة، وإنما بوصفه زلزالاً يصيبُ البنيةَ الداخليّة للإنسان والمجتمع.

وهذا بالضبط ما يفقده الأدب حين يتحول إلى خطاب سياسي مباشر: إنّه يُفقِدُ الشخصياتِ تعقيدَها، لأن الخطابَ يحتاجُ إلى مواقفَ واضحةٍ، بينما تحتاج الرواية إلى بشر لا يمكن اختزالهم في موقف واحد.

وتابع د. ثائر أما “الحياة والمصير”[1] لفاسيلي غروسمان، فهي تقدم لنا مثالاً بالغ الدلالة…الحربُ العالميّةُ الثانيّة، وستالينغراد، والنازية، والاستبداد السوفييتي، ومعسكرات الاعتقال، كلها حاضرة في الرواية. لكن غروسمان لا يكتفي بإدانة النازيّة أو الاستبداد الستاليني. إنه يذهب إلى سؤال أعمق: ماذا يحدث للإنسان حين تصطدم حياته الفرديّة بآليات التاريخ الكبرى؟

ولذلك تصبحُ الحريّةُ في الرواية ليستْ شعاراً سياسيّاً، بل شيئاً بالغَ الصغر أحياناً: قدرةَ إنسان على أن يحتفظ بإنسانيته في ظروف تريد أن تسلبه إياها.

وهنا نلمس فارقاً مهماً بين الأدب والخطاب السياسي. الخطاب يقول: “هذه سلطة ظالمة”. أما الأدب فيستطيع أن يسأل: ماذا تفعل هذه السلطة بالأم؟ وبالعاشق؟ وبالعالم؟ وبالجندي؟ وبالمواطن العادي؟ وماذا يحدث حين يبدأ الإنسانُ نفسُه في استبطان لغة السلطة؟

عند هذه النقطة لا تعود السياسة موضوعاً خارجيّاً في الرواية، وإنما تصبح جزءاً من تكوين الشخصية والوعي واللغة. ولعلَّ هذا هو الشكل الأكثر عمقاً للشهادة الأدبية.

وإذا انتقلنا إلى “جميلة” لجنكيز آيتماتوف التي صدرت عام 1958- وقد ترجمتُها أيضاً وصدرت عن دار الرافدين في بيروت عام 2024 – وجدنا مثالاً مختلفاً تماماً، وربما أكثر بساطة في ظاهره.

فجنكيز آيتماتوف لم يكن يحتاج إلى خطاب سياسي مباشر لكي يقول شيئاً عميقاً عن مجتمعه وزمنه. إنها حكاية امرأة شابة تقع في الحب، وتتمرد على زواج لا تحبه، وقد تبدو لأول وهلة قصةً عاطفيّةً محدودة. لكنها، في عمقها، تتصل بأسئلة أوسع: العلاقة ما بين الفرد والجماعة، بين التقاليد والرغبة.

لم يقل آيتماتوف للقارئ: “هذه هي مشكلات مجتمعنا، وهذا هو موقفي السياسي منها”، لقد فعل شيئاً أذكى فنيّاً: لقد جعلنا نعيشُ المُشكلة من خلال مصير إنسان، وهنا ربما يكمُن سرُ خلود الأدب…الأدبُ لا يحتاج دائماً إلى أن يتحدث عن القضايا الكبرى بأسمائها. أحياناً تكفي امرأة تفتحُ نافذة، أو رجل ينتظر عائداً من الحرب، أو أم تخشى على ابنها، لكي يصبح الزمن كلُّه حاضراً في المشهد، من هذه الأعمال العالميّة.

وأشار الدكتور زين الدين بقوله: أريد أن أنتقل إلى تجربة قريبة منا، إلى كتاب ممدوح عزام الأخير “من الشمال إلى الجنوب/ حكايات عن البيت والناس والكتب والجنود”، لأنني أجد فيه نموذجاً معاصراً للسؤال الذي نطرحه اليوم.

الكتابُ ينطلق من مأساة إحْراقِ بيتِ الكاتبِ ومكتبتِه في قرية تعارة جنوب سورية، لكنه لا يبقى عند حدود الواقعة. النارُ التي التهمتِ البيتَ والكتبَ تستدعي شيئاً أوسع: تستدعي الذاكرة، والطفولة، والقراءة، والكتابة، والرحلة الطويلة مع الكتب، ثم الروايات التي كتبها صاحبها. وهنا تتحولُ النارُ من حادثة إلى استعارة كبرى للذاكرة.

فالبيت لم يكن مجرد بناء احترق، والمكتبة لم تكن مجموعة من الكتب يمكن تعويضها بشراء نسخ أخرى. إن احتراق المكتبة يعني احتراق جزء من السيرة الثقافيّة للكاتب؛ ولذلك يبدأ فعلُ الكتابةِ، بصورة تكاد تكون عكسيّة، إنّه يبدأ من الخراب.

