منير عكاشة
الفيلسوف المتمرد
ليس الغباء نقصًا في المعرفة. الجهل فراغ، والغباء امتلاء. يعرف الجاهل أنه لا يعرف، والأحمق لا يعرف أنه لا يعرف. أو يعرف، ويرفض. هذا هو الفارق. الجهل يمكن أن يُعلَّم. الغباء لا يمكن أن يُعلَّم، لأنه لا يريد أن يتعلم.
ليس الغباء عدوًا للذكاء. يمكن أن يكون الذكي غبيًا. يمكن أن يكون الأستاذ غبيًا. يمكن أن يكون الرئيس غبيًا. يمكن أن يكون العالم غبيًا. الذكاء سرعة، والتفكير صبر. الغباء سرعة بلا صبر. إنه جواب قبل سؤال. يقين قبل شك. نصر قبل فهم. يريد الغبي أن يصل قبل أن يسير. يريد أن يعرف قبل أن يسأل. يريد أن ينام قبل أن يتعب. ليس الغباء غياب العقل، بل تعطيله. ليس عمى، بل إغماض العين.
ليست الفلسفة حكمة جاهزة. هي حب الحكمة، أي عدم امتلاكها. ليس الفيلسوف من يملك الجواب، بل من يحتمل السؤال. ليست الفلسفة عقيدة، بل نشاط. ليست ملكية، بل بحث. لهذا كانت الفلسفة دائمًا مهددة. لأنها لا تعطي طمأنينة. تعطي قلقًا. والغبي لا يريد قلقًا. يريد أمانًا. يريد أن يقال له: هذا هو الحق. هذا هو العدو. هذا هو الطريق. هذا هو الكتاب. هذا هو الزعيم. هذا هو الإله. لا يريد أن يسأل. يريد أن يطيع. الطاعة أرحم من السؤال. يفتح السؤال أبوابًا لا تُغلق. وتغلق الطاعة كل الأبواب. والغبي يحب الأبواب المغلقة. يشعر فيها بالأمان.
لكن الغباء ليس قدرًا. إنه اختيار. إنه إرادة عدم المعرفة. إنه خوف من الحرية. قال كانط : الرشد هو الخروج من عدم الرشد. لكن الخروج يحتاج شجاعة. والغبي يفتقد الشجاعة، لا الذكاء. يستطيع أن يفكر، لكنه لا يجرؤ. يفكر قليلًا، ثم يتوقف. يرى الشك، ثم يهرب. يعود إلى القبيلة، إلى الحزب، إلى الطائفة، إلى الشاشة، إلى الإيديولوجيا. يريد أن يفكر له أحد. يريد أبًا. يريد سلطة. يريد أن يقال له ما يفعل. الغباء هو رفض الرشد. ليس عجزًا عن الرشد. رفضًا له.
وليس الغباء فرديًا. لا يوجد غبي بمفرده. الغباء جماعي. إنه سائل في الهواء. ينتقل بالعدوى. تحت السلطة، يصبح الناس أغبياء. ليس لأنهم فقدوا عقولهم، بل لأنهم تخلوا عنها. قال لاهوتي ألماني في زنزانة إن الغباء ليس عيبًا فكريًا، بل عيب أخلاقي. تحت الحكم الشمولي، يصبح الناس أغبياء لأنهم يخافون. الخوف يقتل التفكير. والأمان يساعد على التفكير. لكن الأمان ليس كافيًا. هناك غباء في الديمقراطيات أيضًا. غباء السوق. غباء الاستهلاك. غباء الشاشة. غباء الرأي العام. ليس الغباء ابن نظام واحد. إنه ابن كل نظام يريد مواطنين مطيعين. والطاعة تحتاج غباء. أو على الأقل تحتاج تعطيل التفكير.
ليس الغباء فشل النظام. إنه منتجه. لا يريد النظام مواطنين أذكياء. يريد مواطنين مسالمين. والمصالحة مع الواقع تحتاج غباء. أو على الأقل تحتاج صمتًا. تعلّم المدارس الحفظ، لا التفكير. يعلّم الإعلام الخوف، لا الفهم. تعلّم السياسة الكذب، لا المساءلة. يعلّم الدين الطاعة، لا التأمل. يعلّم السوق الاستهلاك، لا الاختيار. الكل ينتج غباءً. والغبي هو من يصدق. ومن يصدق أكثر، ينجح أكثر. ومن يسأل أكثر، يُقصى أكثر. هذا هو الاقتصاد السياسي للغباء.
لا تستطيع الفلسفة أن تهزم الغباء بالحجج. لأن الغباء ليس حجة. إنه جدار. الحجة ترتد. يمكن للفلسفة أن تفعل شيئًا واحدًا: تزرع الشك. ليس الشك تدميرًا. الشك هو أول خطوة نحو الحقيقة. لكن الغبي لا يحب الشك. يريد اليقين. يريد أن ينام مرتاحًا. الفلسفة تقلق. الفلسفة لا تدعك تنام. الفلسفة تسأل: لماذا؟ من قال؟ ما الدليل؟ ماذا لو كنت مخطئًا؟ هذه الأسئلة لا تهدئ، بل تزعج. والغبي لا يريد أن يُزعج. يريد أن يبقى في نومه.
وأخطر أنواع الغباء هو غباء الفيلسوف. الفيلسوف الذي تحول إلى مدرسة. الذي صار له أتباع. الذي يملك الحقيقة. تصبح الفلسفة غبية عندما تصبح عقيدة. عندما تقول: أنا الحقيقة. يجب أن تبقى الفلسفة سؤالًا. لا أن تصبح جوابًا. سقراط لم يكتب. لأنه لم يرد أن يترك عقيدة. ترك سؤالًا. ومات بسبب السؤال. لم يقتله الجهل. قتله الغباء. لم يكن الأثينيون جهلة. كانوا يعرفون. لكنهم رفضوا أن يعرفوا. هذا هو الغباء.
والتراث العربي عرف هذا. قال الجاحظ: الجاهل من لا يعرف، والأحمق من لا يريد أن يعرف. وكان أبو حيان التوحيدي يسخر من علماء زمانه الذين يملكون المعرفة ولا يملكون التفكير. قال المعتزلة: الظلم اختيار. والغباء أيضًا اختيار. قال ابن خلدون: يبدأ المُلك عصبية، وينتهي استبدادًا. والاستبداد ينتج غباءً. ليس لأن الناس أغبياء، بل لأن النظام يكافئ الغباء. يعاقب التفكير. يقتل السؤال. يمنح الجوائز للصامتين.
لا تنتصر الفلسفة في مواجهة الغباء في معركة واحدة. إنها تقاومه يوميًا. لا نصر، لا خلاص. فقط محاولة. لا تحرر الفلسفة الغبي. لأن الغبي لا يريد أن يتحرر. والفلسفة تحرر من يريد أن يتحرر. لكن حتى هذا ليس مضمونًا. قد نتحرر ثم نصبح أغبياء. قد نقتل الأب ثم نصبح آباء. قد نرفض السلطة ثم نصبح سلطة. ليس الغباء خارجنا. إنه فينا.
ليست الفلسفة دواءً. إنها مرآة. تريك وجهك. لكنها لا تجبرك على النظر. يمكنك أن تغلق عينيك. هذا هو الغباء.
لا تهزم الفلسفة الغباء. لكنها تجعله يرى نفسه. وهذا كل ما تستطيع. وهذا كثير.