والأهم أن ممدوح عزام لا يحتاج إلى تحويل المأساة إلى بيان سياسي كي تكونَ شاهدة على زمنها. يكفي أن نرى بيتاً يحترق، ومكتبةً تختفي، وكاتباً يحاولُ أن يستعيدَ ما فقده من خلال الذاكرة، لكي نفهم أن ما حدث ليس خسارة ماديّة فحسب.

إنها شهادة على زمن يستطيع فيه العنف أن يصل إلى المكان الذي تتشكل فيه الذاكرة والثقافة والكتابة. وهنا تصبحُ المكتبةُ أكثر من مكتبة؛ إنها وطن ثقافي مصغر.

وأشار الدكتور ثائر زين الدين بأن الأدبُ لا يشهد على زمنه عندما يكررُ لغتَه السياسيّة، بل عندما يكشفُ أثرَ ذلك الزمن في الإنسان، فالسياسي يقول لنا: ماذا حدث؟ أما الأدبُ العظيمُ فيضيف إلى ذلك السؤالَ الأصعب: ماذا حدث لنا بسبب “ما حدث”؟ وهذا الفرق دقيق لكنه حاسم.

الروايةُ تستطيعُ أن تحفظَ شيئاً لا تتمكّنُ الوثيقةُ وحدَها من حفظه، إنّه: الخوفُ الذي كان في صدرِ إنسان، ورائحةُ البيت، وارتباكُ طفل، وانتظارُ امرأة، وصمتُ رجل فقد شخصاً يحبه، والطريقةُ التي تغيرت وفقها علاقة الإنسان بالمكان بعد أن وقعت الكارثة.

وهذا هو التاريخ الذي لا يظهر دائماً في كتب التاريخ…لكن علينا، في المقابل، ألا نذهبَ إلى الطرفِ الآخر ونطالبَ الأدبَ بأن يكون منفصلاً تماماً عن السياسة. هذا أيضاً وهم.

فالكاتب يعيش في مجتمع، واللغة نفسُها لها تاريخ، والمدينة التي يكتب عنها لها سلطة وذاكرة، والجسد الذي يصفه محكوم بعلاقاتٍ اجتماعيّة، والحب نفسه قد يصطدم بقوانين وعادات ومؤسسات. ولذلك فإن السياسة، بمعناها الواسع، لا يمكن طردها من الأدب.

وختم الباحث زين الدين بحثه بالقول: المشكلةُ ليست في حضورِ السياسة في الأدب. المشكلةُ تبدأ حين تبتلعُ السياسةُ الأدبَ...حين تصبحُ الشخصيّةُ مجردَ لسانٍ للكاتب، والحوارُ مَحضَ منبرٍ، والحدثُ محضَ ذريعةٍ لإعلان موقف، تتحول الروايةُ إلى خطابٍ طويل يمكنُ اختصارُه في مقال…أما حين تدخل السياسةُ في أعصابِ الشخصيّاتِ ومصائرِها وعلاقاتِها وذاكرتِها، فإنها تتحول إلى مادة أدبيّة…ولذلك لا أعتقد أن الأدب مطالبٌ بأن يكون “محايداً” بمعنى اللامبالاة…إذن هل يستطيع الأدب أن يكون شاهداً على زمنه من دون أن يتحول إلى خطاب سياسي؟

نعم، بل ربما تكون هذه إحدى أعظم وظائفه. لكن ليس بأن يهرب من التاريخ، وإنما بأن يدخل إليه من البابِ الذي لا يستطيعُ الخطابُ السياسيُّ أن يدخله بسهولة: بابِ الإنسان.

وعندما يستطيعُ الأدبُ أن يفعلَ ذلك، فإنه لا يصبحُ بديلاً من التاريخ، ولا بديلاً من السياسة، بل يصبح شيئاً آخر أكثر بقاءً: يصبحُ ذاكرةً حسيّةً للإنسان داخل التاريخ. ولهذا تبقى “الحرب والسلام”، و”الدون الهادئ”، و”الحياة والمصير”، وغيرها من الأعمال الكبرى، بعد أن تتغير الأنظمة والحدود والخطابات، لأننا لا نعود إليها لكي نعرف فقط ما حدث في زمنها، وإنما لكي نعرف كيف كان الإنسانُ يشعر وهو يعيش ذلك الزمن. وهنا، في تقديري، تكمنُ قدرة الأدب على أن يكون شاهداً: ليس أن يقول لنا: هذا ما حدث. بل أن يجعلنا نشعر، بعد عقود، وكأننا كنا هناك.


[1] كُتبت «الحياة والمصير» عام 1960، وصودرت قبل نشرها، وصدرت للمرة الأولى في لوزان عام 1980 بعد موت مؤلِّفها، ثم نُشرت في الاتحاد السوفييتي عام 1988. ترجمناها إلى العربية وصدرت عن دار سؤال في بيروت عام 2019.

شارك المقال
اترك تعليقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *